كيف نفكر في الحرب؟ كيف نفهم هذه "الكيمياء" البشرية العصية ؟ أَهي البشاعة في أقصى ممكناتها؟ أهي "استراتيجية الحافة واللا مخرج"، أو هي المستحيل الذي يُلغي مُمْكِنَ السلم واللا عنف؟ أو أن الحرب هي الأصل، والسلم هو الاستثناء في تاريخ البشرية؟

الحرب هي الحرب، ولا سبيل لأي حذلقة لغوية لبناء معناها الواضح أو تجاوزه، الذي نكتشفه خراباً وألماً وموتاً، إنها أبشع ما "اهتدى" إليه الإنسان في تاريخه، وهو يُسيء تدبير نزاعاته مع الآخر، فأمام سوء التقدير، وبسبب الأطماع وضغط المصالح، فإنه لم يجد بُدّاً من المواجهة والاقتتال، لإعلاء فرضية البقاء لا الفناء.

لقد أوضح غاستون بوتول في اشتغاله السوسيولوجي على الحرب، بأن تاريخ الإنسانية هو سجل مملوء بالحروب والنزاعات، المسؤولة، وإلى حد كبير، عن إحداث التحولات والتواصلات والتلاقحات الكبرى.

الحاجة والرغبة حركتا الكثير من النزعات العدوانية لدى الأفراد والجماعات وكانتا سبباً رئيساً في إيصال البشرية إلى بئس المآلات.

عبد الرحيم العطري

فالحرب، أي حرب، تشير إلى نهاية عهد وبداية آخر، وتدل على حضور المنتصر وأفول المهزوم، وهو ما نكتشفه حتى في موضة اللباس العسكري المنتشر بين الدول، إذ يقول بوتول بأنه "في أعقاب حملة نابليون انتشرت البزات العسكرية الفرنسية، وبعد عام 1918 أتى دور الإنجليز، أما اليوم فقد حلت البزات العسكرية الأمريكية والروسية".

لا ينبغي أن ننسى أن أول أداة صنعها الإنسان هي السلاح الذي كان خنجراً ورمحاً من حجر الصوان، وهو ما يدفع المفكرين في البوليمولوجيا Polémologie (علم الحرب) في مقابل الإيرينولوجيا Irénologie (علم دراسات السلام)، إلى توكيد أن الحرب هي قانون الطبيعة الأول، وأن السلم هو الاستثناء، اعتباراً لكون الإنسان لم ينتهِ من التفنن في "إبداع" السلاح في تساوق تام مع التقدم الذي أحرزه في مجالات العلم والصناعة، على مدى تطوره الحضاري، فمن الرمح والسيف إلى المسدسات والرشاشات والقنابل والصواريخ والغازات السامة.

لقد انخرط الإنسان منذ بدايات خطوه على الأرض في حروب ماحقة، ضد الطبيعة وضد الإنسان، كانت حروباً لتأمين حاجياته وإرضاء غروره وتأبيد سيطرته، وكانت أيضاً لِدواعٍ سياسية ودينية واقتصادية. فالحاجة والرغبة حركتا الكثير من النزعات العدوانية لدى الأفراد والجماعات، وكانتا سبباً رئيساً في إيصال البشرية إلى بئس المآلات.

في الحرب نكتشف الوحش الذي يسكننا، والذي لا يتردد في استعادة البدء الإنساني حيث "حرب الجميع ضد الجميع"، نكتشفه وحشاً ضارياً يقتل بدم بارد، مُعتبراً ما يقوم به "جهاداً" و"استشهاداً" و"نضالاً" و"دفاعاً" عن حوزة الوطن، وطبعاً فـ"القوات الإيديولوجية المسلحة" كما يسميها منير الحجوجي، كفيلة بتبرير "عنف العنف" الذي يمارَس في ساحات الوغى وشرعنته.

عندما نستقرئ تاريخ الحروب الإنسانية سنجد الحاجة والرغبة في نفس المدخل الفَهْمِي للواقعة، فحاجة الإنسان إلى الغذاء والماء والأرض وباقي الموارد والإمكانات الطبيعية والخيرات الرمزية والمادية، هي التي دفعت المجموعات البشرية إلى شن الحروب، ومن ثمة لاح لدينا قاموس حربي شاسع يتوزع على الغزو والسبي والغنيمة والأسر والاستعمار، والذي، أي القاموس، يمكن تلطيفه أيضاً بعبارات أخرى من قبيل الفتح والتحرير والحماية والانتداب.

الحرب لا تحتمل إلا الخسارة سواء كانت "مقدسة" أو "مدنسة" فلا أحد ينتصر في الحرب.

عبد الرحيم العطري

أما من حيث فاعلية الرغبة في تقرير وقائع الحرب، فالأمر متصل بحب السيطرة والتسلط والتملك والهيمنة، فهي رغبات مؤسِّسة للاحتراب، إذ تجعل القويّ راغباً أبداً في فرض سيطرته على من هو أضعف منه، كما أنها تجعله منشغلاً أكثر فأكثر، بمحو أية مقاومة أو مزاحمة مضادة، ولهذا تتواصل الحروب وفق رغبات جنونية أحياناً، لتنفيس مكبوتات أو تحقيق أوهام، مثلما هو الحال مع هتلر وموسوليني وفرانكو، وغيرهم من"المرضى" الذين جعلوا البشرية في لحظة حرجة من تاريخها تركع للخراب.

إن الحروب التي تواصلت في العالم العربي ما قبل الإسلام وما بعده، انضبطت بدورها لثنائية الحاجة والرغبة، فالاحتراب القبَلي الذي استدام لسنوات طوال، تماماً كما هو الحال في واقعتي "البسوس" و"داحس والغبراء"، يُعبر عن هذه الدينامية المُؤَسِّسَةِ والمفسرة للعنف والعنف المضاد لتدبير نزاعات واهية، تعيد الإنسان إلى حالة التوحش.

وعليه فإن النكوص نحو هذه الحالة لم ينته بمجيء الإسلام، بل اتخذ أبعاداً جديدة، يُستنجد فيها بالدين لشرعنة القتل وتبريره، وهو ما انكشف في الصراع على الخلافة، وما انْسَالَ على إثر ذلك من دماء باسم الدفاع عن المقدس، وهو ما يتواصل إلى اليوم، بصيغ متعددة. وهذا أمر لا يتصل حصراً بالمجال التداولي العربي الإسلامي، فاستثمار الدين في الحرب، أمر تكرر، وسيتكرر في كل الأنساق المتبارية حول السيادة والهيمنة، فالحروب الصليبية التي قادها ريتشارد قلب الأسد، كانت باسم الدين ومن أجل الدين.

في حروب الردة والخلافة والإمامة والغزوات و"الفتوحات"، كان الرهان الأقصى هو إضفاء نوع من"القداسة"على العنف الدائر، بحثاً عن الموالاة والاعتراف، ففي كل جبهة مُحاربةٍ هناك ما لا يكفي من مُؤَوِّلِي النصوص الذين بمقدورهم تحوير التسميات وصناعة الألقاب الجديرة بالواقعة وفاعليها، لِيَظهر الشهيد والمحرر والفاتح والمنقذ والملهم والقائد والرمز، وتسير بذكرهم الركبان، وإن كانت أياديهم مضمخة بدماء الأبرياء.

جدير بالذكر أن الحرب لا تُفهم إلا باستحضار زمن ما قبل الحرب، أي بفهم شروط إنتاج الحرب وتأويلها، وذلك في مستوى الخطاب التأسيسي أو بالأحرى التحريضي لكل حرب، هنا تشتغل الآلة الإيديولوجية بشكل فعال لِوَسْمِ الحرب وإعلان انتمائها الدلالي، وكذا إثبات ضرورتها الأمنية والاستراتيجية.

ففي حروبنا العربية "الخاسرة" مع العدو الصهيوني، كان اللجوء إلى استثمار الجرح النرجسي المتصل بالهوية والتاريخ والدين والمصير المشترك، وكانت الآلة الإعلامية والفنية تشتغل بحماس شديد لصناعة رأي عام عربي مؤيد للحرب "حا نحارب، حا نحارب، حا نحارب"، والنتيجة نكسة تلو النكسة، لم تندمل جراحها حتى مع حرب أكتوبر ذات الانتصار المكبل بعداً باتفاقية كامب ديفيد.

الحرب ضرورية لاقتصاديات الرأسمالية المتوحشة إنها آلة تدوير فعالة لشركات السلاح التي تصنع الرؤساء.

عبد الرحيم العطري

في زمن ما قبل الحرب ينتشر آل الطبل والمزمار، لاستعراض القوى وتبرير خيار الحرب، مثلما ينتشر "تجار الدين" الذين بمقدورهم الإفتاء بالحِلِّ أو الحُرْمَةِ تبعاً لما يبتغيه القائد الملهم الذي يتحكم في البلاد والعباد. وينسون جميعهم أن الحرب لا تحتمل إلا الخسارة، سواء كانت "مقدسة" أو "مدنسة"، فلا أحد ينتصر في الحرب، ففي كل الجبهات هناك مكلومون وثكالى وأيتام، وهناك ما لا يُعدُّ من خسارات عمرانية وإنسانية.

لقد وعت أمريكا والدول المتقدمة ألا خير في حرب على أراضيها، لقد استفادت من دروس الحرب الأهلية الأمريكية والحربين العالميتين الأولى والثانية، والنتيجة أنه إن كانت هناك من ضرورة للحرب، فلتكن بعيداً عن أوروبا وأمريكا، فلتكن في العالم العربي وفي السجل الإسلامي بصيغة أخرى.

فالحرب ضرورية لاقتصاديات الرأسمالية المتوحشة، إنها آلة تدوير فعالة لشركات السلاح، التي تصنع الرؤساء وتمنعهم من عهدة ثانية إن لم يكونوا طَيِّعِينَ يأتمرون بما تقرره هذه الإمبراطوريات الاقتصادية الكبرى. فمن سيشتري الصواريخ العابرة للقارات وطائرات الشبح والمدرعات الذكية، إن لم تدق طبول الحرب في الهنا والهناك.

ما أنفقه العالم العربي على التسلح، ما بين 2010 و 2015، تجاوز 803 مليارات دولار، وفقاً لتقرير صادر عن صندوق النقد العربي، وهو رقم كافٍ لإنهاء كل بشاعات الفقر والتهميش، كذلك فإنه كافٍ لتحقيق نهضة تعليمية تقود نحو رقي تنموي عالٍ، ومع ذلك يتواصل جنون التسلُّح، وتستمر سياسة الأرض المحروقة، التي تؤدي ثمنها الأجيال القادمة بكل تأكيد.وعليه لا بأس أن نطرح السؤال هنا والآن عن الكلفة المالية لكل الحروب التي وقعت، والأخرى التي لم تقع، أو على الأقل يتم الاستنفار لها، وذلك في الزمن العربي المعاصر، فكم من تريليونات من الدولارات أُنْفِقَتْ، أو بالأحرى أهدرت في حروب خاسرة، حَرَّكتها حاجات ملتبسة ورغبات مجنونة؟

ما أنفقه العالم العربي على التسلح ما بين 2010 و 2015 تجاوز 803 مليارات دولار وهو رقم كافٍ لإنهاء كل بشاعات الفقر والتهميش.

عبد الرحيم العطري

لو استُثمرت هذه التريليونات في محاربة الفقر لا الفقراء، وفي تعزيز مسلسل التنمية والإصلاح، لكان السياق غير السياق، ولكان الواقع أكثر بهاءً وشموخاً، ولكن ما تجري الرياح إلا كما تشتهي حسابات إمبراطوريات السلاح، التي تجد ضالتها في حاجات الرؤساء المتعطشين إلى التسلط والهيمنة والخلود.

طبعاً لا بد من تأكيد أن الداعي إلى مساءلة الحرب في هذا المقام، مرتبط بما يعتمل آناً في الخليج العربي من أجواء ما قبل الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، التي لن تقع إلا الخيال السياسي، وذلك لسبب بسيط وهو أن "تجار الحروب" يعون جيداً أن سباقات التسلح، وليس استعمال السلاح، هو ما ينبغي المراهنة عليه، فأجواء ما قبل الحرب هي الكفيلة بضرب الصفقات واستكمال التوريدات، فالحرب واقعة اقتصادية في البدء والختام، ما يعني أن "الرأسمال" الجبان كما سماه ماركس يوماً هو الذي يدق طبول الحرب وهو الذي يغنم من حدوثها أو انتفائها.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي