تصعيد حفتر الأخير ضد تركيا جاء بعد الخسارة التي مُنيت بها قواته في مدينة غريان جنوب العاصمة الليبية طرابلس.

دفع التصعيد الذي قام به خليفة حفتر ضد تركيا، والذي جاء على لسان الناطق باسم مليشياته، وما تلاه من اختطاف ستة بحارة أتراك، ومن ثم إطلاق سراحهم بعيد التهديدات الصادرة من قبل وزارة الخارجية التركية، دفع بتركيا إلى واجهة الأزمة الليبية، ليعود التساؤل من جديد حول دور تركيا ومدى انخراطها في الصراع الليبي.

تصعيد حفتر الأخير ضد تركيا جاء بعد الخسارة التي مُنيت بها قواته في مدينة غريان جنوب العاصمة الليبية طرابلس؛ فعلى الرغم من الدعم السياسي واللوجيستي الذي حظي به حفتر قبيل وأثناء هجومه على العاصمة طرابلس، والذي انطلق في الرابع من شهر نيسان/إبريل الماضي، إلا أن آماله وآمال القوى الإقليمية والدولية الداعمة صارت في مهب الريح.

حيث لم تستطع قواته السيطرة على طرابلس، فيما توحدت القوات الداعمة لحكومة الوفاق الوطني لتشن هجوماً معاكساً استطاع إخراج قوات حفتر من موقعها المتقدم في غريان، موقِعة خسائر مادية وبشرية كبيرة في صفوف هذه القوات.

خسارة حفتر الميدانية وخيبة آماله في السيطرة على طرابلس دفعته لتصدير الأزمة مدعياً بأن التدخل التركي على الأرض قام بقلب الموازين.

بلال سلايمة

خسارة حفتر الميدانية وخيبة آماله في السيطرة على طرابلس دفعته لتصدير الأزمة مدعياً بأن التدخل التركي على الأرض قام بقلب الموازين. الاتهامات المتجددة لتركيا بالتدخل في الأزمة الليبية لم تتوقف على الرغم من كون الموقف التركي تجاه الأزمة الليبية، والمستند لعلاقات تاريخية تربط الطرفين، يتحرك تحت سقف الشرعية الدولية وباتساقٍ مع المساعي الأممية لإيجاد حلّ سياسي للأزمة.

كان الموقف التركي تجاه الثورة الليبية متسقاً مع خيارها في دعم مطالب التغيير السياسي التي نادت بها الشعوب العربية فيما عُرف بثورات الربيع العربي، والتي رأت فيها تركيا فرصة لتعزيز نفوذها الإقليمي. إلا أن الأزمة السياسية التي بدأت في ليبيا منذ عام 2014 وتطورت بعد ذلك إلى صراع عسكري خاصة مع محاولة خليفة حفتر الانقلابية المستمرة، ضيّقت من مساحة حركة ومناورة تركيا.

وأمام حالة الانقسام السياسي والصراع العسكري الحاصل في ليبيا دعمت تركيا المساعي الأممية لإيجاد حل سياسي للأزمة. فدعمت تركيا الاتفاق السياسي الليبي الذي تم توقيعه في مدينة الصخيرات المغربية في كانون أول/ديسمبر 2015، بل إنها سعت أيضاً للتأثير على الأطراف الثورية الرافضة لحكومة الوفاق الوطني الناتجة عن الاتفاق بوصفه مفرطاً بأهداف الثورة، لتبنّي الحل السياسي كمخرج للأزمة.

إلا أن المساعي التركية للعب دور بنّاء في ليبيا والتقارب مع كافة الأطراف اصطدمت بموقف عدائي من قبل معسكر حفتر والداعمين له. حيث اعتُبر خليفة حفتر بمحاولته الانقلابية للسيطرة على ليبيا الممثل الليبي للمعسكر الإقليمي المضاد للربيع العربي، والذي يتبنى سياسات عدائية ضد تركيا. وبهذا وجدت تركيا نفسها في ليبيا في حالة مواجهة لم تبحث عنها.

وعلى الرغم من ذلك فقد استمرت تركيا بمقاربة الأزمة الليبية ضمن حدود المقاربة الأممية، حيث وقفت إلى جانب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً في طرابلس، واستمرت على موقفها على الرغم من ضعف سيطرة الحكومة وتراجع نفوذها على الأرض. كما أنها لم تستجب لدعاوى التدخل العسكري من قبل الأطراف المناوئة لحفتر.

استمرت تركيا بمقاربة الأزمة الليبية ضمن حدود المقاربة الأممية، حيث وقفت إلى جانب حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دولياً في طرابلس.

بلال سلايمة

في مقابل الموقف التركي المتناغم مع المقاربة الأممية والذي يتحرك تحت سقف الشرعية الدولية، تبنت العديد من الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى مواقف لا تتناقض فحسب مع المساعي الدولية لحل الأزمة الليبية سياسياً، بل حتى مع المواقف الرسمية والمعلنة لهذه الدول.

فمن جهتها وقفت دول معسكر الثورة المضادة ممثلةً بالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر بشكلٍ واضح مع حفتر ومشروعه في ليبيا، داعمين إياه عسكرياً وسياسياً منذ انطلاقه.

كما أن فرنسا المدفوعة بأهداف توسعية في القارة الأفريقية مدت يديها لحفتر، والذي تم استقباله من قبل الرئيس الفرنسي في قصر الإليزيه على الرغم من كونه لا يحمل صفة رسمية، ويعمل بشكلٍ علني للإطاحة بالحكومة المعترف بها دولياً.

حتى الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تظهر في موقفها الرسمي دعماً لمساعي البعثة الأممية في ليبيا، تبنّت مواقف ضبابية في العديد من المفترقات.

هذه المفارقة في المواقف الإقليمية والدولية بدت جلية في الهجوم الأخير الذي أطلقه حفتر للسيطرة على طرابلس في أبريل/نيسان الماضي، بالرغم من وجود الأمين العام للأمم المتحدةأنطونيو غوتيريش والمبعوث الأممي غسان سلامة للتحضير لانطلاق المؤتمر الليبي الجامع، والذي كان يراد له أن يكون تتويجاً لمساعي سلامة الأممية.

وقد جاء الهجوم بعد أسبوعٍ من زيارة قام بها حفتر للمملكة السعودية والتقى خلالها بالملك سلمان بن عبد العزيز. كما أن السيسي قام باستقبال حفتر في القصر الرئاسي في القاهرة أثناء الهجوم على طرابلس.في حين قام ترامب بالاتصال.بعد عشرة أيامٍ من بدء الهجوم، للنقاش حول الرؤية المشتركة لتحول ليبيا إلى نظام سياسي ديمقراطي مستقر، وفق تصريح البيت الأبيض!

لموقف التركي الواضح والشعور بالتهديد الوجودي في ظل تواطؤ بقية الأطراف دفع السراج وحكومته لتجاوز التردد الذي كان طاغياً على سياساتهم تجاه التقارب مع تركيا.

بلال سلايمة

أمام الهجوم الذي استهدف وجود حكومته، وفي ظل التواطؤ الإقليمي والصمت الدولي المريب، لم يجد فايز السراج رئيس المجلس الرئاسي الليبي أحداً إلى جانبه باستثناء الرئيس التركي أردوغان الذي أعلن في اتصالٍ هاتفيٍ بالسراج التزام تركيا بموقفها الداعم لحكومة الوفاق الوطني، وبأن تركيا ستسخّر كل إمكانياتها لمنع المؤامرة ضد الشعب الليبي.

الموقف التركي الواضح والشعور بالتهديد الوجودي في ظل تواطؤ بقية الأطراف، دفع السراج وحكومته لتجاوز التردد الذي كان طاغياً على سياساتهم تجاه التقارب مع تركيا.

وعليه فقد قام السراج بُعيد الهجوم بزيارة تركيا ولقاء الرئيس التركي أردوغان، كما قامت حكومة التوافق الليبي في طرابلس بتفعيل اتفاقيات تعاون عسكري بين الطرفين كانت قد وُقعت سابقاً بين الطرفين في عام 2012، لكن حكومة السراج كانت قد فضّلت عدم تفعيلها في سياق محاولتها التواصل مع كافة الأطراف وتجنبها الوقوف ضد محور الثورة المضادة.

ساهم هجوم حفتر على طرابلس بتعزيز الثقة بين حكومة التوافق الوطني والحكومة التركية، كما أنه مهّد الطريق لتفعيل الاتفاقيات الموقعة سابقاً بين ليبيا وتركيا فاتحاً المجال لحصول طرابلس على دعم لوجيستي من قبل أنقرة فضلاً عن دعمها السياسي المعلن، الدعم الذي كان تأثيره المعنوي على خطوط الجبهات أكبر بكثير من تأثيره المادي المحدود نسبياً.

وفي ظل استمرار محور الثورة المضادة إقليمياً وفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية دولياً في تقديم الدعم الميداني والغطاء السياسي لحفتر، فإن العلاقات بين أنقرة وطرابلس يتوقع لها أن تتعزز في الفترة القادمة، كما أن التعاون بين الطرفين قد يتعدى الجانب السياسي إلى التنسيق الميداني في حال عاود حفتر ومعسكره الهجوم على طرابلس من جديد.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي