دبابة أصيبت بأضرار خلال القتال بين قوات الدفاع الوطني الإثيوبية وقوات تيغراي الخاصة تقف على مشارف بلدة حميرة. (Stringer/Reuters)

ومع تواتر تقارير عن تقدم قوات تيغراي صوب العاصمة أديس أبابا عقب سيطرتها مؤخراً على مدينتين استراتيجيتين (دسي وكومبولتشا) على بعد نحو 400 كلم شمال أديس أبابا، مما سيعيد رسم معادلات القوة والصراع ليس في داخل إثيوبيا فقط وإنما أيضاً في القرن الإفريقي الكبير. وإزاء ذلك أعلنت الحكومة الإثيوبية (2 نوفمبر/تشرين الثاني) فرض حالة الطوارئ في عموم البلاد.

انتهاكات ومزاعم

تحدثت تقارير المنظمات الحقوقية الدولية، كالعفو الدولية وهيومن رايتش ووتش وغيرهما، عن وقوع انتهاكات لحقوق الإنسان من جميع أطراف النزاع، وتحديداً من قبل القوات الإريترية التي شاركت في العملية العسكرية على إقليم تيغراي إلى جانب القوات الإثيوبية.

كما اتُّهمت الحكومة الإثيوبية باستخدام التجويع كسلاح في الحرب، والتي ترى بأن المساعدات الإنسانية قد تستخدم كغطاء لتوفير الدعم لقوات جبهة تحرير تيغراي، كما حدث في أواخر القرن الماضي.

وفي ضوء المواقف والضغوط الدولية على الحكومة الإثيوبية توترت علاقاتها مع المجتمع الدولي، وخصوصاً مع القوى الغربية، وبشكل أكثر تحديداً توترت العلاقات مع واشنطن رغم أن علاقات البلدين كانت توصف بالعلاقات الاستراتيجية، حيث أسقطت إدارة بايدن إثيوبيا من قائمة الدول المستفيدة من "قانون الفرص والنمو في إفريقيا" (أغوا)، كما صنفت في وقت سابق هذا النزاع على أنه "تطهير عرقي".

الانسحاب من "مكلي"

يبدو أن العملية العسكرية لم تكن مبنية على حسابات دقيقة بالنسبة لحكومة آبي أحمد التي أجبِرت على الانسحاب من الإقليم من دون تحقيق الأهداف التي أعلنتها مع بداية شن العملية وهي: إخضاع الإقليم للدستور بعد أن تبنت قيادات الإقليم سياسات تتحدى الحكومة الفيدرالية، ونزع سلاح المجلس العسكري لجبهة تيغراي بجانب تقديم قادة المجموعة للعدالة، لاسيما المطلوبون منهم للعدالة في قضايا تتعلق بجرائم فساد او انتهاكات لحقوق الانسان.

وفي أواخر يونيو/حزيران الماضي أعلنت الحكومة الفيدرالية الانسحاب من مكلي عاصمة الإقليم ووقف إطلاق النار من جانب واحد، وهو ما رفضته قوات وحكومة تيغراي، بينما دعا المجتمع الدولي إلى وقف لإطلاق النار متفاوض عليه بين الأطراف.

بعد أن أعادت بناء قدراتها، شنت قوات تيغراي هجمات مضادة حيث توغلت جنوباً في إقليم أمهرا وشرقاً في إقليم عفر بهدف فك الحصار المفروض على الإقليم من جميع الاتجاهات وخلق بيئة تسمح بإدخال المساعدات للمتضررين من النزاع.

فشل جهود الوساطة

مع تفاقم النزاع، تركزت مواقف المجتمع الدولي في مطالبة أطراف النزاع بضرورة وقف العدائيات للسماح بإيصال المساعدات، ولإنهاء النزاع من خلال التفاوض، وعقد حوار وطني شامل بالبلاد، واقتصرت فقط على تكرار الدعوات للأطراف للحوار والتفاوض من دون طائل.

ظلت جهود الوساطة مترددة وخافتة، كاستجابة لهذا النزاع ومحاولة لمحاصرته، عين الاتحاد الأوروبي في شباط/ فبراير الماضي مبعوثاً خاصاً لهذا النزاع، وهو وزير خارجية فنلندا السيد بيكا هافيستو، كما سمت الإدارة الأمريكية في نيسان/أبريل الماضي السفير جيفري فيلتمان مبعوثاً خاصاً للقرن الإفريقي.

وفي هذا السياق، أعلن رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، أواخرأغسطس/آب الماضي، تعيين الرئيس النيجيري الأسبق أوليشيغون أوباسانجو ممثلاً أعلى للاتحاد في القرن الإفريقي، وعلى رأس اهتماماته ملف نزاع تيغراي بيد أنه لم يتحرك رغم الدعم الدولي الكبير الذي وجده، حيث واجه منذ البداية رفض جبهة تيغراي لمهمته وتشكيكها فيه.

إعادة تشكيل القرن الإفريقي

منذ البداية، رأت الدوائر المهتمة بالقرن الإفريقي الكبير بأن نزاع تيغراي ستكون نتائجه وتداعياته على سائر المنطقة ولن تقتصر على إثيوبيا، بينما تمسك حكومة آبي أحمد بسردية مفادها هذا الأمر "شأن داخلي" وبالتالي ترفض التدخلات الخارجية في شؤونها.

وبغض النظر عن النهاية التي سيكون عليها هذا الصراع، فإن تداعياته الداخلية في إثيوبيا وفي الإقليم ستكون كبيرة جداً في ظل العجز الدولي في الاستجابة الفعالة لمنع مثل هذه الصراعات.

تعاني دول المنطقة بدرجات متفاوتة عدمَ الاستقرار، وفي ظل غياب إطار إقليمي للتعاون في قضايا السلم والأمن، وبالتالي تصاعد الأزمات الحادة والمعقدة في أي بلد من هذه البلدان ستنعكس على بقية البلدان. وأعلن في يناير/كانون الثاني 2020 عن تأسيس تحالف إقليمي جديد عُرف بـ"تعاون القرن الإفريقي" وذلك عقب قمة جمعت في العاصمة الإريترية (أسمرا) - بجانب الرئيس أسياسي أفورقي - كلاً من رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، والرئيس الصومالي محمد عبد الله فرماجو، غير أن هذا التحالف أحدث زعزعة للمنطقة – بحسب البعض- بدل أن يملأ فراغ القوة فيها، كما أنه ووجه بمعارضة من قوى إقليمية أخرى رأت فيه محاولة لسحب البساط منها، كما رأى البعض أن نزاع تيغراي كان أحد نتائج هذا التحالف الجديد.

فضلاً عن ذلك، أعاد النزاع في إقليم تيغراي رسم الاصطفاف والعلاقات بين الدول بشكل كبير، فعلى سبيل المثال تحولت العلاقات بين السودان وإثيوبيا من الصداقة والتعاون إلى توتر يكاد يجر البلدين إلى مواجهة عسكرية على خلفية نزاع تيغراي، حيث تعتقد دوائر إثيوبية بأن السودان يدعم مقاتلي جبهة تيغراي، كما يوفر للجبهة ملاذات آمنة سواء بغض الطرف عن أنشطة عناصرها في داخل معسكرات اللاجئين أو تحركاتهم في بقية المدن. كما رأت أيضاً في تحرك الجيش السوداني لبسط سيطرته على مثلث الفشقة على الحدود المشتركة وطرد مليشيات إقليم أمهرا "غدراً"، بينما كانت القوات الفيدرالية منخرطة في العملية العسكرية ضد تيغراي.

كما تعتقد هذه الدوائر الإثيوبية أيضاً بأن التغيير في مواقف السودان من سد النهضة الإثيوبي كان نتيجة تأثيرات من القاهرة. من هنا رأت العديد من الدوائر الدولية بأن نزاع تيغراي يهدد بزعزعة استقرار القرن الإفريقي الكبير نظراً لتداخل الملفات والقضايا بصورة كبيرة.

مخاطر حروب الوكالة

وفي هذا الصدد، فإن فشل العملية العسكرية ضد جبهة تحرير تيغراي، والتي أعادت الإمساك بزمام المبادرة على الصعيدين العسكري والسياسي بينما هدفت العملية للقضاء عليها، يجعل من احتمالات اندلاع نزاع مسلح بين البلدين أو سياسات حروب الوكالة خلال المراحل المقبلة من هذا الصراع، مرجحة بشكل كبيرة، حيث تنطلق الأطراف كافة من فرضية صفرية؛ أي انتصار طرف يعني خسارة للطرف الآخر.

حتى قبل اندلاع نزاع تيغراي والنتائج والتداعيات التي ترتبت عليه، خلصت نتائج وتوصيات تقرير مجموعة الخبراء رفيعي المستوى بشأن دراسة الأمن والسلام في البحر الأحمر بمعهد السلام الأمريكي (أكتوبر/تشرين الأول 2020) بأن تعثر عمليات الانتقال السياسي في إثيوبيا والسودان (بعد صعود آبي أحمد إلى السلطة في أبريل/نيسان 2018، بعد سقوط البشير في أبريل/نيسان 2019)، والتي وصفها بأنها الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة، سوف تترتب عليه تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في هذه المنطقة. وهو ما يفسر مغزى التحركات الماكوكية التي ينفذها حالياً المبعوث الأمريكي للقرن الإفريقي لمواجهة الأزمات والصراعات في هذين البلدين وكذلك المواقف القوية لإدارة بايدن تجاه ذلك.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي
الأكثر تداولاً