كشف مسؤولون مصريون أنَّ الاتفاق التركي-الليبي سيعود على القاهرة بمنافع أكثر من الاتفاق المطروح مع اليونان.

أدلى مسؤول مصري، الأسبوع الماضي، بتصريح مثير لموقع مدى مصر -وهو منصة إعلامية مقرها القاهرة- قال فيه إنَّ "وزارة الخارجية وجهاز المخابرات العامة المصرية يضغطان على الرئيس المصري لقبول الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا في هدوء، إذ سيمنح القاهرة امتيازاً بحرياً ضخماً في المفاوضات البحرية المتعثرة (مع اليونان)".

لكن الرئاسة المصرية رفضت توصياتهما.

ويؤكد التصريح معلومات سابقة عن خلافات داخل المؤسسات المصرية حول طريقة التعامل مع قضية المفاوضات مع اليونان؛ إذ يؤيد الخبراء المصريون اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس؛ لأنه يخدم مصلحة الدولة المصرية، في حين تؤيد الرئاسة مواصلة المفاوضات مع اليونان.

وفي العام الماضي، سُرِبَت إلى وسائل الإعلام ما يُزعَم أنها وثائق رسمية عدة خاصة بعملية المفاوضات بين مصر واليونان. وأشارت إحدى وثائق الخبراء إلى أنَّ الفريق اليوناني "يفتقر إلى المصداقية ويلجأ إلى أساليب ملتوية" في المفاوضات.

ووفقاً للوثيقة، استمرت اليونان في تقديم "مزاعم زائفة ومغالطات، واستغلت التفاهم السياسي بين الحكومتين لإحراج الفريق القانوني المصري الذي يتولى التفاوض".

وتكشف وثيقة أخرى من وزير الخارجية المصري سامح شكري للرئيس عبد الفتاح السيسي خلافات بين القاهرة وأثينا حول المبدأ المناسب لترسيم الحدود البحرية. وتشير بوضوح إلى أنَّ الموقف اليوناني سيؤدي إلى خسارة نحو 10000 كيلومتر مربع من حصة مصر، وهي مساحة تعادل تقريباً حجم بلد مثل لبنان.

لكن جاءت الاتفاقية البحرية المفاجئة بين تركيا وليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 لتغيير أوراق اللعبة في منطقة شرق المتوسط، وتزود مصر بوسيلة ضغط ضد سلوك اليونان المتشدد.

جاءت الاتفاقية البحرية المفاجئة بين تركيا وليبيا في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 لتغيير أوراق اللعبة في منطقة شرق المتوسط وتزود مصر بوسيلة ضغط ضد سلوك اليونان المتشدد.

وتنعكس هذه الحقيقة في تصريحات القاهرة الأولية المتضاربة عن هذه الاتفاقية.

وعلى الرغم من إدانة الحكومتين المصرية واليونانية السريعة للاتفاقية البحرية التركية-الليبية، استخدمت القاهرة ذريعة مختلفة عن أثينا لاستهداف حكومة الوفاق الوطني الليبية بدلاً من مضمون الاتفاقية نفسها.

وخلال مشاركة وزير الخارجية المصري سامح شكري، في مؤتمر روما في ديسمبر/كانون الأول 2019، أثار الدهشة عندما اعترف ضمنياً بأنَّ اتفاق ترسيم الحدود البحرية يصب في صالح القاهرة، مؤكداً أنَّ الاتفاقية المذكورة أعلاه "لا تمس مصالح مصر" في شرق البحر المتوسط.

حين تتواءم المصالح

الآن بعد أن صار اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا حقيقة، تقف مصر أمام خيارين: الأول، هو الوصول لاتفاق مع تركيا وليبيا يمنحها مساحة بحرية هائلة، والثاني اتفاق مع اليونان يسحب تلك المساحة ومناطق أخرى محتملة من حصة مصر.

وفي هذا السياق، عَمِلَت تركيا في صمت خلال الأشهر القليلة الماضية لاستمالة مصر على أساس المصالح المشتركة للدولتين في شرق البحر المتوسط ​​وليبيا. وكانت رسالة أنقرة بسيطة: التعاون مع تركيا في تلك المنطقة يصب في مصلحة القاهرة.

وكان المتحدث باسم الرئيس التركي، إبراهيم كالن، قال في مؤتمر صحفي عقده في ديسمبر/كانون الثاني 2019، إنهم تلقوا معلومات من مصادر مختلفة، بما في ذلك قنوات رسمية، تفيد بأنَّ مصر "سعيدة للغاية" بالاتفاقية البحرية بين تركيا وليبيا.

وعلى الرغم من التوترات السياسية بين البلدين، فإنَّ العلاقات الاقتصادية واعدة. فمصر هي أكبر شريك تجاري لتركيا في إفريقيا حالياً. ووفقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، صعدت تركيا في الأشهر التسعة الأولى من عام 2019 لتصبح رابع أكبر دولة مستوردة من مصر بقيمة 1.2 مليار دولار.

بتفويض من الرئيس رجب طيب أردوغان، أُجرِيَت اتصالات مختلفة مع مصر في الماضي لكن الوضع في ليبيا أدى إلى تقويضها قليلاً.

مولود جاوش أوغلو، وزير الخارجية التركي

وفي عام 2018، ارتفع حجم التجارة بين الدولتين بنسبة 20% مسجلاً رقماً قياسياً يُقدَّر بـ5.246 مليار دولار، مقارنة بـ4.358 مليار دولار في 2017.

وتعتبر تركيا أكبر مستهلك للطاقة في المنطقة بفاتورة طاقة سنوية تتجاوز 41 مليار دولار. وفي حين أنَّ هذا الرقم قد يمثل عبئاً على الدولة، لكن يمكن استخدامه أيضاً وسيلة ضغط في علاقات تركيا مع البلدان الأخرى التي تسعى إلى تصدير المزيد من الغاز أو النفط إليها.

ومن هذا المنطلق، تعكس الأرقام المتعلقة بواردات تركيا من الغاز مؤخراً تغيراً في الاتجاهات التقليدية لسياسة استيراد أنقرة. فوفقاً للأرقام الصادرة حديثاً عن هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية، ارتفعت واردات أنقرة من الغاز الطبيعي المسال من مصر في مارس/آذار الماضي بنسبة 100% تقريباً، مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي من صفر متر مكعب إلى ما يقرب من 93 مليون متر مكعب.

من الواضح إذن أنَّ مقصد أنقرة هو أنَّ نهجها في النظر إلى المسألة قائم على المصلحة بدلاً من آخر إيديولوجي وهو أمر سيعود بالنفع على كلٍّ من تركيا ومصر في ليبيا وشرق البحر المتوسط.

منذ أيام قليلة مضت، كشف وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو أنه "بتفويض من الرئيس رجب طيب أردوغان، أُجرِيَت اتصالات مختلفة مع مصر في الماضي، لكن الوضع في ليبيا أدى إلى تقويضها قليلاً".

توفر ليبيا كدولة آمنة ومستقرة سياسياً فرصاً اقتصادية هائلة لكلٍّ من تركيا ومصر. إضافة إلى ذلك، يمنح الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا، مصر زيادةً هائلة في منطقتها الاقتصادية الخالصة التي يمكن أن تعادل -وفقاً لبعض التقديرات- "حجم مساحة صربيا". وهذا يساوي أكثر من 25 ضعف حجم القاهرة.

حرق الأحداث

لكن إذا كان الأمر كذلك، فلماذا قد ترفض الرئاسة المصرية توصيات وزير الخارجية وجهاز المخابرات العامة بقبول الاتفاقية البحرية التركية-الليبية التي ستفيد مصر؟

يمكن أن يساعد سببان رئيسيان في تفسير هذا اللغز. أولاً، على الرغم من حملة القمع الصارمة ضد المعارضة والأحزاب السياسية الأخرى في البلاد منذ أكثر من 7 سنوات، لا تزال الحكومة المصرية هشة للغاية. وفي ظل غياب الشرعية داخلياً، تشعر الحكومة بأنها بحاجة إلى تعويض ذلك عن طريق تقديم تنازلات مستمرة للغرب (وفي هذه الحالة اليونان/أوروبا، وإسرائيل/الولايات المتحدة).

يخشى العديد من المصريين أن ينتهي الأمر بتخلي السيسي عن حقوق مصر ومصالحها في البحر المتوسط لصالح اليونان بدلاً من تأمينها من خلال اتفاقية مع تركيا وليبيا.

أما السبب الثاني فيرتبط في الغالب بالتأثير العميق لدولتي الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية على الحكومة المصرية. إذ يدين الرئيس المصري فعلياً بوصوله إلى السلطة والاستمرار فيها إلى أبو ظبي والرياض.

في السنوات الثماني الماضية، دعمت دول مجلس التعاون الخليجي القاهرة بأكثر من 92 مليار دولار. وجاء الغالبية العظمى من هذه الأموال من هاتين العاصمتين في أعقاب الانقلاب الذي قاده السيسي ضد أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ مصر، محمد مرسي.

ويخشى العديد من المصريين أن ينتهي الأمر بتخلي السيسي عن حقوق مصر ومصالحها في البحر المتوسط لصالح اليونان بدلاً من تأمينها من خلال اتفاقية مع تركيا وليبيا. ويشيرون إلى حادثة مماثلة عندما قرر السيسي التنازل للسعودية عن جزءٍ من الأراضي المصرية المتمثل في جزيرتين إستراتيجيتين في البحر الأحمر؛ هما تيران وصنافير، في عام 2016.

وفي الآونة الأخيرة، كان هناك عدة تقارير عن خلافات نشبت بين القاهرة وأبوظبي حول أفضل السبل لتمكين حفتر. وأصرت الإمارات على تسوية عسكرية من خلال الاستيلاء على العاصمة الليبية طرابلس، والإطاحة بحكومة الوفاق الوطني التي تعترف بها الأمم المتحدة.

وكان على القاهرة أن توافق في النهاية نظراً لأنَّ أبو ظبي هي الداعم المالي والعسكري الأساسي لحفتر. ومع ذلك، جاءت خطة الإمارات الخبيثة بنتائج عكسية وانتهت إلى تمكين تركيا وروسيا في ليبيا وتقليل دور مصر إلى مجرد مراقب.

تظل تركيا منفتحة أمام فرص مناقشة المصلحة المشتركة مع مصر في ليبيا وشرق البحر المتوسط​، لكن الفكرة نفسها مخيفة للغاية لأبو ظبي والعديد من عواصم المنطقة. ويعد هذا أحد الأسباب التي تجعلنا نشهد المزيد والمزيد من الأصوات الإماراتية التي تحرض القاهرة على الدخول في مواجهة عسكرية مع تركيا في ليبيا.

وإجمالاً، في الوقت الذي تعمل فيه تركيا على استمالة مصر بناءً على المصالح المشتركة في شرق البحر المتوسط ​​وليبيا، تمارس الإمارات ضغطاً على السيسي للعمل ضد مصالح مصر الخاصة.

وتشير حسابات المصلحة الخالصة صراحةً إلى أنَّ القاهرة ستستفيد من التحالف مع أنقرة، في حين أنها ستخسر إذا أرادت اتباع المواجهة الأيديولوجية بقيادة الإمارات ضد تركيا.

المقال مترجم عن TRT World

المصدر: TRT عربي