لا تمثل الاحتجاجات التي انتشرت في الكثير من المدن الأمريكية إثر مقتل المواطن جورج فلويد تعبيراً عن الغضب على تنامي ظاهرة العنصرية تجاه السود وحسب، بل وتمثل أيضا اعتراضاً جوهرياً على دور الشرطة في المجتمعات الإنسانية، وشرعية الدولة، واستخدام العنف.

في يوم 29 يوليو/تموز 2008 عاد "شِيِ كالفو" عمدة بروين هايتس في ولاية ميريلاند في الولايات المتحدة لمنزله ليجد طرداً بريدياً عند مدخل البيت، فحمله ووضعه بالداخل، وصعد لغرفته ليقوم بتغيير ملابسه في حين كانت والدة زوجته تعد الطعام بالمطبخ.

بعد دقائق اقتحمت قوات الشرطة البيت، وأجبرت السيدة العجوز على الانبطاح أرضاً، وطلبت منه النزول لأسفل رافعاً يديه، وطرحته أرضاً هو الأخر، وأطلقت النار على كلبيه فقتلتهما، وفتشت البيت تفتيشاً دقيقاً قلب كل شيء رأساً على عقب.

كان الطرد يحمل مخدرات، وكان المتوقع من المجرم الذي استخدم اسم كالفو للتمويه أن يلتقطه في مساره البريدي. شرطة المخدرات في الولاية التي صارت شبه وحدات عسكرية اكتشفت الطرد في مركز البريد، ولم تنتبه أن الاسم والعنوان لعمدة المدينة، وحين اتضح الأمر لم يعتذر أحد بل توالت الأكاذيب حول محاولته المقاومة؛ وهو ما لم يحدث، وتكررت محاولة التفاف حول عدم وجود أمر الضبط والاقتحام، وفي النهاية قال رئيس شرطة المخدرات إن ما حدث هو جزء من حرب بلا هوادة على المخدرات وإنه لن يتردد عن تكرار الأمر وإن الخطأ وارد.

السود ليسوا هم القضية المركزية رغم ما نراه اليوم من احتجاجات لمقتل أمريكي من أصل إفريقي، القضية هي الحروب السائلة التي نشهدها، والسيطرة بالسلاح المستأجر.

هبة رءوف عزت

وقد أدت هذه الواقعة لأن يتحول كالفو للعمل المدني من أجل تقييد سطوة قوات الشرطة الخاصة. والجدير بالذكر أن كافو رجل أبيض، وأنه نجا من مصير جورج فلويد الذي قتله رجل شرطة أمام المارة بوضع ركبته على رقبته بعد أن طرحه أرضاً حتى اختنق وأسلم الروح، فانفجرت المظاهرات في معظم الولايات بل وفي كندا وبريطانيا، وفي الكثير من عواصم العالم تحت شعار: حماية أرواح السود.

يمكن بسهولة كتابة سرد ورصد طويل لتكرار معاملة الشرطة الأمريكية للسود بشكل ظالم، وعن عدم العدالة في النظام القضائي الأمريكي، وعن وضع السود في السجون الأمريكية، بل والحياة الاجتماعية والاقتصادية بشكل واسع. الجرائم والمعلومات متوافرة والعنف المباشر والهيكلي المؤسسي عليه آلاف الأدلة. لكن السؤال الأهم في المشهد الجاري اليوم ليس قضية السود-على مركزيتها- بل قضية عسكرة الشرطة.

ليس غريباً تكرار لفظ "حرب" في الخطاب السياسي اليوم، ولا التهديد والتخويف من فوضى شاملة، أو اتهام حركات مدنية بالـ"إرهاب"، فحين تنزل الجماهير للشارع تصبح المعركة معركة شرعية، شرعية أصحاب السيادة الأصليين في مقابل شرعية أنظمة الحكم التي تزعم أنها تمثلهم. وعلينا ألا ننسى أنه في بعض التعريفات للمدن كمركز للقوة والسلطة يتقاطع معنى المدينة والتأمين الشرطي polis and policing ، وعليه فالحراك الجماهيري الواسع قد ينتقل من مستوى الحق في المدينة والمواطنة المتكافئة إلى الحق في الدولة وتغيير أسس الشرعية.

مشاهد الظلم والعنصرية التي حركت وتحرك الجموع عبر الحدود منذ عقود لا تستدعي للذهن فقط التمييز والمظالم والإجرام الممنهج، وانتقاص حقوق الإنسان والمواطنة المتكافئة، بل تستدعي أيضا ما اصطُلِح على تسميته "العنف الهيكلي".

التفاصيل التي يكمن فيها الشيطان متعلقة بمن يملك السلاح. صحيح أن قضية التسلح في أمريكا أوسع من أدوات الضبط نظراً لأمور تتعلق بالفيدرالية، والدستور، والحق في حيازة السلاح للمواطنين، لكن فكرة شرعية سلاح الدولة توضع طوال الوقت على المحك في النقاشات: مصادرها ومشروعيتها الأخلاقية وحدودها ومسئوليتها والمحاسبة عنها.

لمونتسكيو صاحب كتاب روح القوانين مقولة مهمة، إذ يرى أن أكثر الطغيان فداحة هو ما تدثر بالقانون وزعم تحقيق العدالة.

وعلينا ألا ننسى أن الذي مكّن الشرطي من قتل مواطن أمريكي في الشارع أمام الجميع بخنقه بركبته حتى لفظ أنفاسه الأخيرة، ومنع الناس من أن يوقفوا ذلك القتل هو أن القاتل كان يرتدي زياً يسمح له بأن يدعي أن ما يفعله "قانوني". وأنه بذلك "يحمي المجتمع". ووحشية تلك المساحة من الخوف الذي يحكم المشهد والوعيد المضمر أنك إن أوقفت ما يجري فأنت تمنع شرطياً من القيام "بوظيفته" وإنفاذ العدالة٫ وأنت من سيحاسب بالأخير لا هو.

انتبه الناس متأخراً إلى أن هذا الشرطي/الموظف راتبه من جيوبهم، وأن حمايتهم وتوفير الأمن لا يكون بقتل مجاني وأن حفظ حياة "الآخر" المواطن هو عين أمنهم.

بعد مظاهرات الغضب المشروعة (وحركة النهب المُجَرّم والمُحَرَّم) بدأ المجتمع المدني ينظم صفوفه، ويوسع مطالبه، من مجرد العدالة للقتيل، إلى مراجعة دور الشرطة الأمريكية التي صارت خارج السيطرة، وتعسكرت، وأصبحت بعض قواتها أقرب للمليشيات، وانطلقت في عدة ولايات حملات لخفض وضبط ومتابعة تمويل الشرطة، وبالمقابل تعبئ الشرطة كجماعة مهنية وترفض، وهناك تفاوضات جارية.

في معظم الدساتير الشرطة جهة مدنية خادمة للنظام القضائي وحافظة للأمن، لكن عبر موجات متتالية من التحديات ومنها المخدرات والاتجار في البشر والإرهاب توسعت الشرطة في التسلح وزادت صلاحياتها في الضبط والاعتقال، بما أنذر باستبداد يومي يذهب ضحيته الآلاف كل عام من شتى العرقيات.

رادلي بالكو الباحث في هذا الشأن له دراسات حول "الإفراط في القتل"، و"صعود الشرطي المحارب وعسكرة الشرطة "، واللافت أنه في بافالو بولاية نيويورك أطاحت الشرطة برجل يبلغ الخامسة والسبعين من عمره فوقع على ظهره لينزف دماً، وتم إحالة شرطيين للتحقيق، فما كان من بقية وحدة مكافحة الشغب إلا أن تقدمت باستقالتها، فكما أن هناك تضامناً مع الضحايا هناك مصالح تعبر عنها قيادات الشرطة التي ترى أنه بدون عنف لا يوجد أمن. وأن مثل هذه "الأخطاء" واردة.

لقد شهدت العقود الماضية نقاشاً واسعاً حول العنف كسلعة، ودخول شركات الأمن الخاصة لا في حماية المنشآت الصناعية والعامة بديلاً عن الشرطة بل ودخول ضباط الشرطة والجيش المتقاعدين فيها، وظهور تجارة العنف على المستوى الدولي في مشهد الجيوش الخاصة مثل بلاكووتر وفاغنر.

وهنا نرى الخيط الرابط بين سيادة الدولة، وشرعنة العنف، والتدريب على القتل، والفرص اللاحقة في سوق الأمن لرجال الشرطة والجيش المتقاعدين.

السود ليسوا هم القضية المركزية رغم ما نراه اليوم من احتجاجات لمقتل أمريكي من أصل إفريقي، القضية هي الحروب السائلة التي نشهدها، والسيطرة بالسلاح المستأجر، وتلك الأحلاف غير المعلنة بين من هم في الخدمة الشرطية والعسكرية ومن هم خارجها، والانحياز المتنامي لاستخدام القوة في فرض الهيمنة في مساحات كثيرة ونشر الخوف ومصادرة البديل.

للباحث التونسي محمد الرحموني كتاب مهم لم يلق ما يستحقه من اهتمام عنوانه: دولة البوليس-قراءة في طبيعة الدولة الحديثة من خلال هوبز. إن كل مشهد متجدد للصدامات في أي مدينة بما فيها مدننا العربية في موجتيّ الربيع العربي الأولى والثانية تعيد إثارة نفس الأسئلة، لذلك ليس بمستغرب أن أثارت مشاهد الاحتجاجات في أمركيا الشجون، ووجدها بعض نشطاء منصات التواصل الاجتماعي العربي مثيرة للدهشة لشدة تطابقها مع ما شهدناه منذ بدء انتفاضات الشوارع في مطلع العقد في العالم العربي. 

التشابه ليس بالتأكيد مسألة العرقية، بل مسألة الدولة، ودور الشرطة والجيش في الشارع، وسوق القوة والسلاح، وتحول من يحملونه لجماعات مصالح وجماعات ضغط، وأزمات المواطنة. 

وحول تصور توفير الأمن المجتمعي بتغيير جذري لفكرة الشرطة المقترنة بالعنف والتسليح صدر مؤخراً كتاب أليكس فيتالي دار نشر فيرزو "نهاية الشُرَطيّة" باحثاً عن صيغ لمكافحة الجريمة بعيدا عن هذا التصعيد في القتل في الحالة الأمريكية تحديداً، لكن ما فيه من أفكار يستحق النظر والتقييم.

إن مشهد احتجاجات أمريكا مشهد مهم ويستحق نقاشاً مختلفاً وتفكيراً ينتقل من الحق في الشارع إلى الحق في تحديد مسارات وسياسات الدولة، والنظر في حروب الشوارع التي يريد ضبطها من يضطلع بدور الأمن لكنه في الوقت ذاته هو من يحترف القتل "المشروع" ويصنع حروب العالم صناعة - ويحولها لسوق ويجني من الدم أرباحه الطائلة. 

لقد تداخلت القطاعات الأمنية بشكل كثيف فيما أصبح يطلق عليه "الأمن الهجين": تسليح أعلى للشرطة يكاد يصل لتسليح الجيوش، ودخول الجيوش الخاصة مثل بلاكووتر وفاجنر الساحة الدولية والاقليمية وبعضها يتم التعاقد معه من الباطن بنسبة تمثل 25% من العمليات الحربية في الشرق الأوسط في بعض التقديرات.

والأخطر هو شركات "الأمن" الخاصة ذات القدرة التسليحية العالية وتنامي دورها في القيام بمهام كانت منوطة بالشرطة النظامية الرسمية في ساحة المجتمعية مثل شركة فالكون في مصر التي تقوم حراسة البنوك والشركات والجامعات، وتنظيم وحراسة مؤتمرات تعقدها وزارات حكومية، بل والتعاقد معها من قبل محافظة القاهرة لحراسة ميدان التحرير في قلب القاهرة بعد "تجديده".

القضية ليست السود في أمريكا، القضية مرة أخرى هي دوران المجتمعات بين التوحش والتأنّس كما قال ابن خلدون، وما نشهده من تحولات في مفهوم السيادة على الأرض في الواقع اليومي للناس. تلك هي المسألة.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي