إن حلم الدولة المدنية يظل هدفاً ثورياً لكافة الاحتجاجات الشعبية، إلا أنه يواجه العديد من التعقيدات البنيوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي ما تزال تشكل عائقاً يحتاج مزيد من الجهد التراكمي.

دائماً ما كان مطلب تأسيس دولة مدنية ديمقراطية هو هدف كل الحراكات الثورية التي جرت في المنطقة العربية، وهو ما استطاعت مؤخراً، أن تبلوره القوى الثورية في السودان، بصياغةٍ سياسية مباشرة وواضحة؛ إذ نصّت وثيقتها الدستورية على أنّ "السودان جمهورية مستقلّة ذات سيادة، مدنية، ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة بدون تمييز بسبب الدين والعرق والنوع والوضع الاجتماعي".

ومع أنّ المعنى واضحاً كما هو مبيّن، لكنْ، لدواعي المماطلة والاستقطاب، أبدى المجلس العسكري الانتقالي اعتراضه على استخدام مصطلح "مدنية"، بحجّة أنّها "كلمة لم ترد في أي دستور من دساتير السودان السابقة، وهي كلمةٌ مبهمة تحتمل العديد من المعاني في تفسيرها وتأويلها"، وتتعارض مع الشريعة الإسلامية والأعراف مصدر التشريع، فما كان من الثوار إلا التصعيد ورفع شعار "دولة مدنية أو ثورة أبدية".

وبصرف النظر عن بديهية أنّ الثورات لا تحتكم للدساتير القديمة، وإنّما تغيرها جذرياً، وأنّها تتحوّل إلى مجرّد احتجاجاتٍ مطلبية، حال اخفاقها في الاستيلاء على السلطة التي تخوّلها صنعَ القرار وتحقيق أهدافها الثورية، إلا أنّ هذا الوضع يكشف من جديد عن تناقضات الدولة الإنمائية الشرق أوسطية وعلاقتها بالمجتمع، بمعنى آخر لن يمكننا الحديث عن دولة مدنية سوى بتشريح عوائقها.

وحين نحاول الالتزام بالموضوعية، فلا يسعُنا سوى الإقرار بأنّ مفهوم الدولة نفسه، هو مفهوم حديث لأغلب المجتمعات النامية التي لم تشهد بعد مرحلة التصنيع والحداثة الناجزة، بما يفيد أنه لم ينضج في المُتخيّل الاجتماعي العام، على نحو بنيوي يسمح بسيادة القانون، والمواطنةِ القائمة على علاقات التعاقد المدني.

إنّ مصطلحات من نوعية العقد الاجتماعي والتصويت الانتخابي والتمثيل النيابي وسيادة الشعب، ما تزال تشكل مفاهيم غائمة، وغالباً ممارساتٍ صورية، بمعنى أنها "ديمقراطية ديكور" تُستدعى حسب اللزوم.

وغالباً، ما تبلورت الدولة في المتخيل الاجتماعي على صورة "التنين" الهوبزي، ممثَّلةً في القائد الأعلى الذي يحكم ويُشرّع ويربّي ويحارب ويحتكم إليه كلّ الأطراف. وسواءٌ مرِض التنين أو ظلّ متعافياً فهو يظل تنيناً على حالته الجوهرية، يقع على كاهله ضبط ُوتوجيه البشر "رعاياه" بوصفهم ذئاباً يجب ترويضهم وتربيتهم إن لم يكن بالرضوخ والقبول، فليكنْ بالردع والتجويع والإرهاب.

الدولة في أغلب المجتمعات النامية تتعامل مع المواطنين على أنهم رعايا في حالة مجتمع بدائي أقربَ منه إلى الطبيعة وليس المجتمع المدني.

إيمان النمر

لذا، فالدولة في أغلب المجتمعات النامية تتعامل مع المواطنين على أنهم رعايا في حالة مجتمع بدائي أقربَ منه إلى الطبيعة، وليس المجتمع المدني الحداثي بتعقيداته الذي يفترض استقلالية وحرية الأفراد والطبقات.

كما أن منشأ الدول النامية قد اقترن تاريخياً بالاستبداد والعسكرة، أكثر من اقترانه بالحرية أو العدالة، التي تشكّل لواحق الاستبداد في الصّورة الأكثر تفاؤلاً. وليس مستغرباً حجم التنظير الثقافي "للمستبد العادل" و"المستبد المستنير". فالدولة العربية الحديثة تولدّت في خضمّ محاربة الاستعمار، وتأسّست على شرعية إنجاز العسكر الاستقلالي، ثم التنمية باسم التقدم لذات السّياق.

هذه الشرعية المُدَّعاة نصبت منهم وكلاءَ حصريين للدفاع عن الوطن والأمة بدلالاتها الدينية والهوياتية، ومن ثمّ الاستحواذ على ولاء الشعب وقطاعاته بما فيه فئة المثقفين، وتبرير غضّ الطرف عن عملية التمثيل الديمقراطي والمجتمع المدني بتمامه، كما في التجربة الأوروبية، بحجة التوافقية بين الدين والأعراف ونظام الحكم الذي يتناسب مع طبيعة المجتمع المحافظ.

واليوم، نحصد ثمار هذه التوافقية الفاشلة؛ فالأعراف الاجتماعية بما أنّها نسقٌ معياري تراكمي وتاريخي متغيّر هو أقربُ للقبيلة والجماعة العضوية منه إلى دولة القانون. وباسم الدين مارست الدولة السّياسة بوصفها توزيعاً للقيم ومراقبةً الأخلاق، ومنه استمدت هيمنتها بديلاً عن افتقارها الفكري والأيدولوجي، لذا سعت إلى مأسسة الدين، ثم أدمجت جماعات الإسلام السياسي في لعبة الإقصاء والإدراج التشاركية البديلة عن التمثيل الديمقراطي، بما أنهم الأكثر تنظيماً وقدرة على الحشد مقارنةً بالحركات المدنية المعارضة المنهكة في حروب اصطلاحية مؤسلمة؛ الإدراج حين يتأزم نظام الحكم ويحتاج إلى ظهير شعبي، والإقصاء حين يمثلون تهديداً تنافسياً، فيصبح الاستبداد وحكم الطواريء مشرعناً باسم الحفاظ على القيم والدين النقي ووحدة المجتمع من التطرف والمؤمرات.

هذا النمط من الدولة المعسكرة، استتبعه احتكار وشخصنة ملكية وإدارة المنظومة الاقتصادية، ممّا جعل المجال العام حكراً على قِواها الاجتماعية وشبكاتها الزبائنية التابعة، وقد صادرت كل التنظيمات المهنية والنقابية والحزبية أساس العمل المدني، ولم تفِ بتعهداتها التنموية، التي من شأنها بناء قاعدة صناعية أو توسيع العمل الزّراعي، الذي يترتب عليه تغيير الهندسة الاجتماعية جذرياً، إنّما استنزفت فائضَ اقتصادها الريعي في تقوية مصالحها الذاتية، وأجهزتها الأمنية المدنية، وعتادها العسكري، وشكلية المشروعات القومية الكبرى الفاشلة.

باسم الدين مارست الدولة السّياسة بوصفها توزيعاً للقيم ومراقبةً الأخلاق ومنه استمدت هيمنتها بديلاً عن افتقارها الفكري والأيدولوجي لذا سعت إلى مأسسة الدين.

إيمان النمر

وفي دولةٍ مثل السودان يقوم اقتصادها على ما يقرب من 70% على القطاع الخدمي، يعاني فيه العديد من الشرائح الدنيا وعمال المياومة في أطراف المدن والريف من الفقر المدقع والبطالة وتهالك منظومات الرعاية والخدمة.

وإذا كان بعض المهنيين من الأطباء والمهندسين وغيرهم ممن يشكّلون عماد الطبقة الوسطى يقودون الاحتجاجات الثورية، نظراً لما طالهم من ضرر، بشكل أو بآخر جراء تطبيق برامج الإصلاح الاقتصادي المعممة الآن في الدول النامية، إلا أنها، مرتبطة بأجهزة الدولة ومؤسساتها البيروقيراطية. هذا التطويق الدولتي الذي يعيق أي طبقة أو شريحة اجتماعية عن مواصلة الضغط واستبصار الوعي بمصالحها ومنظومتها الثقافية الذاتية، لذلك دائماً ما ترحب بالتفاوض في مرحلة ما، إذا ارتأت أن سقف المطالب معقولاً وواقعياً.

ولمّا كان الحال كذلك، تعرّضت المجتمعات في المنطقة كافة لعملية افقار ممنهج مادياً وفكرياً، وأصبحنا أمام بنيةٍ اجتماعية تدرك مآلات ما خضعت له من حكم عسكري "ثيوقيراطي"، وباتت تدرك ضرورة تغييره، وقد ثارت ضده، لكنها تحت وطأة الظروف الاقتصادية والتلويح الدائم بإرهاب الفوضى والعنف، غالباً ما تعود منكسة الرؤوس، راضية اضطراراً بما توصلت إليه من مكاسب مؤقتة "ممنوحة".

وبالإحالة إلى كلّ ما سبق، فإن حلم الدولة المدنية يظل هدفاً ثورياً لكافة الاحتجاجات الشعبية، إلا أنه يواجه العديد من التعقيدات البنيوية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي ما تزال تشكل عائقاً يحتاج مزيد من الجهد التراكمي، وبناء تكتلات اجتماعية يمكنها فرض هيمنة بديلة، تجذر من مفهوم استقلالية الفرد والمجتمع عن الدولة، بما لا يجعلها كيان فوق قانوني.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي