لم يبذل صنّاع المسلسل الإماراتي "ممالك النار" جهداً لإخفاء غرضهم في تشويه صورة الدولة العثمانية والإساءة إلى تاريخها، في عرضهم للمشاهد التي تتحدث عن السلاطين العثمانيين، إذ يمتلئ المسلسل بالأخطاء التاريخية.

لا تخلو المسلسلات التاريخية من الأخطاء التي يقع فيها صُنَّاعها بسبب ندرة المصادر أو تضاربها في بعض الأحيان، أو اضطرارهم إلى تغيير بعض الأحداث أحياناً أخرى لتتناسب مع السيناريو. إلا أنه بعد عرض الحلقات الأولى من المسلسل الإماراتي "ممالك النار" أدرك كثير من المتابعين أن ظنّهم لم يخِبْ بخصوص توقعاتهم حول المسلسل، وكيف سيتعمد تحريف الوقائع التاريخية لخدمة الغرض السياسي من إنتاجه.

ولم يبذل صُنَّاع المسلسل أيضاً أي جهد لإخفاء غرضهم المتمثل في الإساءة إلى تاريخ الدولة العثمانية، في أثناء عرضهم المشاهد التي تتحدث عن السلاطين العثمانيين.

يبدأ المسلسل بمشهد عن السلطان محمد الفاتح وعبارة:

"عام 1451 وصل السلطان محمد بن مراد الشهير بالفاتح إلى عرش السلطنة العثمانية بعد قتاله مع ثلاثة من إخوته. وبعد أن أصبح سلطاناً أمر بقتل أخيه أحمد الذي كان يبلغ من العمر ستة أشهُر فقط خوفاً من أن يكبر وينافسه على العرش، ثم سنّ قانوناً يُجِيز للسلطان أن يقتل إخوته للوصول إلى الحكم".

بغض النظر عن أن الشخص الذي ظهر في المشهد في دور السلطان محمد الفاتح كان مُسِنّاً للغاية كأنه في الثمانين من عمره، والسلطان محمد الفاتح توُفّي وهو لا يزال في التاسعة والأربعين، فإن المشهد الذي لم تتعدَّ مدته ثواني معدودة كان حافلاً بالأخطاء التاريخية المتعمَّدة التي لا مبرِّر لها والتي لا يحتاج المشاهد إلى أن يكون متخصصاً في التاريخ ليدركها.

فالجميع يعرف أن السلطان مراد الثاني تنازل لابنه محمد عن العرش وهو لا يزال في الثانية عشرة من عمره عام 1444، قبل أن يعود للعرش مرة أخرى حتى وفاته عام 1951، ليعود السلطان محمد الفاتح أيضاً لتولي الحكم مرة أخرى، ولم يكُن له إخوة وقتها لكي يقاتلهم على العرش. وهو أمر تُقِرُّه كل المصادر التاريخية، منها: موسوعة التاريخ الإسلامي: العصر العثماني (1516هـ/1916م ص 19).

الأمر الثاني هو ادِّعاء أن السلطان الفاتح أمر بقتل أخيه أحمد الذي كان يبلغ من العمر ستة أشهر فقط خوفاً من أن يكبر وينافسه على العرش. فهذه الحادثة وإن كان كثير من المصادر التاريخية ينفي وقوعها من الأساس، فإنه حتى المصادر التي تُقِرّ بوقوعها تذكرها في سياق مختلف تماماً لا للسبب الذي يمكن وصفه بـ"السذاجة" الذي ساقه صناع المسلسل، وهو الخوف من أن طفلاً سنّه 6 أشهر سيكبر وسينازعه على العرش.

أما الخطأ الثالث فهو الادِّعاء بأن السلطان محمد الفاتح سَنَّ قانوناً يُجِيز للسلطان أن يقتل إخوته للوصول إلى الحكم. والحقيقة أن الفاتح لم يسنّ قانوناً مثل هذا، بل كانت الوثيقة المعروفة بـ"قوانين الفاتح" تتحدث عن تطبيق كان متَّبَعاً في الدولة منذ تأسيسها ويُطبَّق في ظروف معيَّنة لمنع حدوث فتن تؤدي إلى إراقة دماء الرعية، ولم يكُن تطبيقاً سنَّه السلطان الفاتح. علاوة على أن السلطان -أي إنه بالفعل وصل إلى الحكم- ليس في حاجة إلى قتل إخوته للوصول إلى العرش لأنه وصل إليه بالفعل.

- الادِّعاء أن الأمير بايزيد متورط في قتل أبيه السلطان محمد الفاتح عن طريق دسّ السمّ له

والحقيقة أنه لا تتحدث أي مصادر تاريخية معتبرة عن قتل السلطان محمد الفاتح، وكل المصادر تذكر أنه توُفّي وفاة طبيعية، كما ذكر البروفيسور د.أحمد شمشير غيل في كتابه "قايي" الجزء الثاني ص 292، كما يذكره عاشق باشا زاده في "تواريخ آل عثمان" الذي يعد أحد أهم المراجع في التاريخ العثماني.

واستمرّ الحال هكذا حتى عام 1953 حينما زعم المؤرخ الألماني فرانس بابنغر أن السلطان محمد الفاتح قُتل مسموماً عن طريق إعطائه جرعة دواء زائدة لقتله، مضيفاً أن احتمالاً كبيراً أن يكون البنادقة أو ابنه بايزيد متورطين في قتله، دون أن يسوق أي دليل بخصوص ادِّعاءاته.

- إظهار السلطان سليم بقرط في أذنه منذ طفولته

أظهر صُنَّاع المسلسل السلطان سليم بقرط في إحدى أذنيه منذ كان طفلاً صغيراً ظنّاً منهم أن ذلك سيزيد في تشويه صورته، لأن ارتداء القرط للرجال أمر مستهجَن في الثقافة العربية. والحقيقة أنه لا يذكر أي مؤرخ أو أي مصدر تاريخي أن السلطان سليم الأول كان يضع قرطاً في إحدى أذنيه، بل يتحدث معظم المصادر عن أنه كان يكره التزيُّن والمغالاة في اللباس. وكل ما يُشاع عن الموضوع هو مجرد اختلاقات لبعض كتاب الروايات معتمدين في ذلك على صورة رسمها رسام مجري للسلطان سليم ووضع له من مخيلته قرطاً في إحدى أذنيه وقلادة وتاجاً. ويقول المؤرخ التركي قدير مصر أوغلو، وهو من أكبر المؤرخين الأتراك، إن عديداً من المنمنمات رُسمت منذ ذلك العصر، ولا يصوّر أي منها السلطان سليم بقرط في أذنه، مرجحاً أن تكون الصورة التي رسمها الرسام المجري هي للشاه إسماعيل الصفوي لا للسلطان سليم.

الأمر الغريب أنه حتى القصص الوهمية التي تتحدث عن وضع السلطان قرطاً في أذنه تربط بين قيامه بذلك بحادثة وقعت بعد فتح مصر، إلا أن صناع المسلسل أصرُّوا أن يُظهِروه بقرط في أذنيه منذ طفولته، ربما عن جهل وربما ظنّاً منهم أن ذلك سيزيد تشويه صورته.

- الأمير سليم يقتل ابن عمه أوغوزهان

لدى صناع المسلسل توجه ملحوظ لإظهار كل الجوانب الإيجابية في شخصيَّة السلطان بايزيد الثاني وإظهار اعتراضه على أفعال ابنه سليم في المشاهد التي تجمع بينهما، في محاولة لزيادة سخط الجمهور على شخصيَّة الأمير سليم ومن ثم السلطان سليم "غازي مصر"، في حين حاول تشويه صورة السلطان بايزيد الثاني في بقية المسلسل وإظهاره في صورة السلطان الذي لا يترك كأس الخمر من يده، وترديد عبارة أن السلطان "لا يفيق من سكرته" في أكثر من موضع استكمالاً لمحاولات تشويه صورة التاريخ العثماني. إلا أن كل المصادر التاريخية تتحدث عن تقوى السلطان بايزيد الثاني وورعه حتى إنه لُقب بـ"بايزيد الولي" كما جاء في كتاب "الدولة العثمانية المجهولة" للمؤرخ أحمد آق كوندوز.

ومن الأخطاء التاريخية التي تَعمَّد صناع المسلسل ارتكابها للقدح في شخص السلطان سليم، قتله -وهو طفل صغير- ابن عمه أوغوزهان ابن الأمير جم، ورفض السلطان بايزيد فعلة ابنه ومعاقبته عليها، رغم أن المصادر التاريخية تثبت أن إسكندر باشا محافظ إسطنبول هو من أعدم الأمير أوغوزهان بموجب فرمان أرسله السلطان بايزيد من إدرنه عام 1483، أي بعد سنتين من اعتلائه العرش، ووقتها كان الأمير سليم والياً على طرابزون، وظل هناك حتى عام 1510.

- الأمير سليم يقتل أطفاله وزوجته

حاول المسلسل المبالغة قدر الإمكان في تشويه صورة شخصيَّة السلطان سليم لدرجة إظهاره على أنه قاتل أطفاله وزوجته، وهي واقعة من محض خيال مؤلّف المسلسل لا تذكرها أي رواية تاريخية.

- من ضمن الأحداث التي اختلقها صناع المسلسل لتشويه صورة السلطان سليم الأول استخدامه الأسرى أهدافاً حية لتدريب جنوده على الأسلحة النارية.

- السلطان سليم يُذِلّ والده ويُهِينه بعد تنازله له عن العرش

أظهر المسلسل السلطان سليم وهو يهين والده ويجبره على تقبيل قدمه بعد اعتلائه العرش في محاولة لإذلاله. وعلاوة على أن عادة تقبيل قدم السلطان لم تكُن موجودة لدى العثمانيين، بل كان الوزراء ورجال الدولة، باستثناء شيخ الإسلام وقاضي القضاة، يقبّلون يد السلطان وأحياناً طرف عباءته، أغفل صناع المسلسل أن مشهد تنازل السلطان بايزيد عن العرش كان مشهداً مهيباً كما تصفه المصادر التاريخية وأن السلطان سليم هو من قبَّل يد والده بعد أن قرأ الأخير الآية الكريمة:

"يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ".

بعدها دعا بايزيد الثاني لابنه السلطان الجديد أن يوفّقه الله في الحكم وأن يُعلِي شأن دولته، ثم نصحه قائلاً: "لقد اعتليت العرش اليوم بإذن الله وتقديره. فلتحفظ اسمنا وشأننا ولتمضِ على خُطَى أجدادنا، ولترفع ظلم الظالمين عن الرعية، ولا تبدل ولاءهم لك بالخوف منك، ولا يغُرَّنَّك الملك والمنصب". وقد نقل كثير من المصادر هذه الواقعة، ومنها سلسلة "قايي" الجزء الثالث.

كذلك حاول المسلسل إيصال رسالة أن السلطان سليم قتل والده بايزيد الثاني بالسم بعد أن رفض مغادرته إسطنبول، في حين أن الحقيقة أن السلطان بايزيد طلب أن يُمضِي بقية أيامه في قصر ديماطوكيا (بالقرب من الحدود التركية اليونانية حاليّاً)، وبعد مكوثه شهراً في إسطنبول غادر المدينة في موكب عظيم، وكان السلطان سليم بنفسه في توديعه.

إلا أن المرض اشتد على بايزيد في أثناء سفره وتوُفّي في الطريق في مكان بالقرب من أدرنة الحالية. وينكر المؤرخ أحمد آق كوندوز في مؤلَّفه "الدولة العثمانية المجهولة" ادِّعاءات قتل بايزيد الثاني بالسم على يد السلطان سليم، ويذكر أن الأمير أحمد أرسل إلى أخيه السلطان سليم رسالة يتحدث فيها عن موت والدهما بسبب شدة المرض.

بعض الروايات يذكر أن السلطان بايزيد مات متأثراً بسُمّ دسّه له طبيب يهودي، غير أنه لا دليل على تلك الرواية، ولا أدلةَ على أن السلطان سليم هو من دبّر ذلك، علاوة على أن السلطان سليم أرسل مع والده طبيباً يُدعى "آخي جلبي"، وهو من أشهر الأطباء في الدولة آنذاك ومن أكثر من كان يثق بهم بايزيد.

الأمير أحمد بن بايزيد الثاني يلجأ إلى دولة المماليك

دخل الأمير أحمد بن بايزيد في صراع مع أخيه السلطان سليم على العرش وتناحر الجيشان في عدة معارك حتى أسره وقتله سنان باشا بعد مرور نحو عام على تولي السلطان سليم الحكم، في حين لجأ ولداه الأمير علاء الدين والأمير قاسم إلى السلطان المملوكي قنصوة الغوري، كما يذكر المؤرخ الكبير جليل إينالجيك في الجزء الأول من كتابه "دراسات حول الإمبراطورية العثمانية".

السلطان سليم طامع في ثروات الشرق

حاول المسلسل في أكثر من موضع الإشارة إلى أن السلطان سليم كان منذ توليه إدارة سنجاق طرابزون طامعاً في ثروات الشرق، لذلك اتجه بجيوشه شرقاً نحو العالَم الإسلامي، ولعلّ هذه هي الرسالة الأساسية التي يرغب صناع المسلسل في إيصالها، أن الدولة العثمانية جاءت إلى الشرق دولةَ احتلال طمَعاً في ثرواته وخيراته، غير أن الحقائق التاريخية تثبت أن الصراع المملوكي-العثماني له جذور تاريخية وأسباب سياسية كثيرة منذ عهد السلطان محمد الفاتح، كما يذكر ذلك كتاب "الحروب العثمانية في العهد الكلاسيكي" للبروفيسور فريدون أمجن.

المصدر: TRT عربي