تابعنا
تكاد تجمع أغلب مكونات المشهد السياسي التونسي على ضرورة إطلاق مبادرة حوار وطني شامل في أقرب وقت ممكن كحل عاجل للأزمة الحادة التي تمر بها البلاد والتي تكاد تعصف بالتجربة الديمقراطية في تونس.

أفرزت نتائج الانتخابات التشريعية التونسية سنة 2019 مشهداً فسيفسائياً تحت قبة البرلمان، جعلت من مهمة تكوين حكومة يدعمها حزام سياسي واسع وأغلبية برلمانية مريحة، مهمة في غاية التعقيد. فاحتدت التجاذبات بين الفرقاء السياسيين طيلة مسارات تشكيل الحكومة.

ومما زاد الأمر سوءاً وتعقيداً، وصول الأزمة السياسية إلى مؤسسات الحكم، وامتداد التجاذب والصراع، حتى بدا انسداد أفق الوصول إلى حل، أمراً حتمياً.

و على غرار الأزمة السياسية، وصلت الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في تونس ذروتها وازداد تدهور الوضع بانتشار جائحة كورونا، مما بات ينذر ببوادر انفجار شعبي، تفاعلت معه أغلب الأطياف السياسية بالدعوة إلى حوار وطني شامل، كحل ملزم لتجاوز الأزمة الخانقة التي ألقت بظلالها على البلاد.

الحوار الوطني ضرورة مُلحة

تعددت المبادرات السياسية للوصول إلى حل، يقي البلاد مزالق الفوضى وانتكاسة التجربة الديمقراطية الوليدة في تونس. وجرى الاتفاق بين أغلب الأطراف الوطنية من أحزاب ومنظمات وطنية (الاتحاد العام التونسي للشغل) ومؤسسات سيادية، على ضرورة إطلاق حوار وطني شامل تشارك فيه جميع الأطراف لتجاوز أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية حادة، هي الأسوأ من نوعها منذ 10 سنوات.

وفي هذا الإطار وعقب زيارات ولقاءات جمعت أمينه العام برئيس الجمهورية قيس سعيد، أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل في ديسمبر/كانون الأول سنة 2020 عن مبادرة مفتوحة على كل القوى الوطنية، أطلق عليها اسم "مبادرة للخروج من الأزمة في اتجاه خيارات وطنية جديدة".

واعتبر أن في الحوار الوطني الشامل معالجة للقضايا الإشكالية بالبلاد بدرجة عالية من المسؤولية والوطنية، وتعالياً على الخلافات الحزبية والسياسية.

كما اقترح الاتحاد على رئيس الجمهورية إرساء هيئة حكماء-وسطاء (من الاختصاصات كافة) من الشخصيات الوطنية المستقلّة تعمل تحت إشرافه، لصياغة المقترحات والحلول لأهم المسائل العالقة على جميع المستويات.

وكان رئيس البرلمان التونسي ورئيس حركة النهضة الحزب الأول في البلاد، راشد الغنوشي، من أبرز المثمنين لمبادرة الحوار الوطني. وجاءت دعوة الغنوشي خلال كلمة ألقاها في الجلسة العامة للبرلمان المخصصة لمناقشة مشروع قانون المالية والموازنة العامة للدولة لسنة 2021.

واعتبر الغنوشي أن الحوار الوطني يمثل ضرورة ملحّة، وكفيل بوقف التدحرج ووضع البلاد على طريق الإصلاحات الكبرى.

إلا أنه ما فاجأ النخبة السياسية التونسية تراجع الرئيس التونسي قيس سعيد عن الإشراف على الحوار الوطني ضمن شروطه الحالية، بعد أن كان قد أعلن في وقت سابق عن قبوله بمبادرة الاتحاد، معتبراً حينها أنها تصحيح لمسار ثورة 2011.

وبعد أن بدت بوادر انفراج الأزمة وبوادر الحل تلوح بالأفق، يتراجع سعيد إلى الوراء، ويدعو إلى التمهيد لحوار وطني يطرح فيه تغيير النظام السياسي وتغيير الدستور، معتبراً أن الحوار الوطني سنة 2013 "لم يكن حواراً ولم يكن وطنياً على الإطلاق". وهي ليست المرة الأولى التي تكون فيها مواقف وتصريحات قيس سعيد جدلية بالنسبة للطبقة السياسية.

أثار ذلك جدلاً واسعاً وتنديداً بتخييب انتظارات الشارع التونسي، الذي يتطلع إلى حلول عاجلة للأزمة الراهنة. وتتالت التصريحات والبيانات وعلى رأسها من الاتحاد العام التونسي للشغل الذي كان راعياً للحوار الوطني سنة 2013.

مجدداً.. الغنوشي يدعو إلى حوار وطني

بطلب من القيادي السابق بحركة النهضة، لطفي زيتون، عقد رئيس البرلمان ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي لقاء مع زيتون، اقترح فيه الأخير ضرورة عقد لقاء يجمع بين رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية للتداول في أوضاع البلاد والحديث عن حلول للأزمة السياسية، وتقريب وجهات النظر.

وأبدى الغنوشي ترحيبه بترتيب لقاء مع قيس سعيد، وصرح في بيان رسمي عقب اللقاء الذي جمعه بلطفي زيتون أنه "حرصاً على الوفاء لقناعته الثابتة أنه لا سبيل لحل مشكلات البلاد إلا من طريق الحوار بحثاً عن توافقات، فقد رحب الغنوشي بترتيب اللقاء المقترح".

وقبل اجتماعه بالغنوشي، أجرى لطفي زيتون لقاء مع قيس سعيد في القصر الرئاسي في قرطاج، لبحث الأوضاع العامة في البلاد، وإثارة قضايا سياسية واجتماعية وقانونية، حسب ما ورد في بيان رئاسة الجمهورية.

وبذلك تبدو تصريحات قيس سعيد وراشد الغنوشي، إشارات إيجابية للاستعداد لتذليل الصعوبات أمام إطلاق الحوار الوطني والدفع في اتجاه انعقاده في أقرب وقت، بعد أن باتت أغلب الأطراف تراهن عليه.

TRT عربي