اختيار الزوج المناسب والعش السعيد هو ما يسعى إليه كثير من الفتيات، لكن ليس الأمر دائماً بتلك السهولة، فعملية الاختيار غالبا ما تكون معقدة.

تكون الفتاة عادة حائرة بين أحلام وردية رومانسية عششت في خيالها منذ الطفولة، تغذيها القصص والمسلسلات والصور المثالية للعشَّاق على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وتوقعات من الأسرة والمجتمع تختلف عن مشاعرها وأحلامها، وتسير الأمور دون وعي حتى تستيقظ على مفاجآت غير محببة بعد ليلة العمر ونتائج تتعامل معها مدى الحياة.

والتخطيط والتحضير للزواج يرتكز حول حفلة العمر وشهر العسل وتفاصيل كثيرة لا علاقة لها بتهيئة الفتاة للحياة الزوجية التي هي عهد بين عاقلين ناضجين مسؤولين يمتلكان الشروط الموضوعية لشراكة كاملة تقوم على التوافق في الرأي والميول وحسن التواصل والتفاهم و الاحترام والثقة، كما عبر عنها القرآن الكريم بدقة وشمولية ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (سورة البقرة: 187)،قمة الانسجام والقرب والراحة والوقاية والحماية، فاللباس يشمل كل ذلك، وهوالميثاق الغليظ تعبيرًاعن متانة العلاقة وعمقها و صلابتها وكبر المسؤولية ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء : 21)، لذلك فغياب تلك الأساسيات في الحياة الزوجية يجعل منها علاقة سطحية ومتعة آنية أو رحلة معاناة طويلة جداً.

تكون الفتاة عادة حائرة بين أحلام وردية رومانسية عششت في خيالها منذ الطفولة، تغذيها القصص والمسلسلات والصور المثالية للعشَّاق
تكون الفتاة عادة حائرة بين أحلام وردية رومانسية عششت في خيالها منذ الطفولة، تغذيها القصص والمسلسلات والصور المثالية للعشَّاق (Getty Images)

وتعاني بعض الفتيات من الحيرة وعدم الوضوح في غياب تصور واقعي عن الحياة الزوجية، وتتطلع أكثرهن للزواج من برج المثالية، وكأنه مركبة سحرية ستحملهن إلى عالم جميل يخلصهن من أعباء الحياة و همومها، وفئة قليلة جداً تدرك كنه العلاقة الزوجية وأهمية الشراكة، لكنهن في حاجة ماسة إلى إعداد لاتخاذ قرارت واعية وسليمة، إذ إن موضوع اختيار شريك الحياة أشمل بكثير من مجرد قائمة شروط للشخص المناسب.

الإشكالية الحقيقية في الأصل هي عدم الاستعداد لخوض دروب الحياة، فبالرغم من أن تهيئة الفتاة تكتسي أهمية بالغة لأنها دعامة الأسرة والحياة الزوجية، لكن لا تُعطى العناية والتهيئة اللازمة بناء على هذه المهمة الكبيرة، بل بدلاً من ذلك يجري تنشئتها معتمدة على أهلها في كل صغيرة وكبيرة، ولم يتغير الوضع كثيراً عما كان عليه في المجتمعات التقليدية، فقد كانت الفتاة تنتظر قدرها المحتوم برضى أو بكثير من الخوف والترقب و قليلاً ما يكون لها رأي في موضوع مهم، لكن ذلك تغير تماماً في ضوء المعطيات الجديدة و ثورة العلم والتكنولوجيا التي طالت توزيع المسؤوليات وبالتالي عالم الخيارات والأدوار.

اقرأ أيضاً:
فيروس العنف الأسري: تداعيات خطيرة وحلول مستديمة

وليست الإشكالية في إسهام الأهل في اختيار الزوج، فمساعدة الأهل وتعاونهم وتفاعلهم يمهد لاختيار أفضل وزواج ناجح، لكن الذي يغيب في المعادلات الأسرية هو عدم تزويد الفتيات بالمهارات الحياتية اللازمة لاتخاذ القرارات و حتى تشجيع الفتاة ليكون لها رأي، وتظل تحت مسؤولية الوالدين والإخوة حتى تتزوج، وتعامل كطفلة قليلة الخبرة، يخافون عليها من كل شيء، وقليلاً ما توكل إليها مسؤوليات ذات أهمية، وبالتالي قليلاً ما تمارس اتخاذ القرار، وحين يأتي سن اختيار شريك العمر تجد نفسها دون خبرة كافية أو ينفرد أهلها بالقرار.

ومع كل الانفتاح الثقافي والتكنولوجي ما زال الحديث عن اختيار الشريك المناسب من المواضيع الممنوعة حسب الثقافة السائدة في الفضاء الأسري، والفتاة التي تتساءل أو تتحدث في هذا الموضوع، تنعت بقلة الحياء والرغبة في الزواج، مما يجعلها تتفادى فتحه تجنباً للأحكام المسبقة، إلى أن يدق الباب خاطب أو يجري ترتيب خطبة، أو حين تقع الفتاة في حب أحدهم دون استعداد أو أدنى دراية أو تجربة، إلا قليلاً من المعلومات العامة.

الإشكالية الحقيقية في الأصل هي عدم الاستعداد لخوض دروب الحياة بمطباتها وعقباتها
الإشكالية الحقيقية في الأصل هي عدم الاستعداد لخوض دروب الحياة بمطباتها وعقباتها (Getty Images)

ومع ذلك يتوقع المجتمع من الفتاة _شريكة الحياة_ أن تكون كاملة الخصال والأوصاف، وبمجرد أن تتزوج تصبح مطالبة بالقيام بكل الأدوار دون تأهيل، فهي لم تعد للزواج و مسؤولياته ولا تمتلك ما يكفي من المهارات الحياتية الأساسية التي لا غنى عنها لأيّة امرأة في حياتها اليومية مثل التفكير النقدي والإبداعي، وفن التواصل الفعال، وإدارة الذات، وإدارة الأزمات، وإدارة المال، ومقومات اتخاذ القرار، وكانت مهارات الحياة تمرر إليها تقليدياً عن طريق نصائح الأمهات وتوجيهات الجدات، لكن لم يتغير الوضع في عصر تكنولوجيا المعلومات والخدمات الذاتية، فبعد الخطبة مباشرة تتعرض الفتاة إلى وابل من النصائح والتوجيهات التي يصعب استيعابها فضلاً عن الأخذ بها.

وهناك فجوة ثقافية بين جيلين، فالموروث الثقافي على حاله، وبعيداً عن توقعات الأسرة تشكل الفتاة لنفسها تصوراً مستقلاً عن الحياة والزواج، يتغذى من سيل جارف من المعلومات والصور الرائعة عن العلاقة الزوجية في الفضاء الافتراضي ووسائل التواصل، تروج لقصص جميلة ووردية أغلبها شكلي ومظلل، وتعرض العلاقات عرضاً مثالياً مغرياً لا علاقة له بواقع الشراكة الزوجية والمسؤوليات بعد الزواج.

اقرأ أيضاً:
الحب في زمن كورونا.. هل تصمد العلاقات خلال الحجر الصحي؟

كما يعج الفضاء الافتراضي بفئة عريضة ممن يرتزق من تجارة العلاقات ويمارس التوجيه و النصيحة بشكل واسع، فإذا سمعت له أو قرأت له أصابك الذعر من فقدان الرؤية والخبرة في الحياة والزواج معاً، ناهيك عن التكوين العلمي والتخصص، رغم ذلك يتربع كثير منهم على عرش التوجيه في مجال شديد الحساسية والخصوصية، وبالمقابل هناك خطاب ديني سردي لا يصل إلى آذان الشباب الذين تعودوا على المقاطع السريعة والمرئيات عالية الجودة .

والرسالة الأهم في أذن كل فتاة هي أنه من حق كل فتاة أن تحلم بفارسها فذلك طبيعي، لكن لحماية ذلك الحلم لا بد أن تعي أن اختيار شريك الحياة هو من ضمن جاهزيتها وامتلاكها لعوامل القوة الذاتية التي تؤهلها للتفكير السليم واتخاذ القرارات الصحيحة في كل صغيرة وكبيرة تخص حياتها، فالتفكير السليم صمام أمان وآلة متعددة النفع.

الحرص على رضا العائلة نظام دعم و أمان

من الطبيعي جداً أن يكون الشخص مناسباً، لكن يجب أن توضع العائلة في الحسبان من البداية، و لا أعني بذلك فقط موضوع الكفاءة المالية والمستوى الاجتماعي، بل التوافق العائلي من أجل بناء أسرة مرتبطة بعلاقات صحية، والتفكير يكون في إطار رضا الأهل واحترام رأيهم، والاستعانة بهم والثقة في مشورتهم، لأن كل ذلك قيمة مضافة للوصول إلى القرار السليم، والزواج ابتداء نسب بين عائلتين وبناء شبكة علاقات ممتدة، يحسب فيها حساب من هو الخال والعم والجد والجدة، ومباركة الأهل تمنح الاطمئنان والسعادة والأهم من ذلك أنه نظام دعم مدى الحياة.

الزواج ابتداءا نسب بين عائلتين وبناء شبكة علاقات ممتدة
الزواج ابتداءا نسب بين عائلتين وبناء شبكة علاقات ممتدة (Getty Images)

لا تجلسي وتضعي يدك على خدك في انتظار عريس الغفلة، ولا تبحثي عنه في كل رجل

شريك العمر ليس فارساً من كوكب آخر، هو شخص له حياة و خيارات، و هو مثلك تماماً يسير في طريقه لتحقيق أحلامه وأهدافه، ولذلك ستلتقيان في ذلك الطريق، وإلى ذلك الحين، قومي بكل ما يجب أن تقومي به، تعلّمي فن العيش، انجحي في بلوغ أهدافك، كوني نفسك لتكوني الإنسان والأم و الزوجة التي تريدين، لا تتوقفي، ولا تضيعي وقتك في انتظار عريس مثالي قد لا يظهر أبداً، فتضيع منك فرصة اللقاء مع شريك حياة حقيقي مثلك يسير في دربك ويبحث عن شريكة عمر بصفاتك، فكوني الانسانة الرائعة التي يحلم بها كل من يبحث عن شريكة الحياة، ولا تحلمي بأحد بعينه قد لا يأتي.

وارتبطي بشخص مستعد أن يعطي وتجمعك به اهتمامات و أهداف، فليس صحيحاً أن الحب أولاً و كل شيء يأتي بعده، فلا تعيش المشاعر المتأججة طويلاً وقد لا تدوم أياماً إذا لم يكن هناك توافق، وكلما اتسعت دائرة الاهتمامات كانت الحياة أسهل و أمتع، فإذا كنت من عشاق القراءة أو الكتابة أو العمل التطوعي على سبيل المثال، فستصبح ساعات متعتك عبئاً ثقيلاً على من لا يشجع على تلك الخيارات الحياتية، والحياة الحقيقية فيها الحب والمتعة لكن فيها أيضاً بذل وعمل حتى يحصل التوافق وهي مسؤوليات والتزامات في الرخاء والشدة لا تصمد أمامها الحالمات أو الضعيفات.

حسن التواصل أو فن التواصل من أهم المهارات ومقومات الحياة السعيدة

الزواج لا يسير إلا بالتواصل، والأخذ والعطاء، والاختلاف لتعلم الاتفاق، والتنافر لتعلم الانسجام، وبعض التوتر والحزن والقلق طبيعي لبلوغ أوج السعادة، والكثير من البذل ضروري حتى ينهمر العطاء من الآخر، ودفع الفشل بالمبادرة والتعاون أساسي لعبور الجسور الخطرة، ولا يمكن ذلك إلا مع شريك يمكن التواصل معه حتى يحصل الفهم والتقارب لدرجة اللباس بالجسم كما عبر عنه القرآن الكريم مبالغة في وصف القرب، إذ إنه بدون ذلك يعتري الحياة كثير من الملل والسآمة والتوتر والفشل، وما الشراكة دون تواصل فعال يؤدي إلى قمة الانسجام مع مرور الزمن؟ وبدون انسجام تمر الأيام قاسية مليئة بالحسرات والزفرات.

الزواج لا يسير إلا بالتواصل، والأخذ والعطاء، والاختلاف لتعلم الاتفاق، والتنافر لتعلم الانسجام
الزواج لا يسير إلا بالتواصل، والأخذ والعطاء، والاختلاف لتعلم الاتفاق، والتنافر لتعلم الانسجام (Getty Images)

إن التحديات المستجدة تستدعي تكويناً عميقاً للفتاة يبدأ في مرحلة الطفولة، بالإضافة إلى التوجيه المستمر للبناء الذاتي وتطوير المهارات واكتشاف القدرات الكامنة والمواهب، ومعالجة مكامن النقص والقوة واستكمالها بالقراءة وغيرها من المكملات المتاحة، فقد تغير نمط العيش جوهرياً، وسيكون من الصعب أن توكل هذه المهمة للأم لتلعب هذا الدور في حياة ابنتها دون دعم مؤسسات تربوية واجتماعية كالمدرسة والمسجد والجامعة ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الاعلام.

ونخلص إلى أن تهيئة الفتاة للزوجية من ضمن تدريبها على الحياة، فإلى جانب فن الحديث وفن الترتيب وإعداد الطعام، تتعلم الرأي والمشورة والثقة في النفس وترتيب الأولويات والإلمام بالواقع، وتحمل المسؤوليات تدرجاً في اتخاذ القرارات من الأسهل إلى الأصعب. ولا يكفي ذلك بمجموعة نصائج من أم لابنتها ليلة الزفاف، فأدوار الزوجية والأمومة مع كل المتغيرات الحالية جعلتها وظيفة تفوق صعوبة أعلى الوظائف في الدولة، و هذا يحتاج إلى الكثير من العمل لنشر الوعي الضروري عن الحياة الزوجية لدى فئة الشباب، خاصة في الفضاء الافتراضي ووسائل التواصل الاجتماعي حيث يقضي الشباب معظم أوقاته، وأن يعمل صناع المحتوى الهادف على رسم صورة حقيقية وراقية عن الحياة الزوجية والبيئة الصحية التي ينمو فيها الحب ويثمر زواجاً سعيداً.

المصدر: TRT عربي