بعد أن اطمأنّ المجلس العسكري السوداني على الدعم الخارجي المُقدم له خصوصاً من محور السعودي-الإمارات-مصر حتى بدأ في حملة التعامل مع الاعتصام باستخدام السلاح، ساعياً إلى فرض رؤيته بالقوة.

مضى ما يقارب الشهرين على خلع الرئيس السوداني السابق عمر البشير في11 أبريل/نيسان على يد الجيش السوداني من جهة والمحتجون المدنيون. إلا أن المشهد السوداني يبدو إنه لا يزال يقف في ذات اللحظة التاريخية التي سبقت 11 أبريل/نيسان 2019م، وكأن البشير لم يذهب وكأن النظام لم يتغير.

رغم التقدم النسبي في المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير إلا أن الخلاف حول رئاسة مجلس السيادة الانتقالي، ولمن تكون الغلبة العددية، قد دفع الحالة السياسية في السودان إلى حافة الهاوية، وفتح الباب واسعاً أمام كافة السيناريوهات. كما دفع طرفي التفاوض إلى البحث عن مصادر القوى سواء في الداخل السوداني، أو الخارجي الإقليمي والدولي.

من جانبها، فزعت قوى الحرية والتغيير إلى الشارع السوداني، ودعته إلى اضراب عن العمل ليومي 28 و29 مايو/أيار المنصرم، بجانب تواصل اتصالاتها بالسفارات العربية الأجنبية في الخرطوم.

ربما تكون إجازة عيد الفطر المقبلة التي تخلو فيها العاصمة السودانية الخرطوم من الازدحام لعودة السكان إلى الإقاليم هي الوقت الأنسب لفض الاعتصام بقوة.

وليد الطيب

في المقابل بدأت قيادات المجلس العسكري في جولات من الزيارات الخارجية، وهنا يظهر تنازع حول رؤية أطراف النزاع حول مصدر الشرعية، هل هو من الداخل أم الخارج؟ هل من الشعب السوداني أم الرضا الإقليمي؟ هل عبر فترة انتقالية طويلة بقيادة حكومة مدنية تعقبها انتخابات عامة أم من خلال انتخابات في وقت قريب تحت انفراد المجلس العسكري بالسلطة، وإدارة ظهره لأي اتفاق مع القوى المدنية؟

خريطة زيارات المجلس

ما أن أعلن المجلس العسكري تغيير النظام وخلع البشير، سرعان ما وصل في17أبريل/نيسان وفد سعودي إماراتي مشترك، وأحيطت زيارته وشخوصه بسرية تامة.

ثم وصل الخرطوم في مايو/أيار 2019م وفداً سعودياً بقيادة نائب وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان التقى أعضاء المجلس العسكري سراً دون أن يتم الاعلان عن أية تفاصيل تتعلق بالزيارة.

ذهب المراقبون إلى أن هدف الزيارات هو تأمين استمرار مشاركة القوات السودانية ضمن قوات التحالف السعودي الإماراتي في حرب اليمن، ويستدلون بالزيارة التي قام بها نائب رئيس المجلس العسكري السوداني الفريق أول محمد حمدان حميدتي قائد قوات الدعم السريع إلى السعودية، ولقائه بولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وتأكيده على استمرار مشاركة القوات السودانية في حرب اليمن. وتمت قراءة زيارة القاهرة التي قام بها رئيس المجلس العسكري الفريق أول عبدالفتاح البرهان لمسعى مصري لتطويق الديمقراطية والإسلام السياسي في السودان.

قوات من الدعم السريع قد بدأت في تلقي جرعات مكثفة على الفنون القتالية الخاصة بإحتواء الشغب وفض المظاهرات.

وليد الطيب

كما كشف السودانيون في وسائل التواصل الاجتماعي عن زيارة سرية أخرى لمهندس الثورات المضادة محمد دحلان القيادي السابق في حركة فتح الفلسطينية والذي يعمل حالياً مستشاراً أمنياً لدى ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد إلى الخرطوم.

في 22 مايو/أيار نشرت مجلة فورين بوليسي الأميركية تقريرا لها حمل عنوان "الثورة المضادة بدأت في السودان"، قال كتابه جستن لينش نقلا دبلوماسببن غربيين إن هناك ثلاث دول عربية تؤيد السلطة العسكرية، لكن بدوافع مختلفة، إن السعودية ودولة الإمارات تؤيدان المجلس العسكري لحماية مصالحهما، مشيرا إلى القوات السودانية التي تقاتل في اليمن، وأنها تدفع المجلس العسكري بقوة إلى السيطرة على السلطة والمحافظة عليها. بينما تسعى مصر لإعاقة الانتقال الديمقراطي في السودان ومحاصرة الإسلام السياسي.

الوقائع على الأرض كلها تشير إلى تحول كبير في مسار المجلس العسكري. ففي مؤتمره الصحفي في 30 مايو/أيار أعلن المجلس العسكري أن الاعتصام أمام قيادة الجيش قد أصبح مهددا للأمن مما يشير إلى نيتهم التخلص من وجود الاعتصام، وأن هذا التخلص سيتم بالقوة وليس عن طريق معالجة سبب وجوده ومبرر استمراره وهو تسليم السلطة للمدنيين.

السيناريو المتوقع هو فض للاعتصام بالقوة في مطلع يونيو/حزيران بالتزامن مع إجازة عيد الفطر وإعلان عن قيام انتخابات عامة في ديسمبر 2019م أو يناير 2020م، لاحتواء المشاعر الشعبية السلبية لعملية فض الاعتصام.

وليد الطيب

وقد سرت شائعات في الخرطوم إن قوات من الدعم السريع –وهي مليشيا قبلية ألحقت مؤخرا بالجيش السوداني- قد بدأت في تلقي جرعات مكثفة على الفنون القتالية الخاصة بإحتواء الشغب وفض المظاهرات، وربما تكون إجازة عيد الفطر المقبلة التي تخلو فيها العاصمة السودانية الخرطوم من الازدحام لعودة السكان إلى الإقاليم هي الوقت الأنسب لفض الاعتصام بقوة.

فض الاعتصام وإعلان الانتخابات

أعلن المجلس العسكري أكثر من مرة على لسان الناطق الرسمي الفريق شمس الدين كباشي أن المجلس قد يلجأ إلى عقد انتخابات عامة خلال ستة شهور لتسليم السلطة لحكومة منتخبة شعبيا، وهنا يمكن قراءة السيناريو المتوقع على هذا النحو: فض للاعتصام بالقوة في مطلع يونيو/حزيران بالتزامن مع إجازة عيد الفطر وإعلان عن قيام انتخابات عامة في ديسمبر 2019م أو يناير 2020م، لاحتواء المشاعر الشعبية السلبية لعملية فض الاعتصام.

ويعلم المجلس أن الأحزاب الصغيرة والنشطة في قوى الحرية والتغيير كالحزب الشيوعي وأحزاب البعث والحزب الناصري وحزب المؤتمر السوداني لا ترغب في خوض انتخابات في ظل الأوضاع الراهنة مما يستدعي مقاطعتها للانتخابات والشروع في حملة مناهضة شعبية للانتخابات والمجلس العسكري.

وقد نبه القيادي بحزب البعث وقوى الحرية والتغيير وجدي صالح في مؤتمر صحفي في27 مايو/أيار بالقول أنهم "لن يقبلوا بأي انتخابات يجريها المجلس العسكري، الواقع الآن لا يسمح بقيام انتخابات حرة ونزيهة لأن الواقع لم يتغير، ولو كنا نقبل بأي انتخابات لقبلنا بانتخابات 2020 التي كان يدعو لها النظام المخلوع، نوافق فقط على قيام انتخابات بعد توفير البيئة المناسبة في نهاية الفترة الانتقالية والاتفاق على قانون انتخابات شفاف".

بعد نجاح الاضراب العام الذي دعت له قوى الحرية والتغيير في يومي 28 و 29 مايو بنسبة 90% في القطاعين العام والخاص، لم يعد الاعتصام أمام القيادة العامة وسيلة الضغط الوحيد أمام القوى السياسية المدنية، فهل يقوى المجلس العسكري على الصمود لو تطورت الاضراب العام إلى عصيان مدني مفتوح؟

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.

المصدر: TRT عربي