بدأت الجماعة الإرهابية في التسلل سراً إلى مؤسسات الدولة التركية بدءاً من السبعينيات، حتى نفّذ زعيمها فتح الله كولن مسعاه الدموي في ليلة الـ15 من يوليو/تموز عام 2016.

للمرة الأولى منذ الاستقلال بعد الحرب، نجحت تركيا في هزيمة محاولة انقلاب عسكري، يتعلق الأمر بمحاولة انقلاب الـ15 من يوليو/تموز عام 2016. إذ تسلّل أعضاء منظمة فتح الله الإرهابية (فيتو) إلى قطاعات من القوات المسلحة التركية، وقتلوا في تلك الليلة المشؤومة 251 شخصاً وجرحوا زهاء الألفي شخص، باستخدام الدبابات والجنود المدججين بالأسلحة في الشوارع.

لكن المؤامرة كانت محكومةً بالفشل، إذ اجتاح الشعب التركي الشوارع غضباً وإدانة، وقاوموا بشجاعة الجنود المارقين، وصارت محاولة الانقلاب الفاشلة فصلاً بارزاً في تاريخ تركيا.

فكيف نجح كولن، الرجل المُسن الذي فرّ من منظومة العدالة التركية ليعيش داخل مدينةٍ أمريكية تحت حماية الولايات المتحدة منذ عام 1999، في التسلّل إلى مؤسسات الدولة التركية؟

البداية كانت في الستينيات.

الأيام الأولى

في وقتٍ ما بين عامي 1962 و1963 صار كولن عضواً في مجلس إدارة "جمعية الكفاح ضد الشيوعية" داخل مسقط رأسه في أرضروم، المدينة الهادئة في شرق الأناضول وتشتهر بقلاعها وتلالها المنخفضة. وإبان الحرب الباردة قرّبه نشاطه المناهض للشيوعية من جهاز الاستخبارات الأمريكي الأساسي: وكالة الاستخبارات المركزية.

وبدأ الوعظ في المساجد وهو في الـ17 من عمره، مما قرّبه إلى الدوائر الدينية في أرضروم، وانضم في النهاية إلى رئاسة الشؤون الدينية التركية ليصير إماماً رسمياً.

سعى كولن منذ البداية إلى الحصول على الاعتراف الاجتماعي وربط نفسه عادةً بسعيد النورسي مؤسس
سعى كولن منذ البداية إلى الحصول على الاعتراف الاجتماعي وربط نفسه عادةً بسعيد النورسي مؤسس "حركة النور" التي روّجت لإعادة تفسير القرآن ()

وسعى كولن منذ البداية إلى الحصول على الاعتراف الاجتماعي، وربط نفسه عادةً بسعيد النورسي، مؤسس "حركة النور" التي روّجت لإعادة تفسير القرآن بما يتناسب مع العصر إبان كفاح المسلمين الأتراك من أجل ممارسة دينهم دون خوفٍ من انتقام الدولة.

وبحلول أوائل السبعينيات كان كولن قد بنى شبكةً من الأتباع وأسّس حركة "حزمت" (الخدمة)، التي زعمت أنّها غير سياسية ومُسخّرة بالكامل لتعليم أعضائها.

ولم يستطع كولن إخفاء طموحاته الخطيرة لفترةٍ طويلة، ففي أحد الخطابات التي ألقاها خلف الأبواب المغلقة خلال التسعينيات، شجّع أعضاء الحركة على اختراق مؤسسات الدولة ببطء، واستهدافها جميعاً بدءاً من القضاء والشرطة ووصولاً إلى الجيش والشركات الصغيرة والكبيرة. وقال في حديثه إلى أعضاء جماعته خلال التسعينيات: "ستظل كل الخطوات التي نُقبل عليها مُبكّرةً حتى نمتلك السلطة لحمل العالم فوق أكتافنا والمضي قدماً، وحتى نُسيطر على كل الأشياء التي تُمثل تلك السلطة، وحتى نستولي على السلطة في كافة المؤسسات الدستورية لهيكل الدولة التركية".

وطالما سخر كولن من حركة الشباب الأتراك، التي ألغت الملكية العثمانية وأسّست الدولة التركية العلمانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، قائلاً إنّ الحركة حادت عن أهدافها وضلّت الطريق. كما روّج لفكرة أنّ التعليم يُمثّل أفضل استجابة لحل مشكلات البلاد، وهو الموقف الذي جذب أعداداً متزايدة من الشباب من أُسر الطبقة المتوسطة.

تَضخُّم الشبكة

انتبه رادار الجيش التركي إلى كولن في عام 1971، إذ حكمت عليه لجنةٌ عسكرية بالسجن لتقويضه الميثاق العلماني الخاص بالجمهورية التركية. وفي عام 1974 صدر قرارٌ بالعفو عنه وأُطلِق سراحه.

اقرأ أيضا:

تركيا.. كيف ساهم وعي المجتمع في إفشال الانقلابيين؟

وبحلول عام 1977 موّل كولن برنامجاً وفّر 70 شقة مشتركة على الأقل للطلاب الفقراء، وكانت تلك الشقق تُسمى بين أعضاء منظمته "المنارات"، وتزايدت أعدادها سريعاً.

وفي يونيو/حزيران عام 1980، قبل ثلاثة أشهر من الانقلاب العسكري، أظهر كولن براعةً واضحة في المداهنة والتملّق، إذ مجّد الجيش في مقالٍ نشرته مجلةSizinti Journal التركية، ممَّا ساعده في النهاية على الإفلات من قبضة الجيش. واعتقد العديد من المراقبين الإقليميين حينها أنّه كان على علمٍ بما سيحدث بعد ثلاثة أشهر، لذا قرّر حماية نفسه من خلال الإشادة بالجيش في مقاله.

وفي عام 1981، إبان حُكم القبضة الحديدية للجيش التركي، استقال كولن من رئاسة الشؤون الدينية.

وحينها كان عدد مناراته المزعومة قد وصل إلى 100، وبدأت شبكته في جمع المعلومات الاستخباراتية عن أسرار الدولة.

كما بسطت المنظمة أجنحتها خارج تركيا. فانطلاقاً من عام 1991 فتحت مدارسها داخل 160 دولة على الأقل لتُغطي مساحةً شاسعة من الأرض، بدءاً من آسيا الوسطى وصولاً إلى جنوب آسيا وإفريقيا.

وبنت المنظمة قصراً على مساحة 130 فداناً داخل ولاية بنسلفانيا الأمريكية، قبل أن ينتقل إليه كولن بشكلٍ دائم عام 1999.

وبحلول التسعينيات أدرك كولن ومنظمته أنّ مؤسساتهم التعليمية كانت محوريةً في تجنيد المزيد من الشباب لاعتناق فكرهم، لذا افتتح مراكز تدريس خاصة بطول تركيا تحت اسم "مركز فرات التعليمي"، ومنح السيطرة الإدارية لمن وصفهم بـ"الإخوة" في كل مدينة.

وتحوّل مزيج المؤسسات التعليمية الخاصة والمنارات إلى طاحونة إنتاج متكاملة لكولن، إذ انخرط الطلاب الخريجون في الكليات العسكرية وأكاديميات الشرطة، في حين انضم المقيمون في المنارات إلى المعاهد الدينية ليصيروا أئمةً مُجازين من الحكومة بنهاية المطاف.

وانتشرت التقارير حول علاقة كولن بوكالة الاستخبارات المركزية في الصحافة التركية على نطاقٍ واسع. وبحلول أواخر التسعينيات كان واحداً من أقوى المدافعين عن الهيمنة الأمريكية في العالم. وفي عام 97، قال خلال إحدى المقابلات: "إنّك لا تستطيع اتّخاذ خطوةٍ واحدة إلى الأمام بدون تكوين علاقةٍ ودية مع الولايات المتحدة. وإذا استطعنا فتح مدارس في كافة أنحاء العالم فإنّ السبب هو علاقتنا بالولايات المتحدة. إنّ الأمريكيين هم قباطنة سفينة العالم".

وقام كولن بعدة رحلات إلى الولايات المتحدة أواخر التسعينيات، قائلاً إنّ سبب سفره هو تلقي العلاج الطبي، لكنّه لم يكشف عن أيّ مرض أو حالة بعينها. لذا فتح النائب العام التركي آنذاك، نوح متى يوكسل، تحقيقاً في الأمر، لكن كولن سافر إلى الولايات المتحدة مرةً أخرى بحجة الدواعي الصحية المزعومة، ولم يعُد إلى البلاد منذ ذلك الحين.

وفُتِح التحقيق بسبب تقريرٍ قدّمه جودت سارال، مدير أمن أنقرة، إذ أوضح التقرير كيف كانت حركة كولن "تخترق الدولة التركية".

اقرأ أيضا:

محاولة الانقلاب الفاشلة 2016.. فشل التآمر في الغرف المظلمة أمام إرادة الشعب

وبإرسال التقرير إلى دائرة الاستخبارات في الشرطة الوطنية التركية غادر كولن البلاد بعد فترةٍ قصيرة.

وخضعت علاقته بالبابا يوحنا بولس الثاني للتدقّيق من الرأي العام في أواخر التسعينيات، إذ أعلن البابا في ذلك الوقت "رسالة المسيح المُخلِّص"، وكتب خطاباً يهدف إلى إعادة جميع البشر إلى الكنائس، وجذب ذلك الخطاب اهتمام كولن.

وكتب كولن إلى البابا مُشيداً برؤيته لـ"تنصير" العالم في الألفية الثالثة، وعرض تقديم خدماته قائلاً إنّه كان يقرأ الرسالة ليصير جزءاً من حوارٍ بين الأديان المختلفة بهدف تحقيق الغاية من "رسالة المسيح المُخلِّص".

ومنذ أيام الوعظ الديني داخل مسقط رأسه أثبت كولن حاجته إلى البقاء على مقربةٍ من أروقة السلطة، إذ حاول تكوين علاقة مع حزب العدالة والتنمية، عقب انتخابه لرئاسة الحكومة في تركيا عام 2002.

التسلّل إلى الدولة التركية

رغم ذلك بدأ التآمر ضد حزب العدالة والتنمية في عام 2005. ووفقاً لمصادر استخباراتية تركية حاول أتباع كولن الحصول على معلومات عن الحكومة والشركات والأشخاص المؤيدين لأردوغان وحزب العدالة والتنمية.

ووفقاً لعدة تقارير صحفية، تواصل رجال كولن مع رئيس الاستخبارات التركية هاكان فيدان في عام 2012، وطلبوا منه الإدلاء بشهادته ضد الحكومة وتنظيم انقلابٍ قضائي في ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه.

وجاءت الخطوة على خلفية قرار الحكومة التركية بإغلاق المؤسسات التعليمية الخاصة التابعة لكولن في تركيا.

وأُطلِق على المحاكمة لقب "مؤامرة إم آي تي"، تيمُّناً بالأحرف الأولى من اسم جهاز الاستخبارات الوطنية في اللغة التركية، لأنّها تتقصّى دور الجماعة في محاولة اعتقال مدير جهاز الاستخبارات هاكان فيدان وآخرين خلال عام 2012. وقرّرت المحكمة في منطقة سيليفري، حيث يُوجد مُجمّع شديد الحراسة يُؤدّي دور السجن وحرم المحاكم في الجانب الأوروبي من إسطنبول، منع الصحافة من حضور الجلسات لتعلّقها بمسائل استخباراتية. ويخضع 14 متهماً في القضية للاحتجاز، في حين ما يزال 15 آخرون فارين من العدالة. وجرى الإفراج عن آخرين على ذمة القضية في وقتٍ سابق. وتضُم القضية 32 مدعياً بينهم فيدان، والرئيس رجب طيب أردوغان، ووزراء سابقون.

ويقول المدعون إنّها كانت "المحاولة العلنية الأولى من فيتو، التي تهدف لإسقاط الحكومة، ضد الحكومة".

وتُشير لائحة الاتهامات إلى أنّ الجماعة سعت للإطاحة برئيس جهاز الاستخبارات عبر تحقيقٍ زائف. إذ جرى استدعاء فيدان وغيره من المسؤولين الحكوميين للإدلاء بشهاداتهم على يد مدعين مرتبطين بفيتو في السابع من فبراير/شباط، بسبب مزاعم حول علاقة جهاز الاستخبارات بجماعة حزب العمال الكردستاني الإرهابية. وكشفت التحقيقات اللاحقة أنّ المدعين والقضاة سعوا إلى القبض على فيدان بنهاية المطاف لإثارة أزمة. ولم يُدل فيدان بشهادته في المحكمة بناءً على تعليمات أردوغان، الذي كان رئيساً للوزراء آنذاك.

ويبدو أنّ قدراً كبيراً من الأدلة المستقاة من شهادات الشهود، والتحقيقات، ولقطات الفيديو والملاحظات التي جُمِعَت في أعقاب ليلة الـ15 من يوليو/تموز داخل تركيا تكشف أنّ فتح الله كولن ومنظمة فيتو الإرهابية كانا وراء محاولة الانقلاب التي حدثت في الـ15 من يوليو/تموز عام 2016.

إذ يبدو أنّ العديد من جنود الجيش السابقين اعترفوا بأنّهم كانوا أعضاء في فيتو منذ فترات طويلة، وصلت في بعض الأحيان إلى المدرسة الثانوية العسكرية، وأنّ كولن كان وراء محاولة الانقلاب.

وكان عادل أكسوز، الذي يُعد المُخطِّط الرئيسي للانقلاب بعد كولن، في قيادة القاعدة الجوية الرابعة (آقنجي) بالقرب من العاصمة أنقرة في ليلة الانقلاب.

ويُقال إن أكسوز أدّى دوراً محورياً في محاولة الإطاحة بالحكومة، إذ كان "إمام" أعضاء فيتو في القوات الجوية التركية، وما يزال هارباً من العدالة بعد إطلاق سراحه على ذمة القضية في أعقاب القبض عليه.

وعاد الأستاذ السابق إلى تركيا قبل يومين من محاولة الانقلاب، إذ سافر إلى الخارج 109 مرات منذ عام 2002.

ويُزعم أن أكسوز سافر إلى الولايات المتحدة في الـ11 من يوليو/تموز على نفس طائرة كمال باتماز، الذي اكتُشِف لاحقاً أنّه الرجل الثاني في مؤامرة الإعداد للانقلاب.

كما لاحظت الشرطة أيضاً تلقّي جماعة حزب العمال الكردستاني الإرهابية معلومات عن الجنود الأتراك الذين ينتمون إلى منظمة فيتو الإرهابية عبر ترددات الراديو.

المصدر: TRT عربي