تحكي الفتاة عن قصتها مع بائع الحليب الذي يلاحقها بينما هي تفكر "إن لم يكن وقحا فلا يمكن أن أتصرف معه بوقاحة". إنها رواية تتحدث عن كيفية عمل علاقات القوى داخل المجتمعات المضطهدة وانعكاس الوضع السياسي فيها على العلاقات الإنسانية.

"آنا بيرنز" عقب فوزها بجائزة المان بوكر عن روايتها "بائع الحليب" (Reuters)

حين وقفت الأيرلندية "آنا بيرنز" أمام الكاميرات بجانب روايتها "بائع الحليب" أثناء تكريمها عقب الفوز بجائزة المان بوكر، بدا عليها الارتباك. فقبل إعلان فوزها بالجائزة، لم تكن بيرنز سوى كاتبة محلية لم تحظ بشهرة كافية داخل الأوساط الأدبية، ويبدو عليها أثر المفاجأة بفوز عملها الروائي الثالث بواحدة من أعرق الجوائز الأدبية في العالم.

فمن هي آنا بيرنز؟ وما المعايير التي تم اختيار الرواية على أساسها؟ وكيف تميزت طريقتها في السرد؟

إن الرواية التي تدور أحداثها في مجتمع منقسم على نفسه تستكشف الأشكال الخفية التي يمكن أن يتخذها القهر في الحياة اليومية

لجنة التحكيم

مِن رفض دور النشر إلى المان بوكر

قبل أربع سنوات، كانت آنا بيرنز تعيش متجولة في ضواحي لندن، تنام في بيوت الضيافة إذا توفرت لها، تأكل من بنوك الطعام –التي قدمت لها الشكر في مقدمة روايتها– وتحاول جاهدةً مغالبة آلام الظهر المبرحة لإنهاء الرواية في الوقت المحدد وتسليمها لوكيل النشر الوحيد الذي قبلها بعد رفض عدة ناشرين لمشروعها الروائي، وفقاً لصحيفة الجارديان.

ولدت آنا -56 عاماً- في بلفاست، عاصمة أيرلندا الشمالية وقت الاضطرابات التي سادت في سبعينيات القرن الماضي، وهي البيئة التي شكلت نظرتها للعالم، حيث يتحول "الاضطهاد والعنف المتواصل إلى وضع طبيعي" على حد وصفها.

وعلى الرغم من تاريخ إنتاجها الأدبي المحدود، فقد استطاعت انتزاع أهم جائزة أدبية والتي تقدر بـ 50 ألف جنيه إسترليني (حوالى 64 ألف دولار أميركي) في منافسة كبيرة أمام مجموعة من أفضل الروايات عالمياً، وعلى رأسها ملحمة الروائي ريتشارد باورز The Overstory المصنفة بأنها الأعلى مبيعاً على قائمة النيويورك تايمز.

رسخت جائزة المان بوكر مكانتها الأدبية منذ تأسيسها عام 2002، وبمرور السنوات قدمت للعالم مجموعة كبيرة ممن أصبحت أعمالهم جزءاً من التاريخ الأدبي للشعوب المختلفة. وفي عام 2007 أطلقت مؤسسة جائزة البوكر نسختها العربية، وهي نسخة مستقلة عن المان بوكر، إلا أنها استُلهمت من النجاح الكبير للجائزة الأصلية، حيث تهدف إلى تعزيز الرواية العربية وتعريف العالم بها من خلال ترجمة الأعمال الفائزة.

"نثر مدهش وطاغٍ"

"لم يقرأ أحد منّا شيئاً كهذا من قبل" كان تعليق الفيلسوف والروائي كوامي أنتوني بياه، الذي ترأس لجنة التحكيم لهذا العام. والذي أوضح: "أنها قصة عن الوحشية والاعتداء الجنسي والمقاومة، مطعمة بدعابة لاذعة. إن الرواية التي تدور أحداثها في مجتمع منقسم على نفسه تستكشف الأشكال الخفية التي يمكن أن يتخذها القهر في الحياة اليومية".

اتفقت لجنة التحكيم على تميز طريقة السرد الأدبي لرواية بيرنز التجريبية "بائع الحليب"، وتحدِّي أسلوبها للشكل والتفكير التقليديين "بنثر مدهش وطاغٍ".

وأشارت اللجنة إلى نجاح الرواية في استيفاء الشروط اللازمة للفوز بشكل فاق التوقعات، فرغم أن الرواية كُتبت منذ أربع سنوات، فإنها استطاعت أن تمسّ قضايا تشغل الرأي العام العالمي، مثل التحرش الجنسي، والقهر والاستبداد، والقدرة على إبراز التفاعلات الداخلية والأصيلة للشخصيات وفقاً لعلاقات القوى التي تنشأ داخل المجتمعات الممزقة بالحروب والنزاعات.

وهو ما اعتبرته لجنة التحكيم نقطة قوة حقيقية تضاف لصالح الرواية، فقد علّق عليها بياه بقوله: "أعتقد أن هذه الرواية سوف تساعد الناس في فهم حملة مي توو بطريقة أفضل، فهي تستحق الثناء على منحنا صورة عميقة واستثنائية بالإضافة لطرح التحديات الأخلاقية والفكرية التي تثيرها الحملة".

شخصيات بلا اسم

فضلت بيرنز أن تنحاز إلى خيارات أدبية جريئة وضعت المزيد من التحديات أمام روايتها، حيث يصعب تمييز الشخصيات التي تركتها بدون اسم إلا من خلال علاقة كل منهم بالآخر، وهو ما قد يتطلب مجهوداً إضافياً من القارئ، لكن "الأمر يستحق، فالمشهد يكون رائعاً حين تنتهي من قراءتها كاملةً" كما وصفتها لجنة التحكيم.

"في الأيام الأولى أثناء التخطيط للرواية، حاولت إضافة أسماء للشخصيات، لكن الكتاب لم يتحمل ذلك. لقد أعاقت الأسماء قدرتي على السرد، فقدت كلماتي قدرتها على التدفق وتحول المشروع إلى عبء ثقيل، حتى قررت إلغاء الأسماء، فانسابت الحكاية تلقائياً. أحياناً يفرض العمل نفسه عليك، لا العكس". أضافت آنا في حديثها للجارديان.

تُروى الحكاية على لسان فتاة في الـ 18 من عمرها، هي الأخت الوسطى في عائلتها. لديها عادة غريبة حيث تفضل القراءة أثناء المشي، وهو ما أثار سخرية الآخرين منها أحياناً، لكن كانت هذه طريقتها في استقبال العالم، ومن خلال تدوين أفكارها الداخلية تحاول فهم ما يقع لها من أحداث.

لقد أعاقت الأسماء قدرتي على السرد، فقدت كلماتي قدرتها على التدفق وتحول المشروع إلى عبء ثقيل، حتى قررت إلغاء الأسماء، فانسابت الحكاية تلقائياً. 

آنا بيرنز

وتحكي الفتاة قصتها مع بائع الحليب، رجل في الأربعينيات من عمره، يقود سيارة بيضاء، يلاحقها رغبةً في الحصول عليها، لكن ملاحقته لها لا تأتي في صورة واضحة وفجة، بل في صورة قوة ناعمة، تستميلها بينما هي تراودها أفكار من نوعية "إن لم يكن وقحاً، فلا يمكن أن أتصرف معه بوقاحة". إنها رواية تتحدث عن كيفية عمل علاقات القوى داخل المجتمعات المضطهدة، والتي ينعكس الوضع السياسي فيها على العلاقات الإنسانية بمختلف أنواعها.

"تحاول الرواية فهم قوة الشائعات داخل المجتمعات المتنازعة، أو تحديداً، فهم كيف تتحول الشائعات إلى أن تكون السردية التاريخية الأصلية في المجتمع"، على حد وصف بيرنز.

أما عن الأسلوب الأدبي، فيبدو أن بيرنز تميل إلى مدرسة جابرييل جارسيا ماركيز في نظرتها للعلاقة بين المؤلف وشخصياته الروائية، حيث ترى أن دورها ككاتبة يمكن وصفه بـ "عملية طويلة من الانتظار".

وأضافت: "أنا فقط أنتظر الشخصيات كي تأتي إليّ وتخبرني بحكاياتها، ولا يمكنني الكتابة حتى يحدث ذلك".

قد تختلف الرؤى الأدبية حول هذه النقطة، لكن يبقى أن الشخصية لا تكمل طريقها داخل الرواية إلا إذا كانت ملامحها قد تشكلت في ذهن الكاتب وأصبح على وعي تام بدوافعها ومبرراتها، سواء اعتبرها ذات كيان منفصل يتلخص دوره كمؤلف في الإنصات إليها حتى تملي عليه مصائرها كبيرنز، أو اعتبرها شخصية تنتمي إليه وهو من يقوم بتوجيهها نتيجة بحث ودراسة كافية.

المصدر: TRT عربي