بجانب الهدف الأساسي الذي بُني عليه علم التجميل في أصله منذ آلاف السنين، وهو إجراء عمليات ترميمية ضرورية، تبين أن كثيراً من هذه العمليات اليوم أُجري لغرض التجميل ومواكبة الموضة فقط.

خلال آخر عقدين من الزمان، زاد الاهتمام العالمي بجراحة التجميل لأهداف مختلفة، ففي عام 2018 وحده تمّ أكثر من 23 مليوناً و600 ألف عملية تدخُّل تجميل في العالم، من بينها نحو 10 ملايين و400 ألف عملية تجميل جراحية، حسب آخر إحصائية أصدرتها الجمعية العالمية لجراحة التجميل (ISAPS) في عام 2018.

وبجانب الهدف الأساسي الذي بُني عليه علم التجميل في أصله منذ آلاف السنين، وهو إجراء عمليات ترميمية ضرورية، تقتصر على إصلاح الأجزاء التالفة من جسم الإنسان وترقيعها كي تعود إلى حالتها الطبيعية قدر الإمكان، تبين أن كثيراً من هذه العمليات أُجري لغرض التجميل ومواكبة الموضة فقط، أو للتشبه بشخص مشهور، أو لمجرد أن عمليات التجميل انتشرت بشكل واسع وأصبحت في متناول أغلب الناس، على الرغم من فشلها في كثير من الأحيان.

تاريخ عمليات التجميل

تُعتبر عمليات التجميل واحداً من أقدم علاجات الشفاء في العالم، إذ يعتقد علماء الآثار أن أقدم عملية تجميل لوجه أُجريت منذ أكثر من 4000 عام، ولكن بدأ ذكر إجراء جراحات التجميل في الهند في القرن الثامن قبل الميلاد من خلال الطبيب الهندي سوشروتا الذي يُعتبر أول جرّاح تجميل في التاريخ.

فقد استخدم الطبيب وسيلة ترقيع الجلد “Skin grafts” في جراحات تجميل الأنف، بمعنى أنه كان يستخدم أنسجة وخلايا الجلد في مناطق الجسم المختلفة لمعالجة التشوهات في عضو ما من أعضاء الجسد وترميم أجزائه من جديد.

بدأ ذكر إجراء جراحات التجميل في الهند في القرن الثامن قبل الميلاد من خلال الطبيب الهندي سوشروتا الذي يُعتبر أول جرّاح تجميل في التاريخ
بدأ ذكر إجراء جراحات التجميل في الهند في القرن الثامن قبل الميلاد من خلال الطبيب الهندي سوشروتا الذي يُعتبر أول جرّاح تجميل في التاريخ (Wikipedia)

كما عرف المصريون القدماء عمليات التجميل بشكل أوسع، إذ أجروا عمليات شد الوجه وإصلاح كسور الفك والأنف، ولكن هذه العمليات كانت تتم على موتاهم لا الأحياء، لاعتقادهم بالبعث مرة أخرى وأن الإنسان سوف يُبعث على الهيئة التي مات عليها، حسبما كشفت بردية عالم المصريات الأمريكي إدوين سميث.

انتقلت هذه الجراحة من الهند إلى أوروبا، حيث أجرى الرومان القدماء أيضاً عمليات التجميل، ولكن باستخدام تقنيات بسيطة من إصلاح التلف أو الضرر في الأذن والأنف الناجم عن الصراعات والحروب أو لتحسين شكلها، بخاصة لأبناء ذوي الطبقات العليا خلال هذه الفترة، حسب كتاب الطب للكاتب الروماني أولوس كورنيليوس سيلسوس في القرن الأول ميلادي، ثم استخدم البيزنطيون فيما بعد تقنيات ترميمية لإصلاح عيوب الوجه.

اقرأ أيضاً:
تعرّف النرجسية المرضية عن كثب

وفي الوقت الذي كانت فيه الكنيسة تحارب البحث العلمي، برز الطبيب العثماني المسلم شرف الدين صابونجو أوغلو في القرن الخامس عشر، الذي ألف كتاب "الجراحة الإمبراطورية"، وهو عبارة عن أطلس يتضمن 191 موضوعاً جراحياً، شرح في بعض موادها عن جراحة الوجه والفكين والجفن، كما تضمنت بروتوكولاً لعلاج التثدي الذي يُعتقد أنه الأساس للطريقة الحديثة لتصغير الثدي الجراحي.

تطور عمليات التجميل في العصر الحديث

وبطبيعة الحال كان التقدم في مجال التجميل بطيئاً على مدار عقود طويلة من الزمن، فقد كان أول تطور ملحوظ نسبياً في عام 1827 بعد إجراء الطبيب الأمريكي جون بيتر ميتور أول عملية جراحية في الحنك المشقوق باستخدام أدوات جراحية من تصميمه الخاص.

لم تُصنَّف الجراحة التجميلية الحديثة على أنها تخصص طبي خاص حتى أوائل القرن العشرين، خصوصاً في أثناء الحرب العالمية الأولى التي ساهمت في حدوث طفرة في تطوّر العمليات والتقنيات، نظراً إلى ما أصيبَ به الجنود في أثناء الحرب من تشوهات وحروق وتلف في بعض الأعضاء الخارجية.

ومن أشهر جراحات التجميل إجراء الطبيب النيوزيلندي هارولد جيليز عام 1917 للطيار والتر يو جراحة تجميل متكاملة، لأنه فقد خلال الحرب فكه العلوي والسفلي عن طريق إصابة خطيرة في وجهه، فرمّم الطبيب تلك الأجزاء من خلال الاستعانة بخلايا وأنسجة باقي أجزاء الجسم، وبعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية أصبح الأطباء ينالون شهادة التخصص في هذا المجال بشكل منفصل.

لم تُصنَّف الجراحة التجميلية الحديثة على أنها تخصص طبي خاص حتى أوائل القرن العشرين
لم تُصنَّف الجراحة التجميلية الحديثة على أنها تخصص طبي خاص حتى أوائل القرن العشرين (Getty Images)

بدأ التاريخ الحديث للجراحة التجميلية في الظهور في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حين حدث عديد من التطورات العلمية الهامة مثل اختراع مادة السيليكون التي اكتسبت شعبية كعنصر أساسي في بعض إجراءات الجراحة التجميلية.

ففي البداية، استُخدم السيليكون لعلاج عيوب البشرة، ولكن في عام 1962 ابتكر الدكتور توماس كرونين جهازاً جديدً لزراعة الثدي مصنوعاً من السيليكون، ثم طُورَت غرسات السيليكون للاستخدام في كل جزء يمكن تخيله من الوجه والجسم.

تحوُّل عمليات التجميل إلى موضة

بدأت جراحة التجميل تأخذ شكلاً أكثر تجارية خلال فترة الثمانينيات، وبدأت تزداد شعبيتها بين الناس، خصوصاً أن العمليات دخلت مستويات عالية من الدقة والمهارة، واستُحدثت عمليات مثل شفط الدهون، والتخلّص من تداعيات الشيخوخة، وزراعة الشعر، وتحويل شكل الشخص إلى شكل آخر.

ومع بداية الألفية الجديدة أصبحت عمليات التجميل منتشرة بشكل واسع بين الناس حول العالم، وأصبح كثيرون منهم يُجرون العمليات لغرض التجميل أو التشبه بالفنانين والمشاهير، كما ساهم تطور وسائل التواصل الاجتماعي في فرض ثقافة عمليات التجميل بشكل كبير بين المجتمعات، حتى أصبحت هوساً لدى كثيرين.

اقرأ أيضاً:
كيف ستحلّ اللحوم المخبرية أزمة الغذاء والاحتباس الحراري؟

وفي الحديث عن أسباب هوس كثير من الناس، خصوصاً الفتيات، بعمليات التجميل، يقول الطبيب الإخصائي في مجال التجميل طارق الدواهيدي: "تمر الفتاة أحياناً بظروف وأوقات ترغب فيها في التغيير أو مواكبة الموضة لزيادة الثقة بنفسها من خلال إظهار جمالها وتحسين صورتها، فتلجأ إلى إجراء عمليات جراحية في مناطق مختلفة من جسدها، أو إلى تعديل بعض الأمور في وجهها، مثل تكبير أو تصغير حجم الأنف أو نفخ الشفاه والخدين وشدّ الجفون، بهدف الوصول إلى الشكل المطلوب والمثالي بالنسبة إليها".

وأكّد الدواهيدي أنه من خلال متابعته كثيراً من الحالات في هذا المجال، يتضح أن كثيراً جداً من عمليات التجميل حالياً تتم فقط لمواكبة الموضة لغير المتضررين، والأمر الذي ساعد على ذلك هو التطور الطبي الذي زاد ثقة الناس في خوض تجربة عمليات التجميل.

أما عن ضرورة إجراء الأشخاص عمليات التجميل فيقول الطبيب المختص: "مجال التجميل واسع جداً غير مقتصِر على العمليات التجميلية مثل الفيلر أو البوتكس إلخ، وبرأيي يمكن أن يلجأ الشخص إلى عمليات التجميل في حال كان الأمر ملزماً جداً، أيْ وجود شيء يؤثّر في المظهر العامّ، مثل ترميم التشوهات الناتجة عن الحوادث مثل اعوجاج الأنف وكسر الفك، أو لتعديل العيوب الخلقية الموجودة منذ الولادة مثل نتوءات الأنف أو الأذن الخفاشية، أو إصلاح الضرر الناجم عن علاج أمراض كالأورام السرطانية مثل استئصال الثدي، إذ يلجأ كثير من السيدات بعد إجراء تلك العملية إلى زراعة الثدي لاستعادة الجسد المتناسق والمظهر الأنثوي".

مخاطر عمليات التجميل

على الرغم من تضرر كثير من المشاهير الذين أجروا عمليات التجميل، إما بالتشوه وإما الوفاة، فإن الإقبال على هذه العمليات يستمرّ يوماً بعد يوم، ومن أشهر الفنانين الذين توُفّوا في أثناء العملية، الممثلة المصرية سعاد نصر، وتعرضت الممثلة المصرية حورية فرغلي لتشوه في الأنف، والفنانة الإيطالية ميكايلا رومانيني ومصممة الأزياء الإيطالية دوناتيلا فيرساتشي لتشوهات في الوجه.

وفي السؤال عن مخاطر عمليات التجميل وتأثيرها في صحة الإنسان، يجيبنا الطبيب المختص: "عمليات التجميل هي عملية جراحية متخصصة بجراح تجميل مارس المهنة، وكل عملية جراحية معرضة للخطأ والمخاطر والمضاعفات حسب نوع العملية، ونسبة كبيرة من الخطأ تعود إلى حرفية وكفاءة الجراح المختص".

ويتابع المختص: "مخاطر عمليات التجميل تكمن في المواد المستخدمة وجودتها والمواد المركبة كنوعية الفيلر والمواد المستخدمة بالحقن، والأخطر من ذلك أن عمليات التجميل هي عملية تراكمية، لا يمكن الاكتفاء بعملية واحدة، فكل مدة زمنية محددة تحتاج الفتاة المارة بعملية تجميل إلى عملية تلو أخرى، حتى إنه يتحول إلى إدمان، فمن الطبيعي أن تؤثر هذه العمليات في صحتها وأنسجتها وتركيبة خلايا بشرتها عموماً".

المصدر: TRT عربي