يتوقع الخبراء أن يستمر وباء كورونا لفترة طويلة الأمر الذي يفرض على الجميع أفراداً وجماعات أن تتكيّف معه مع ما يستلزم ذلك من اتخاذ جميع التدابير الوقائية من أجل الحد من انتشاره والتغلب عليه.

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن إجازة استخدام علاج للكورونا وهو رمدسفير Remidsvir وهو العلاج الذي مازالت شركة جيلياد الأمريكية تختبره في المرحلة السريرية دون أن تتوصل لنتائج حاسمة عن فعاليته ومأمونيته. وقدأجازت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA العقار تحت ضغط من ترمب الذي يريد تحقيق إنجاز يستفيد منه فيالانتخابات المقبلة بصرف النظر عن مدى فعالية الدواء الذي جاءت نتائجه الأولية في الصين مخيبة للآمال فيما تستمرالتجارب العالمية له.

وافتقدت النتائج الواعدة التي أعلن عنها في البداية للمنهجية المتبعة التي توافق عليها FDA والتي تعتمد تجربة العلاجعلى مجموعات مصابة وفي أكثر من دولة وضمن معايير محددة تثبت نجاحه في علاج المرضى بنسب عالية، وهو مايستغرق وقتاً طويلاً يتضمن محاولات تحسين المركب الكيمياوي للدواء وتقليص الآثار الجانبية للعلاج.

تراجع فيروس كورونا

وفيما ناهز عدد الإصابات بالفيروس ثلاثة ملايين ونصفاً فإن عدد الوفيات لا يزال أقل من 7% (نحو ربع مليون وفاة) من هؤلاء، فيما بلغ عدد المتعافين نحو مليون وربع المليون (أي خمسة أضعاف المتوفين ونحو ثلث المصابين).

ويلاحظ من خلال الإحصائيات المنشورة تزايد مضطرد في حالات الشفاء في عدد من البلدان لدرجة أن عدد حالاتالشفاء في اليوم الواحد هي أضعاف عدد الإصابات. ويوجد نماذج جيدة لحالات تراجع المرض كما في ألمانيا وتركياوحتى إيطاليا مؤخراً. فضلاً عن تجربة ناجحة لسنغافورة في محاصرة المرض وارتفاع كبير في حالات الشفاء في إيرانالتي كانت سجلت أعداداً كبيرة من الإصابات خلال الشهرين الماضيين، وإعلان الأردن خلوه من الإصابات لعدة أياممتتالية.

ولا تزال معظم حالات الإصابة موجودة في الولايات المتحدة حيث سيزداد عدد حالات الشفاء فيها بعد توزيع مليون عينةدواء هناك.

وعلينا أن نتذكر أن حوالي ثلاثة إلى خمسة ملايين حالة مرض شديد تسببها الإنفلونزا الموسمية سنوياً، كما أن ضرركورونا أقل بكثير من الإنفلونزا الإسبانية التي بدأت في عام 1918 وأصابت ما يقدر بنحو 500 مليون شخص.

ويتوقع في ضوء هذه المعطيات إضافة للأضرار الاقتصادية التي أحدثها الإغلاق أن تتوجه العديد من الدول نحو تخفيفإجراءات الحظر مع المحافظة على الاحتياطات الصحية في أماكن العمل والمصانع والطائرات بعد عودة المطاراتللعمل في مدة قد لا تتجاوز نهاية الشهر الحالي. 

وسيؤدي ذلك إلى فتح الاقتصادات بشكل تدريجي بعد أن تراجعت بشكل كبير نتيجة الإغلاقات.

تعايش حتمي وتغييرات واجبة 

وتقول المؤشرات إن البشرية ستتجه خلال الأسابيع القادمة نحو التعايش التدريجي مع الفيروس، بمعنى أن تعود الحياةتدريجياً في معظم نواحيها وخصوصاً الاقتصادية مع استمرار محاربة المرض من خلال الإجراءات الاحترازية والسعيالدؤوب للتوصل لعلاجات ولقاحات جديدة، وتسريع وتيرة البحوث والتجارب المتعلقة بها.

إن استمرار وضعية الإغلاق في الدول على تباينها سيحدث المزيد من الأضرار وسيكون له انعكاسات اجتماعية ونفسيةوسياسية.

إلا أن اتجاه وقف الإغلاق سيظل مرهوناً بتطور المرض، لا سيما وأن بعض التوقعات الطبية تنذر بموجة ثانية وثالثةللفيروس.

إن نجاح البشرية ونجاح أي دولة في إنجاز تعايش مع الوضع يرتكز أساساً إلى الوعي بأن المرض ما زال موجوداً ويجبتحاشيه بالإجراءات وليس بالتراخي وسوء تقدير الوضع، فضلاً عن الاستعداد للأسوأ.

ولكن وضع البشرية ما بعد كورونا سيكون مختلفاً عما قبلها. سواء في الأوضاع الجديدة للاقتصادات وتراجع مداخيلالنفط وتضرر عدد كبير من الشركات الكبيرة والصغيرة مما سيؤثر على أصحاب المشاريع والعاملين فيها، وسيزيدالضغط الاقتصادي على الحكومات بما قد يؤثر على الأوضاع السياسية.

وسيكون على المجاميع البشرية أن تتعايش إلى حد ما مع الأوضاع الجديدة، فهل ستضطر لتغيير أنماط معيشتها وعلاقاتهاوتحديد أولويات حاجاتها تماشياً مع الظروف الاقتصادية الصعبة؟ وهل سيترتب على ذلك اضطرابات سياسية وعسكريةفي بعض البلدان؟ يظل كل ذلك في طور التساؤل والترقب.

الفيروسات عدو البشرية الأول

أصبح من الواضح للعالم أن الخطر الحقيقي على البشرية يتمثل في العالم غير المرئي من الكائنات الحية الموجودة فيمابيننا، وليس المخلوقات الفضائية المزعومة وأطباقها الطائرة أو الخلل المحتمل في الأجرام السماوية.

وكان الكبار في العالم يركزون على السيطرة والهيمنة أو المنافسة السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويسعون لتطويروسائل الفتك والقتل وآليات القتال ووسائل التجسس والاستخبارات ضد الأفراد والدول.

وللموضوعية، فإنه ليس من المتوقع أن تتوقف هذه الاهتمامات، ولكن على هذه القوى العالمية وعلى رأسها أمريكا أنتركز بعد كورونا على إيجاد آليات مراقبة وسيطرة صحية تتنبأ بالأمراض وتبتكر وتصمم لها احتياطات واحترازاتوآليات تعاون دولي لمكافحة الأوبئة، بل ويمكن أن تبدأ التفكير بلقاحات محددة وعامة وعلاجات جديدة تركز على مواجهةأخطار الفيروسات التي باتت تشكل العدو الأول لكل أشكال الحياة على الكوكب، وليس الإرهاب المصطنع كما يزعمون.

الصحة أولاً

لقد أثبت الوباء الجديد أن الاستعداد للأمراض القادمة لم يعد ترفاً أو قضية جانبية. فالفيروس متناهي الصغر أوجد أزمةعالمية شلت الاقتصاد، وأظهرت عجز دولة مثل أمريكا في السيطرة على الوباء، وسلط الأضواء على مكانتها في العالموهشاشة استعداداتها الطبية ما دفع بترمب إلى محاولة تصدير الأزمة للصين واتهامها بالتساهل في ملاحقة المرض ماأدى لانتشاره عالمياً.

وكما اهتمت الدول الكبرى بأسلحة الدمار الشامل النووية والأسلحة الكيمياوية والبيولوجية الفتاكة فقد آن الأوان لها أنتحصن نفسها والعالم من عدو لا تراه بالعين، ولكنه فتاك وقوي ولا تستطيع هزيمته بأسلحتها.

وهنا تصبح الحماية والتحصين والحفاظ على صحة البشر وتحسينها وتطوير آليات مراقبتها وعلاجها أهم من الأسلحةالتي تحمي الحدود وتستخدم للنفوذ والسيطرة، فالعدو القديم الجديد هو بين ظهرانينا ويعمل دوماً لتطوير نفسه والفتك بأكبرعدد من الناس كما هو واضح بين دورة سارس الماضية وكورونا الحالية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.


المصدر: TRT عربي