نعيش في العالم العربي سياقاً جديداً، يميّزه سقوط كثير من اليقينيات. بدأ مع الحراك الشعبي الذي لم يهدأ منذ تسع سنوات، يخمد ثم يثور كحمم بركان، ثم مع ترنح المنظومة النيوليبرالية التي كانت تُقدّم كعصا سحرية لتجاوز الاختلالات القائمة وركوب قطار العولمة.

يموت القديم، ولم تلُحْ بعدُ معالِم الجديد. من أجل بناء الجديد لا بد من الوقوق على الحصيلة أو ضرورة الجرد. لا مندوحة من تقييم حصيلة المنظومة التي أرستها الولايات المتَّحدة على العالَم العربي، بعد سقوط برلين، وبعد حرب الخليج الثانية أو عاصفة الصحراء، ومناداة الولايات المتَّحدة غداتها بنظام عالَمي جديد. لا بد من إجراء تحليل دقيق لهاته المرحلة التي حملت آمالا كثيرة، وأفضت إلى خيبات كبرى، من أجل بناء جديد، وتلك مسؤولية المثقفين، ومسؤوليتهم تبدأ من قراءة دقيقة لهاته الفترة من حرب الخليج الثانية 1991، حتى اليوم.

لقد ساد الأمل بعد سقوط حائط برلين في صفوف قيادات العالَم العربي ونخبه وشعوبه، من أجل تجاوز ما عرفته المنطقة من ويلات الحرب الباردة التي لم تكُن باردة في العالَم العربي، وعرفت حروبا بالوكالة، وتوتُّراً وتصدُّعاً بين معسكرين.

كان اختبار هذا الأمل الذي انقشع من نقع الحرب الباردة، هو القضية الفلسطينية، لُبّ الصراع العربي-الإسرائيلي. أكبت الولايات المتَّحدة فعلا على التئام مؤتمر مدريد (نهاية 1991) الذي أرسى النواة الأولى لما سيصبح مسلسل السلام. وشعّ الأمل بعد التوقيع على معاهدة أوسلو (13 سبتمبر 1993)، وواكب ذلك المسلسل رؤية اقتصادية من أجل شرق أوسط جديد. وراهنت الولايات المتَّحدة على تحرير اقتصاديَّات العالَم العربي وأبرمت اتفاقات تبادُل حر مع كثير من بلدانه.

ما الحصيلة؟ كل ذلك اليوم يبدو أضغاث أحلام، فالولايات المتَّحدة أدارت ظهرها للملف الفلسطيني، وحولت سفارتها إلى القدس مِمَّا يُجهِز على ما كانت تنادي به من وسيط نزيه، وأقرَّت إسرائيل في احتلالها للجولان، ولا ترى في المستوطنات الإسرائيلية احتلالاً. أما الوصفات الاقتصادية التي أمْلَتها فقد تَبَدّت عن اختلالات كبرى وأسفرت عن فوارق فاحشة، فضلًا عن عدم توازن المبادلات التجارية لفائدة الولايات المتَّحدة في ما يخصّ اتفاقات التبادل الحر.

لم يعُد خطاب الديمقراطية أو حقوق الإنسان ضمن أجندة الولايات المتَّحدة بعد 11 سبتمبر، وفضّل المسؤولون الأمريكيّون التعامل مع الأجهزة الأمنية عوض القوى الحية، والأنظمة الفظة على الحكومات الشعبية. ودقت الولايات المتَّحدة إسفيناً من خلال رعايتها منظومة طائفية بعد سنة 2003، واعتُبر العراق مجال تطبيقها، ورأت فيها الولايات المتَّحدة نموذجاً من شأنه أن يطبَّق في باقي العالَم العربي. وكان من نتائجه انفصال جنوب السودان، وإثارة النعرات الإثنية والعرقية والدينية في بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي قنابل موقوتة قابلة للانفجار في كل حين.

الخطاطة الأمريكيَّة التي طُبّقت على منطقة الشرق الأوسط فشلت، وعلى النخب التي راهنت عليها أن تستخلص العِبَر.

في هذه الفترة التي فرضت فيها أمريكا تصوُّرها على المنطقة توارى المثقف. لم تعُد هذه المنظومة في حاجة إلى مَن يطرح الأسئلة، بل إلى خبير يشتغل في إطار ضيق، حول جزئيات، ويعدم الرؤية الشمولية، هذا في أحسن الأحوال، أو إلى فهم ضيّق للثقافة يختزلها في الترفيه والتسلية.

طبعاً لا غنى عن الخبرة والتخصص، ولا مندوحة من المتعة والتسلية، ولكن المجتمعات في حاجة إلى من يطرح الأسئلة، ممن يرسم مسافة مع الأشياء والظواهر لينظر إليها في كُلّيّتها.

لقد قالت الشعوب كلمتها ولا تزال، في شأن منظومة لم تأتِ بالرفاه، وعمّقَت الشروخ بين أقلية متنفذة أو أوليغارشيات وبين السواد الأعظم. وقد صدحت الشعوب ضدّ الطائفية مطالبةً بوطن عِوَض أثواب رقيعة لانتماءات طائفية.

تلك كانت صرخة الجريح. وإن كان من حقّ السقيم أن يعبّر عن ألمه فإن ذلك لا يأتي بالعلاج. العلاج شأن الطبيب، يبدأ أول ما يبدأ بالاستماع إلى أنَّة المريض، ثم يشفع بالتحليل، ويجري التشخيص قبل أن يقدّم العلاج.

والطبيب هنا هو المثقف. لكن ما الذي نعنيه بالمثقف؟ هو بكل تأكيد من ينتصب ضميراً، كما في سابقة الكاتب الفرنسي زولا في مقاله الشهير "أتهم". إلا أن ما نحتاج إليه في السياق الذي نعيشه هو ذلك المفهوم الذي جلّاه المفكر جوليان بندا، في كتابه "خيانة المثقفين"، حين اعتبر أن الإدانة لا تكفي، ولا بد من تحليل عميق يُجرِيه المثقفون اعتماداً على الأدوات الضرورية لمسؤولياتهم، وهي الاصطفاف إلى جانب العدل والحقيقة واستعمال العقل.

لا بد من أن يزاوج المثقف بين هذه الاعتبارات الثلاثة، أن ينتصر للحق وللعدل، وأن تكون أداته العقل. والعقل ينفي الحماس، أو ما يمليه المعتقد، أو ما يسميه نوام شومسكي بالأوهام الضرورية. الحاجة ملحَّة إلى المثقف، أي إلى من يطرح الأسئلة.

لكن بذات الوقت لا ينبغي أن نضخّم دور المثقف، أن نجعله حاملاً حلولاً جاهزة وناجزة. هو يتقدم في الظلام ويتملس طريقه معتمداً على مشكاة ضميره، ونور عقله. قد يعشو. قد يخطئ. هو ليس حاملاً لحقائق جاهزة. هو حسب الصورة التي رسمها سقراط في المحاكمة عبارة عن بعوضة تَخِزُ حصاناً مترهِّلاً، فتُخرِجه من كسله وخموله. ليست البعوضة على شيء أمام الحصان، ولكنها ما يبعث فيه النشاط.

يعاب في كثير من التحليلات حول ما يجري في العالَم العربي غياب المثقف الذي لم يستطع أن يتنبأ بالتحولات ولا أن يواكبها. يبدو لي أن في هذا الحكم كثيراً من التجني، ذلك أن كثيرين من المثقفين في العالَم العربي وقفوا ضدّ الممارسات الشائنة لأنظمة بلدانهم والتي لا تحترم حقوق الإنسان ولا الإرادة الشعبية، وتَعرَّضوا لصنوف من التضييق، من سجن ونفي وفتنة.

نعم، نعيش سياقاً جديداً، ولا يمكن للمثقف أن يضطلع بدوره إلا إذا حضنته قوى المجتمع. لقد كان مِمَّا كتبه ياباني عن العالَم العربي، أن تضحيات المناضلين والمثقفين كان المجتمع ينظر إليها باستخفاف، ويصبح أمرهم شأناً يهمّ أسرهم لا المجتمع الذي انتفضوا من أجله.

نعم، يستطيع المثقف أن يطرح الأسئلة الجوهرية ويصمد ضدّ التسطيح والزراية التي تريد السُّلْطة أن تضعه فيها، حينما يشعر أن ظهره يحميه المجتمعُ.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي