من خلال تزويد مستخدميها بقوة مضاعفة، باتت طائرات بيرقدار تي بي 2 المسيّرة هي المسؤولة عن تقدُّم أذربيجان الخاطف على طريق لاتشين السريع الذي يربط ناغورني قره باغ المحتل بأرمينيا.

طائرات بيرقدار تي بي 2 المسيّرة التركية
طائرات بيرقدار تي بي 2 المسيّرة التركية (AA)

تخوض أذربيجان وأرمينيا معركةً شرسة من أجل منطقة ناغورني قره باغ المحتلة والمتنازع عليها منذ زمنٍ بعيد، مع إبلاغ الجانبين عن خسائر بشرية كبيرة.

إذ أكّدت جمهورية أرتساخ المدعومة من أرمينيا، والتي تحتل منطقة ناغورني قره باغ، أنّ حصيلة وفياتها العسكرية بلغت 974. في حين تقول أذربيجان إنّ 65 أذربيجانياً قُتِلوا وأُصيب 298 آخرون، لكنّها لم تكشف عن أعداد وفياتها من العسكريين.

والصراع الحالي هو الأسوأ في تاريخ المنطقة منذ النزاع الأصلي المُدمّر في التسعينيات. فرغم حالات وقف إطلاق النار بوساطةٍ روسية، برزت تقارير غير مسبوقة عن حجم دمار المعدات العسكرية على الخطوط الأمامية.

وبعكس النزاعات السابقة في ناغورني قره باغ، التي شهدت حصيلة وفيات تجاوز 30 ألفاً، أحرزت أذربيجان تقدّمات كُبرى بعددٍ أقل من الضحايا. فبعد استيلائها على سلسلةٍ من القرى والجسور الاستراتيجية، احتلت قوات أذربيجان المسلحة الحدود الجنوبية لمنطقة ناغورني قره باغ مع إيران في 22 أكتوبر/تشرين الأول، ثم بدا أنّها تتحرّك إلى الشمال الغربي في 23 أكتوبر/تشرين الأول وتتقدّم على ممر لاتشين الشهير.

ويحتوي ممر لاتشين على الطريق السريع الكبير الوحيد الذي يربط بين جمهورية أرتساخ المُعلنة ذاتياً وأرمينيا. في حين تُظهِر آخر تحديثات الموقع الجغرافي أنّ تقدُّم أذربيجان جعلها تُسيطر على قرابة 10% من منطقة ناغورني قره باغ، تاركاً قواتها على بُعد 10 كيلومترات فقط من قطع طريق لاتشين السريع.

والسيطرة على الطريق السريع ستقطع إمدادات الوقود، والذخيرة، والتعزيزات العسكرية من أرمينيا.

وفي أعقاب هجوم أرتساخ المضاد لصد تقدُّم أذربيجان المستمر على الطريق السريع، بدأت القوات الأرمينية أيضاً هجومها المضاد بالقرب من حدود أذربيجان مع أرمينيا الجنوبية الغربية، في محاولةٍ على ما يبدو لتخفيف الضغط عن هجوم طريق لاتشين السريع.

ولكن بالنسبة إلى أذربيجان فإنّ الأصل الاستراتيجي بات نصب أعينها، وفي متناول يدها. وتقليدياً من الممكن استخدام المدفعية وقذائف الهاون والنيران المباشرة والصواريخ الموجهة في الصباح لصد قوافل العدو العسكرية.

ولكن الآن حتى ظلام الليل لم يعُد يُوفر الأمان الكافي، فالأمان مسألةٌ صعبة، لكن الطائرات المسيّرة تجعل كل شيءٍ مُمكناً، ففي ساحات القتال اليوم إذا سيطرت على السماء فسوف تُسيطر على الأرض. وبالنسبة إلى أذربيجان نجد أنّ السيطرة على طريق لاتشين السريع تمنحها أفضلية كُبرى في أثناء التفاوض على نهايةٍ ملائمة للقتال.

تهديد عقيدة الدبابات

لا تصلح منطقة ناغورنو قره باغ الجبلية تماماً لحركة الدبابات، إذ إنّ المسارات الطويلة والضيقة والمتعرجة بين جبالها تترك الدبابات مكشوفةً تماماً. وتقليدياً تُستخدم الدبابات جنباً إلى جنب مع القوات البرية لضمان عدم استخدام الأسلحة المضادة للدبابات في مواجهة المدرعات العسكرية باهظة الثمن.

ولكن خلال الحرب الحديثة أثبتت الدبابات قيمتها في الحفاظ على المواقع عند حفر تكتيكات التحصين.

فمن خلال تقليل الأجزاء المكشوفة، تجعل الدبابات المخندقة التقدم الإضافي للعدو باهظ الثمن. وربما يُؤدي عجزها عن التغلب على القوة الجوية بالمعركة إلى طريقٍ مسدود. ولكن يُمكن القول إنّ الوجود القوي للقوات الجوية يُمكن تخفيفه باستخدام صواريخ أرض-جو، وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة الرخيصة نسبياً والتي يُمكن أن يتراوح سعرها بين خمسة آلاف و300 ألف دولار بالنسبة إلى الأنظمة الأكثر تقدُّماً. ومع متوسط أسعار المقاتلات الذي يتراوح بين 10 و100 مليون دولار، تظهر الحسابات القاتمة للحرب غير المتكافئة سريعاً.

اقرأ أيضاً:
من "حرب الاستقلال" إلى تحرير قره باغ.. تلاحم تاريخي بين تركيا وأذربيجان

وهذا المنطق الاستراتيجي تحديداً هو ما دفع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى تسليح طالبان ضد قوات الاتحاد السوفيتي التي كانت تحتل أفغانستان في التسعينيات، مما أدّى إلى الانسحاب الروسي السوفيتي في النهاية.

وفي السابق كانت القدرة على اختراق الدفاعات المُحصنة للعدو أفضليةً لا تتمتّع بها سوى أكثر الجيوش تقدُّماً، لكنّها لم تعُد حكراً على القوى الكبرى لأنّ الحرب الحديثة تتغيّر، وتمنح القوى المتوسطة القدرة على تحقيق انتصارات أكبر من إمكاناتها بأقل تكلفة.

وفي حين يجري تنظيم بيع الطائرات المسيّرة، مثل بريداتور الأمريكية، على نطاقٍ واسع لضمان احتفاظ الولايات المتحدة وحلفائها بتفوقهم العسكري، فإن الأوضاع تتغيّر سريعاً.

وهنا يأتي دور طائرة بيرقدار تي بي 2 المسيّرة تركية الصنع.

تكتيكاتٌ جديدة

شهد الاسترداد الأذربيجاني المتواصل لأراضي منطقة ناغورني قره باغ عدداً كبيراً من المقالات التي تُنكر أنّ الحرب تغيّرت بفضل الاستخدام المنهجي للطائرات المسيّرة في الحرب الحديثة، وفي أفضل الأحوال أقرّ الخبراء بأنّ "الطائرات المسيّرة التركية الرخيصة شقّت الدفاعات الأرمينية". ورغم الترتيبات العسكرية شبه المتكافئة، فإن "العسكرية الأذربيجانية تتمتّع بتفوّق نوعي تكنولوجي مُحدّد"، وفقاً لاعتراف المحلل الدفاعي الروسي بافل فيلغينهاور خلال حديثه إلى صحيفة The Economist البريطانية.

بينما بدأ مقالٌ آخر بالعنوان التالي: "لا، الطائرات المسيّرة لم تجعل الدبابات من المعدات التي عفى عليها الزمن". وفي المقال جادل الخبراء بأنّ الخسائر الأرمينية كانت بسبب ضعف التدريب وصعوبة التضاريس، وليس "التكنولوجيا السحرية".

لكن صعود حرب الطائرات المسيّرة غير الأمريكية كان في طور الإعداد منذ فترةٍ طويلة. ففي أواخر فبراير/شباط عام 2020 قُتِلَ 33 جندياً تركياً في غارةٍ على إدلب، وسرعان ما أطلقت تركيا هجوماً استمر لمدة خمسة أيام في شمال سوريا منح طائرات تي بي 2 سمعتها الحالية.

وفي نشرٍ جديدٍ كلياً للطائرات المسيّرة التي تستهدف القوات المدرعة ومخازن الأسلحة الكيماوية ومنصات الدفاع الجوي، نفّذت تركيا مئات الغارات الجوية وزعمت أنّها حصدت أرواح 2500 من مقاتلي النظام السوري. وأوقف الانتصار الذي أعقب ذلك من تقدُّم النظام السوري في إدلب، وضغط على موسكو من أجل التوسّط في وقفٍ لإطلاق النار.

واستُخدِمَت التكتيكات نفسها بواسطة أذربيجان في الجولات الأولى من الصراع، إذ استخدمت الطائرات المسيّرة للقضاء بشكلٍ منهجي على عددٍ هائل من منشآت الدفاع الجوي والمدفعية والدبابات باستخدام أسطولٍ صغيرٍ نسبياً من تي بي 2.

ارتفاع المدّ

بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول سارعت الولايات المتحدة إلى بسط هيمنتها على حرب الطائرات المسيّرة، وشنّت غارتها الأولى في عام 2001. وتخضع مبيعات طائرات بريداتور وريبر المسيّرة لتنظيمٍ صارم من قبل الجيش وإشرافٍ من الكونغرس. ودفعت القيود والأسعار الباهظة (إذ تُكلّف طائرة ريبر نحو 12 مليون دولار) ببعض الدول إلى الاتجاه لطائرات سي إتش 4 الصينية، وهي طائرات مسيّرة مشابهة ولكنّها أقل تطوّراً. لكن في تركيا مثلاً كان هناك طائرةٌ صاعدة جديدة.

ففي عام 2005 قدّم طالب الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سلجوق بيرقدار (26 عاماً) طائرةً مسيّرة صغيرة منزلية الصنع أمام مجموعةٍ من المسؤولين الأتراك. وبعد أنّ تولى رئاسة شركة والده الهندسية، التي تأسّست في الأصل عام 1984، بدأت الشركة في التركيز على الطائرات المُسيّرة.

وتساءل بيرقدار: "هناك Boeing وLockheed، وهي شركاتٌ كبرى. بينما نستطيع نحن صناعة نفس الأنظمة. وفي حال دعمت تركيا هذا المشروع وهذه الطائرات المسيّرة فسوف تصير البلاد في الطليعة العالمية بسهولة خلال خمس سنوات".

وبحلول عام 2007 تخلّى بيرقدار عن الدراسة من أجل درجة الدكتوراه في أمريكا، وعاد من أجل العمل بدوامٍ كامل على بناء الطائرات المسيّرة في تركيا. وفي غضون بضع سنوات، تفوّقت طائراته المسيّرة على طائرات الشركة التركية لصناعات الفضاء، وقضت تماماً على المنطق القائل إنّه من الأفضل لتركيا أن تشتريها من الولايات المتحدة بدلاً من صنع طائراتها بنفسها.

وغيّرت تلك الطائرات من قواعد اللعبة، ومنحت القوات التركية معلومات استخباراتية فورية عن تحركات حزب العمال الكردستاني عبر الحدود. وبحلول عام 2019 كانت تركيا قد نشرت أكثر من 75 طائرة تي بي 2 مسيّرة، تطير لأكثر من ستة آلاف ساعة شهرياً. وبمدى يصل إلى 150 كيلومتراً، وحمولة تصل إلى 54 كيلوغراماً، قمعت الطائرات المسيّرة تحركات حزب العمال الكردستاني وأنشطته الكبرى. ويتكفّل التاريخ برواية ما تبقى من القصة.

وبعد استخدامها في سوريا وليبيا وضد حزب العمال الكردستاني، وبعد ثماني سنوات فقط من رحلتها الأولى، باتت طائرات تي بي 2 المسيّرة (بتكلفتها الزهيدة التي تصل إلى خمسة ملايين دولار) تُستخدم بواسطة دولٍ مثل ليبيا وأذربيجان وقطر وتركمانستان وعمان وباكستان.

وبالنسبة إلى القوى العالمية التقليدية، أثار ذلك الأمر المخاوف من تغيّر ديناميكيات القوة حول العالم. وبالنسبة إلى تركيا فقد خطت خطوةً أخرى تُقرّبها من القضاء الكامل على اعتمادها على الخارج في الصناعات الدفاعية بحلول عام 2023.

ولكن في أذربيجان تُمثّل هذه الطائرات بديلاً للصراع المُطوّل والمحفوف بالمخاطر، وأملاً في استرداد الأراضي المحتلة.

المصدر: TRT عربي