تقع جزيرة كاستيلوريزو التي تخضع للسيطرة اليونانية على بعد نحو 600 كيلومتر من البر الرئيسي لليونان، في حين تقع على بعد كيلومترين فقط من الساحل التركي شرق البحر المتوسط.

نشرت وكالة الأنباء الفرنسية صوراً قالت إنها لجنود يونانيين هبطوا في جزيرة ميس (كاستيلوريزو) منزوعة السلاح المحاذية للساحل التركي
نشرت وكالة الأنباء الفرنسية صوراً قالت إنها لجنود يونانيين هبطوا في جزيرة ميس (كاستيلوريزو) منزوعة السلاح المحاذية للساحل التركي (TRT Arabi)

تتصاعد التوترات بين تركيا واليونان بشأن المياه الإقليمية والجرف القاري والحقوق البحرية الأخرى، وتتفاقم في ظل غياب انفراجةٍ على مستوى التفاوض الدبلوماسي بين الجانبين. وقد بدأت الرؤى المتنازعة تتخذ منحى عسكرياً سياسياً، لا سيما في أعقاب التوترات المتزايدة بشأن جهود التنقيب عن الغاز في شرق البحر المتوسط.

فعلى الرغم من موقف تركيا الصارم وتحذيراتها، شرعت أثينا في إرسال قوات عسكرية إلى جزيرة كاستيلوريزو المعروفة أيضاً باسم جزيرة ميس، وهي إحدى أقرب الجزر التي تسيطر عليها اليونان من الساحل الجنوبي لتركيا في شرق البحر المتوسط، ما أثار ردود فعل تركية غاضبة.

أحد ردود الفعل الغاضبة هذه جاء على لسان عمر شليك المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي قال يوم الاثنين 31 أغسطس/آب: "إن توجيه البنادق نحو سواحل تركيا ما هو إلا حماقة"، كما اتهم اليونان بممارسة "نوع جديد من القرصنة".

يُذكر أن جزيرة ميس (التسمية التركية لجزيرة كاستيلوريزو)، وفقاً لمعاهدة باريس للسلام لعام 1947، يفترض أن تظل في وضع المنطقة منزوعة السلاح.

ويأتي النص على ذلك في المعاهدة على هذا النحو: "بموجب هذا الاتفاق، تتنازل إيطاليا لليونان عن سيادتها الكاملة على مجموعة الجزر المعروفة باسم أرخبيل دوديكانسيا، التي تشمل الجزر الآتية: جزيرة ستامباليا (أستروباليا)، وجزيرة رودِس (رودوس)، وجزيرة كالكي (خاركي)، وجزيرة سكاربانتو، وجزيرة كاسوس (كاسو)، وجزيرة بيسكوبِس (تيلوس)، وجزيرة ميسيروس (نيسيروس)، وجزيرة كاليمنوس (قاليمنوس)، وجزيرة ليروس، وجزيرة باتموس، وجزيرة ليبسوس (ليبسو)، وجزيرة سيمي (سيْمي)، وجزيرة كوس (قوس)، وجزيرة كاستيلوريزو، وكذلك الجزر الصغيرة المجاورة".

وتنص المادة 14 التي تتعلق بالحدود والعلاقات بين اليونان وإيطاليا، على أن "هذه الجزر ستكون وتبقى منزوعة السلاح".

اقرأ أيضاً:
كيف استولت اليونان على جزر بحر إيجة وشرقي المتوسط؟

وقد ردت وزارة الخارجية بالفعل على محاولات اليونان عسكرة الجزيرة بكلماتٍ حملت انتقادات قوية وجهتها إلى اليونان هذا الأسبوع.

وجاء في بيان وزارة الخارجية التركية: "نرفض المحاولات غير المشروعة لتغيير وضع الجزيرة. كما نؤكد أن تركيا لن تسمح لمثل هذه الاستفزازات قبالة سواحلنا مباشرة بتحقيق أهدافها".

يجدر بالذكر أن جزيرة كاستيلوريزو تقع على بعد كيلومترين فقط من الساحل التركي على البحر الأبيض المتوسط، في حين تبعد مسافة تصل إلى 600 كيلومتر (370 ميلاً) عن البر الرئيسي اليوناني.

وأضاف البيان أن "هذا النوع من التحركات الاستفزازية لن يعود بفائدة على اليونان. وإذا استمرت اليونان في اتخاذ خطوات لزيادة التوتر في المنطقة، فستكون هي الطرف الذي يعاني منها".

الوضع المضطرب للجزر

بالعودة إلى المفاوضات التي انبثقت عنها معاهدة لوزان، يذهب بعض المؤرخين، ومنهم المؤرخ التركي شُكرو هاني أوغلو أستاذ الشؤون الخارجية ودراسات الشرق الأدنى بجامعة برنستون الأمريكية، إلى أن الوفد التركي بقيادة عصمت إينونو وزير الخارجية آنذاك، لم يتوصل إلى استراتيجية فعالة للاحتفاظ بجزر حيوية (باستثناء جزيرتَي إمبروس وتينيدوس)، وعلى رأسها جزيرة كاستيلوريزو التي تعد أساسية في ما يتعلق بأمن البلاد.

وفي مقابلة موسعة أجراها مع TRT World في يناير/كانون الثاني 2018، قال هاني أوغلو: "عندما كانت القضية تُناقش في لوزان، كان المنطقي أن تتقدم تركيا بأطروحتين، الأولى أن تطالب بالعودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب [حدود الدولة القائمة قبل الحرب] بالطريقة ذاتها التي اقترحها المنتصرون في الحرب العالمية الأولى بشأن الحدود الغربية لتركيا، ما كان يعني إعادة جزر إمبروس (غوكجيادا) وتينيدوس (بوزكادا) وكاستيلوريزو (ميس) ودوديكانسيا (دوديكانيز) إلى تركيا".

ويشار هنا إلى أن دوديكانسيا هي سلسلة جزر يونانية مكونة من اثنتَي عشرة جزيرة، منها جزيرة رودس المعروفة بموقعها الاستراتيجي المهم.

وأضاف هاني أوغلو: "أما الأطروحة الثانية، فكان من الممكن أن تكون تسليم جزر دوديكانسيا –باستثناء رودس- لليونان بعد انتهاء الاحتلال الإيطالي، مقابل تسليم بعض جزر شمال بحر إيجة لتركيا".

اقرأ أيضاً:
تركيا مستعدّة للتصعيد.. ولكنّها مع الحوار في شرق المتوسط

وكانت مقترحات كهذه عُرضت من قبلُ على اليونانيين عام 1914. وذلك بعد أن احتل الإيطاليون تلك الجزر عام 1912 خلال الحرب الإيطالية-العثمانية بشأن طرابلس التي أصبحت ليبيا الآن، وكانت مقاطعة عثمانية في هذا الوقت.

غير أن الوفد التركي اختار أن يسلك مساراً مختلفاً، طالب فيه "بنظام خاص" لبعض جزر بحر إيجة الشمالية، وعودة جزيرة ساموثراس (سيماديريك) الواقعة في شمال بحر إيجة، وهو ما لم يكن بالأمر المهم من الناحية الأمنية للبلاد.

ويقول هاني أوغلو: "الأساس القانوني لهذا الادعاء كان ضعيفاً نسبياً. ونتيجة لذلك، اضطرت تركيا إلى قبول حلٍّ أسوأ من الوضع الذي كان قائماً في بداية الحرب العالمية الأولى، وإلى التخلي عن جزيرة كاستيلوريزو (ميس) التي كانت القوى العظمى قد أقرت بسيطرتها عليها عام 1914، كما تنازلت عن جميع حقوقها ومطالباتها بجزر دوديكانيز لمصلحة إيطاليا".

التوترات السابقة

منذ ذلك الحين، لطالما أزعج السؤال المتعلق بالسيطرة على جزر بحر إيجة كلاً من تركيا واليونان، بل إنه أوصل البلدين إلى شفا الحرب مرات عدة. وتبادل البلدان الاتهام بانتهاكات حدودية خلال التوترات التي حدثت في الماضي.

أحد هذه التوترات وقع عام 1996، عندما دخلت قوات الكوماندوز الخاصة التركية مجموعة من الجزر الصغيرة غير المأهولة تبلغ مساحتها 0.4 كيلومتر مربع، تسمى جزر كارداك أو إيميا، وتقع بين جزر دوديكانسيا وساحل بحر إيجة التركي. وتقع تلك الجزر الصغيرة على بعد سبعة كيلومترات من الساحل التركي.

كانت العملية التركية بمثابة إبداءٍ للقوة، لتذكير الحكومة اليونانية بأن تركيا لن تساوم على حقها في الجزر. وقد جرت تهدئة الخلاف في النهاية بوساطة أمريكية، فتركيا واليونان والولايات المتحدة كلها دول تنتمي إلى حلف الناتو.

لكن، ومع اكتشاف الاحتياطيات الغنية بالغاز حديثاً في شرق البحر المتوسط، عاد الخلاف حول الحقوق البحرية إلى الظهور مرة أخرى بين تركيا واليونان.

وبينما تدعي اليونان أن لديها مياهاً إقليمية وجرفاً قارياً بجوار الساحل التركي مباشرة، على أساس وجود جزر تابعة لها قبالة الساحل التركي، ترفض أنقرة ذلك بشدة، قائلة إن وضعاً كهذا سيكون مفتقراً إلى أي منطق وغير عادل لأي دولة.

وتعليقاً على ذلك، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم الاثنين 31 أغسطس/آب 2020: "لا يمكن لأحد أن يحصر تركيا التي تملك أطول خط ساحلي في البحر الأبيض المتوسط، في شواطئ أنطاليا (مقاطعة كبيرة في جنوب تركيا)".

وأضاف: "نحن عازمون على الدفاع عن الحقوق البحرية لمواطنينا وشعب جمهورية شمال قبرص التركية (TRNC)".

يُذكر أن قبرص، وهي جزيرة متنازع عليها، كانت قد خضعت للتقسيم عام 1974، إلى كيانين سياسيين: أحدهما بقيادة القبارصة اليونانيين في الجنوب والآخر بقيادة القبارصة الأتراك في الشمال، والأخير أصبح جمهورية شمال قبرص التركية (TRNC) في 1983، وهي جمهورية لا يعترف بها سوى تركيا.

وقد اضطلعت تركيا منذ خمسينيات القرن الماضي، بدور الدولة الحامية للسكان الأتراك في الجزيرة التي تقع في وسط شرق البحر الأبيض المتوسط تقريباً، وبالقرب من الساحل الجنوبي للبلاد.

المصدر: TRT عربي