لم تتكاتف ظروف الفقر والحصار الغاشم وحدها على اللاجئين الفلسطينيين، فحتى البحر لم يتركهم سالمين.

(السويدية)، قرية بسيطة وصغيرة تقع في مدينة رفح المحاذية للحدود المصرية، ويقطنها حوالي 2200 مواطن من اللاجئين الفلسطينيين الذين يتبعون وكالة الغوث واللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، يعمل سكانها بالزراعة فيما يقتاتون ويعتمدون على الصيد في توفير لقمة عيشهم.

بدأت مشكلة القرية مع بدء إنشاء اللسان البحري في الأراضي المصرية على بُعد كيلومتر واحد جنوبي القرية، وذلك في عام 2014، ومنذ ذلك الحين والمنطقة تشهد أزمة حقيقية تتفاقم بمرور الوقت أكثر وأكثر.

بدأت مشكلة القرية مع بدء إنشاء اللسان البحري في جنوب البحري في الأراضي المصرية على بُعد كيلومتر واحد جنوبي القرية
بدأت مشكلة القرية مع بدء إنشاء اللسان البحري في جنوب البحري في الأراضي المصرية على بُعد كيلومتر واحد جنوبي القرية (TRT Arabi)

المهندس أسامة أبونقير مدير دائرة الصحة والبيئة في بلدية رفح، يقف مليّاً عند هذه الكارثة الإنسانية التي باتت تهدد وجود القرية بأكملها، بسبب فعلية نحر الشاطئ المتسارعة، "في عام 2014 وقت إنشاء اللسان البحري المصري كانت المسافة الفاصلة بين شاطئ البحر وشارع رشيد الرئيسي الذي يحاذي ساحل البحر حوالي 66 متراً، أما الآن فقد تقلصت المسافة بشكل كبير ليندثر نصف هذا الشارع وينهار بفعل ارتداد المياه إليه في حركة المد والجذر الشديدة التي تعرفها المنطقة منذ ذلك الوقت، ويتوقع تفاقم الأزمة بشكل يهدد القرية بأكملها".

وقد حذرت سلطة جودة البيئة منذ أربع سنوات من هذه الأزمة التي تنبهت لها، إثر التغيرات التي تطرأ على الشاطئ، وتابعت بلدية رفح الكارثة التي باتت قاب قوسين أو أدنى من الحدوث، فمن المتوقع خلال أربع سنوات أخرى وربما أقل، أن تصل مياه البحر لتُغرق كل أراضي السكان وبيوتهم، وتختفي معه قرية (السويدية).

حذرت سلطة جودة البيئة منذ أربع سنوات من هذه الأزمة التي تنبهت لها، إثر التغيرات التي تطرأ على الشاطئ
حذرت سلطة جودة البيئة منذ أربع سنوات من هذه الأزمة التي تنبهت لها، إثر التغيرات التي تطرأ على الشاطئ (TRT Arabi)

خلال السنوات الماضية حاولت البلدية التواصل مع هيئات ومؤسسات دولية ووزارات ذات علاقة بالموضوع لمنع الكارثة الحقيقية التي بدأت فعليّاً في المنطقة، وبدأت بالفعل بإلحاق الأذى بالسكان من خلال تدمير البنية التحتية من شبكات مياه وكهرباء، فضلاً عن تهديد السكان بلقمة عيشهم؛ لكن لم تكن هناك أيّة استجابة حتى الآن من أيّة جهة، وحتى من (الأونروا) التي توكل إليها حياة هؤلاء اللاجئين.

لم يعد هناك مفر من البحر

لقد أدى انجراف المياه التدريجي ليس فقط إلى اندثار الشارع الرئيسي في المنطقة الملاصقة لبيوت السكان؛ بل أيضاً إلى ظهور كتل صخرية كبيرة أدت إلى صعوبة ممارسة السكان لمهنة الصيد التي يعتمدون عليها في توفير لقمة عيشهم، كما بدأت المياه تنجر بقوة مع كل منخفض تشهده المنطقة ليغرق البيوت، والعديد من المشاريع الاستثمارية القليلة في المنطقة، وأي "منخفض جديد أو اثنين ستشهده المنطقة قد يؤدي إلى غرق القرية السويدية بأكملها".

الصياد علاء الشيخ علي أحد سكان القرية السويدية يعمل هو وأبناؤه بمهنة الصيد منذ سنوات طويلة، وهي مصدر رزقهم الوحيد
الصياد علاء الشيخ علي أحد سكان القرية السويدية يعمل هو وأبناؤه بمهنة الصيد منذ سنوات طويلة، وهي مصدر رزقهم الوحيد (TRT Arabi)

الصياد علاء الشيخ علي أحد سكان القرية السويدية يعمل هو وأبناؤه بمهنة الصيد منذ سنوات طويلة، وهي مصدر رزقهم الوحيد الذي بات يهدد حياتهم.

لقد أدى المنخفض الأخير الذي شهدته فلسطين خلال الأسبوع الماضي إلى انهيارات شديدة في التربة، ما منعهم من الصيد، هذا فضلًا "عن تلك الصخور والسواتر الترابية التي ظهرت بفعل المنخفضات والريح والأجواء السيئة التي قذفت بها إلى الساحل، هذه الصخور تؤدي إلى سحق المراكب وتهشيمها، فضلاً عن الضرر الكبير الذي تلحقه بالصيادين أنفسهم وقد أصابت العديد منهم بجروح وإصابات خطيرة".

لم يعد شيء يمنع البحر عن أهالي المنطقة وبيوتها

أي منخفض سيأتي قد يحكم على القرية كلها بالإبادة، البيوت المهدمة أصلاً بفعل المنخفضات السابقة؛ لن تتحمل منخفضاً جديداً. وإن لم تتحرك الجهات المسؤولة لتوفير ألسنة بحرية قصيرة على امتداد ساحل قطاع غزة وعوائق إسمنتية لمنع نحر الشاطئ، فإنّ "منطقة القرية السويدية كلها مهددة بالخطر".

أدى المنخفض الأخير الذي شهدته فلسطين خلال الأسبوع الماضي إلى انهيارات شديدة في التربة
أدى المنخفض الأخير الذي شهدته فلسطين خلال الأسبوع الماضي إلى انهيارات شديدة في التربة (TRT Arabi)

على الرغم من الكارثة لم تلتفت أية مؤسسة حكومية أو غيرها بالمنطقة أو تراعي مصالحها إن "اسمها أصبح القرية المنسية لا القرية السويدية، فلا أحد يهتم بها أبداً، ليس هناك أي إنجاز جرى في هذه المنطقة منذ بدأت مشكلة نحر الشاطئ في عام 2014". إنّ بلدية المنطقة تحاول قدر استطاعتها لكن كل كفاءاتها ومقدراتها لا تفي بالغرض ولا تمنع الكارثة.

إن مشكلة القرية تحتاج إلى تكاتف جهات دولية، وإنفاق ملايين الدولارات، من خلال إنشاء ألسنة بحرية على امتداد ساحل قطاع غزة، فالمشكلة لن تتوقف عند حدود القرية السويدية، بل إنها تهدد كل القطاع، فمع إهمال هذه الكارثة تتوقع الجهات المعنية أنه وخلال السنوات العشر المقبلة لن يكون هناك أي ساحل يمنع البحر عن السكان.

المصدر: TRT عربي