منذ تصاعد الدور التركي في مساندة حكومة الوفاق الشرعية في ليبيا على الأرض في مواجهة قوات حفتر والجهات الداعمة له، لم تغفل تركيا العمل الدبلوماسي مع كل الأطراف، وخاصة القريبة من ليبيا مثل الجزائر وتونس وغيرها.

ولكن كانت هناك عاصمة، تعتبر أصغر عواصم الاتحاد الأوروبي مساحة، أقرب إلى طرابلس من تونس والجزائر، وهي فاليتا عاصمة مالطا التي أبدت حكومتها مواقف مختلفة نسبياً عن بقية دول الاتحاد الأوروبي الأخرى، وقد كان التفاعل الدبلوماسي والتوافق بين تركيا ومالطا مؤخراً لافتاً بشكل كبير تحديداً في الشأن الليبي.

وقد بدأت العلاقات بين مالطا وتركيا رسمياً في عام 1967، وقد افتتحت تركيا سفارة لها في العاصمة المالطية فاليتا، في أكتوبر/تشرين الأول 2009، مع العلم أن فاليتا تعتبر من أصغر العواصم في العالم إذ تبلغ مساحتها أقل من كيلومتر مربع واحد.

وفي ذلك الوقت كانت تركيا حريصة من جهة على حشد كل أنواع الدعم لملف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وكانت مالطا من الدول الداعمة لتركيا في هذا السياق. ومن جهة أخرى كانت معنية بتوسيع آفاقها الاقتصادية إذ أنشأ البلدان روابط تجارية، وأسسا بعض المؤسسات الداعمة للعلاقات المتبادلة مثل مجلس الأعمال التركي المالطي بهدف زيادة التعاون والوصول إلى تجارة سنوية بحجم مليار دولار.

وفي عام 2017 كان البلدان يواجهان تحدياً مشتركاً هو ملف الهجرة واستقبال اللاجئين، إذ كانت تركيا تستقبل لاجئين من مناطق الصراع في سوريا وأفغانستان وغيرها. في حين كانت مالطا محطة للاجئين القادمين من إفريقيا وتحديداً عبر ليبيا التي تشهد منذ 2011 حالة من عدم الاستقرار.

وقد وافق عام 2017 أيضاً تولي مالطا رئاسة دورة الاتحاد الأوروبي والذكرى الـ50 لإنشاء العلاقة مع تركيا، وفي هذا السياق قام رئيس الوزراء التركي آنذاك بينالي يلدرم بزيارة إلى مالطا شارك فيها في منتدى الأعمال، وناقش التعاون مع مالطا في عدة ملفات منها أزمة المهاجرين وسبل تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، وقد كانت هذه أول زيارة لرئيس وزراء تركي إلى مالطا.

ويمكن القول هنا إن هذه الزيارة كانت مهمة على صعيد العلاقات بين البلدين من حيث المستوى، ولكنها كانت بداية لتفعيل الحوار حول ملف اللجوء، ومحطة مهمة في زيادة التعاون في المجال التجاري، إذ يأتي المستثمرون الأتراك في المرتبة الثانية بين المستثمرين الأجانب بمالطا. ومقابل هذا أعلنت مالطا عن استمرارها في دعم ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي.

اقرأ أيضا:
الاتفاق التركي الليبي يصب في صالح مصر.. والإمارات عنصر مخرّب

بالرغم من التركيز السابق على العلاقات الاقتصادية، كان هناك تطور أيضاً، منذ بداية عام 2019، في العلاقات السياسية بين البلدين، إذ أعربت مالطا التي كانت تعاني من أزمة المهاجرين عن تقديرها لدور تركيا في استقرار المنطقة وخاصة في ليبيا واستضافة اللاجئين.

وقد توج هذا التقارب في بداية عام 2019 بقيام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بتوجيه دعوة رسمية لرئيسة مالطا ماري لويز كوليرو بريكا لزيارة تركيا، وكانت هذه الزيارة مهمة أيضاً من حيث المستوى لأنها كانت أول زيارة على مستوى رئاسة الجمهورية المالطية، إضافة إلى أنها كانت على هامش مجلس الأعمال التركي المالطي.

وقد ثمّنت الرئيسة المالطية جهود تركيا لإقامة الحوار في المنطقة، قائلة إن أنقرة "تسعى جاهدة لأداء دور محفز للسلام والأمن في المنطقة". وأشارت إلى استقبال تركيا ملايين اللاجئين والمهاجرين.

وهنا يمكن القول إن العلاقات أخذت بعد هذه الزيارة بعداً أكثر استراتيجية، خاصة عندما تم بحث التعاون بين تركيا ومالطا في قطاعي الأمن والدفاع، وذلك بعد أن حققت تركيا قفزات كبيرة في مجال الصناعات الدفاعية.

وقد لفت فؤاد أُقطاي نائب الرئيس التركي الأنظار إلى هذا الأمر عندما أكد خلال كلمته في مجلس الأعمال إمكانية تحقيق تعاون استراتيجي بين تركيا ومالطا. وعلى الهامش حفزت أنقرة مالطا لدعم تحديث الاتفاق الجمركي بين تركيا والاتحاد الأوروبي، الذي سيتيح بدوره للشركات المالطية الوصول إلى منتجات أكثر في السوق التركية بأسعار أنسب.

مع التقدم التركي في الدفاع عن حكومة الوفاق وقلب نتيجة المعركة من حصار حفتر لطرابلس إلى استعدادات حكومة الوفاق للسيطرة على سرت، لوحظ تطور إيجابي في نظرة مالطا لأنقرة، إذ تعتبر مالطا حكومة الوفاق أكثر ضماناً لاستقرار ليبيا، وبالتالي كان هناك ضرورة في مالطا لدعم جهود تركيا، ولهذا لم يكن الحوار واللقاءات بين مسؤولي البلدين مستغرباً، خاصة أن مالطا كانت تشتكي منذ مدة من عدم كفاية الدعم الأوروبي لها في مواجهة أعداد اللاجئين المتزايدة.

وقد كانت هذه النقطة سبباً في إيقاف مالطا دعمها عملية إيريني الأوروبية لمراقبة حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، التي رأت فيها الحكومة المالطية ترسيخاً للنفاق الأوروبي من خلال مراقبة الطرف الشرعي وغض النظر عن السلاح المتوجه للمليشيات براً وجواً، وقد كانت فرنسا بالتحديد تستهدف تركيا عبر عملية إيريني التي كانت تغض الطرف عن الداعمين الآخرين لحفتر مثل فرنسا والإمارات وروسيا.

من زاوية أخرى كانت المواقف الأوروبية غير الموحدة مقلقة لمالطا، كما أن الأنانية والتخبط اللذين أظهرتهما دول الاتحاد خلال أزمة كورونا كانا حاضرين في حسابات الحكومة المالطية. فضلاً عن استياء مالطا من كل الدول التي تساهم في عدم الاستقرار في ليبيا.

تزايدت كثافة التواصل الدبلوماسي بين أنقرة وفاليتا، وكان وزير الخارجية التركي في يناير/كانون الثاني 2020 أول المهنئين لوزير الخارجية المالطي الجديد ايفاريست بارتولو بتوليه منصبه. كما تزايد التواصل الهاتفي بين وزيري خارجية البلدين خاصة منذ مايو/أيار 2020 إلى الآن بمعدل أكثر من مرتين شهرياً على الأقل.

وخلال الشهر الماضيأكد وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو، أن تركيا ومالطا تتشاطران الرأي حيال القضايا الإقليمية بما فيها الوضع في ليبيا. وأخيراً كانت الزيارة المشتركة بين وزيري الخارجية لطرابلس ولقاؤهما برئيس حكومة الوفاق بشكل مشترك رسالة واضحة على التقارب.

وفيما وراء البعد الدبلوماسي الذي يمثله وزراء الخارجية كان هناك مؤشرات على التحرك عبر البعد الاستراتيجي، ويمكن القول إن زيارة وزير الدفاع التركي خلوصي أقار لمالطا في 4 يوليو/تموز 2020 كانت مهمة في هذا السياق. كما أن اجتماعاً عقد في أنقرة في مقر وزارة الدفاع بعد الزيارة المذكورة بأسبوعين تقريباً، وحضره كل من وزير الداخلية الليبي والمالطي.وأعرب أقار عن شكره لمالطا جراء موقفها البناء والحازم بخصوص الحل السياسي في ليبيا.ويظهر هذا الأمر جانباً من التزام مالطا باستقرار ليبيا.

وتريد مالطا لتجنب أزمة اللاجئين أن تساهم في توفير الاستقرار في ليبيا، عبر دعم حكومة الوفاق، وقد شجعت علاقاتها المتحسنة مع تركيا زيادة تعاونها مع حكومة الوفاق، ووقّع البلدان في نهاية مايو/أيار 2020 مذكرة تفاهم في مجال مكافحة الهجرة غير النظامية وتعزيز العلاقات بين البلدين، كما اتفق الطرفان الليبي والمالطي على تنسيق الجهود بينهما لمكافحة "كورونا"، ومعالجة تداعياته. وقد أعلن رئيس وزراء مالطا روبرت أبيلا الذي تولى منصبه بداية 2020 عن دعم مالطا للحكومة الليبية، وجدد الإعراب عن رفض بلاده العدوان على طرابلس. فضلاً عن قيام مالطا بمحاكمة بعض الأشخاص المتورطين بعلاقة مع الإمارات في إجلاء مرتزقة ليبيين عبر زوارق مالطية، كما دفع الحادث إلى التحقيق مع نفس الأشخاص المتعاقدين مع شركة إماراتية في عمليات غسل أموال في مالطا، وذلك بحسب وكالة الأناضول.

اقرأ أيضاً:
بعد سلسلة من الهزائم المدوّية.. كيف تمكّنت تركيا من تفكيك تحالف دعم حفتر؟

تريد تركيا من خلال تعاونها مع مالطا إبراز انفتاحها على التعاون مع الجميع شرق المتوسط، حتى مع أصغر بلد في الاتحاد الأوروبي. والاستفادة من وجود أطراف أكثر تدعم حكومة الوفاق في ظل وجود أطراف عدة تدعم جبهة حفتر. كما أن العلاقة الجيدة مع مالطا إضافة إلى وجودها في قبرص يزيدان من حضور أنقرة في شرق المتوسط، ويجعلان أعينها مفتوحة على كل الفرص الجيوسياسية فيه.

تدرك تركيا أهمية استقرار ليبيا بالنسبة إلى مالطا وإيطاليا وتحديداً إلى مالطا لصغر حجمها وكثافتها السكانية العالية، وقد أوضح وزير الخارجية التركي:"استقرار ليبيا أمر مهم للغاية بالنسبة إلى مالطا، حتى بالنسبة إلى إيطاليا، وإلى البلدان في شمال البحر الأبيض المتوسط​​، وجنوب أوروبا، وإن أي تطور سلبي في ليبيا له تأثير كبير على مالطا، لهذا السبب نتفهم مخاوف مالطا، وخاصة بخصوص الهجرة غير النظامية والإرهاب".

وبالتالي فإن مصلحة البلدين في استقرار ليبيا وترك أوروبا لمالطا تواجه أزمة الهجرة منفردة، والتي استعدت تركيا لمساعدتها في مواجهتها، جعلت البلدين يعملان معاً لتحقيق الاستقرار في ليبيا، ومن المتوقع أن تتوسع مجالات التعاون، وكلما زاد الانقسام السياسي في أوروبا فسوف تكون مالطا أكثر قرباً من تركيا وشجاعة في دعم حكومة الوفاق، وقد يفتح هذا آفاقاً أكبر للتعاون في المجال الأمني والدفاعي والاقتصادي.

المصدر: TRT عربي