بملامح جامدة وصارمة تلقَّى "الإرهابي" اليميني برينتون تارانت، الذي ارتكب مجزرة المسجدين بمدينة كرايستشيرش النيوزيلندية، الحكم عليه بالسجن المؤبد، مع رفض المحكمة إطلاق سراحه المشروط.

أتى الحكم بالمؤبد على إرهابي نيوزيلاندا، الذي يُعتبر الأشد قسوة في تاريخ القضاء النيوزيلندي بعد اعترافه بجريمته من دون أن يبدي أي إحساس بالندم أو الحزن على ضحاياه الأبرياء، الذين اغتيلوا غدراً بجريرة وحيدة وهي اختلافهم معه في الدين.

ووفقاً لما نقلته تقارير إعلامية، فإن تارانت لم يبد اعتراضاً على طلب الادعاء العام الموجه إلى المحكمة بإدانته ومعاقبته بالسجن المؤبد من دون إفراج مشروط، وقد بدت عليه علامات عدم الاكتراث بما ظل يسمعه، خلال الجلسات الثلاث التي خصصتها المحكمة للاستماع إلى 90 شخصاً من ذوي الضحايا والناجين والناجيات من المجزرة.

القاضي الذي حكم في القضية أمضى ما يقارب ساعة من الزمن يذكِّر تارانت بضحاياه الـ51، والـ40 شخصاً الذين حاول قتلهم، من دون أن يتلقى تفاعلاً من هذا الأخير الذي كان ينظر بتحدٍّ إلى كل الموجودين في القاعة، ليخلص القاضي في النهاية إلى أن القاتل على الرغم من اعترافه بالذنب لم يبدُ تائباً ولا خجلاً مما فعله، وهو ما يستحق عليه عقوبة السجن المؤبد.

ويثير رد فعل تارانت خلال الاستماع إلى عائلات الضحايا والناجين من المجزرة، وما جاء في البيان الذي نشره إبان تنفيذه العمل الإرهابي الذي يفيد بأنه يتمنى لو كان قادراً على قتل عددٍ أكبر من "الغزاة"، وهي الفكرة التي يبدو أنه لا يزال مؤمناً بها ولم تتغير بعد سماع ألم العائلات ومشاهدته، (يثير) عدداً من التساؤلات حول الدوافع النفسية التي جعلته يقدم على هذا العمل الإرهابي واستمراره في كره المسلمين والعرب والاستعداد لإبادتهم من خارطة الغرب لو أتيحت له الفرصة مرة أخرى.

شخصية مضطربة

تفسر الأخصائية النفسية فداء محمود أبو الخير رد فعل الإرهابي الأسترالي، بكونه حالة من "الاضطراب المضاد للمجتمع"، هذا الاضطراب -توضح أبو الخير-يتميز بأذى الآخرين والمجتمع باستخدام التعذيب، من دون أن يشعر بأي إحساس بالندم، بل على العكس يكون مستمتعاً وهو يقتل ويعذب ويتسبب في الأذى للغير، وغالباً يعيش خارج القانون والأعراف.

اقرأ أيضاً:
الإرهاب الأبيض.. حالات منفردة أم ظاهرة متعمدة؟

وأضافت الأخصائية النفسية في تصريح لـTRT أن هذه الحالة كانت تسمى في السابق بـ"السيكوباتية"، مشيرة إلى أن "الأشخاص الذين يعانون من هذا الاضطراب يعتبرون من أصعب المرضى الذين يمكن أن يتعامل معهم أخصائي وطبيب نفسي"، وزادت بأنه "في الغالب لا يوجد علاج جذري لمثل هذه الحالات على الرغم من المزج بين العلاج الدوائي والعلاج النفسي".

يثير رد فعل تارانت عدداً من التساؤلات حول الدوافع النفسية التي جعلته يقدم على هذا العمل الإرهابي واستمراره في كره المسلمين
يثير رد فعل تارانت عدداً من التساؤلات حول الدوافع النفسية التي جعلته يقدم على هذا العمل الإرهابي واستمراره في كره المسلمين (Reuters)

وتعتبر أبو الخير أن الحالات التي تشبه حالة منفذ جريمة نيوزيلندا يكون لها تاريخ سلوكي واضح منذ الطفولة وأثناء المراهقة مبني على التشدد والتطرف والعنف والعنصرية.

بدوره، اعتبر فيصل طاهري وهو أخصائي نفسي إكلينيكي ومعالج نفسي، أن شخصية اليميني المتطرف "سيكوباتية" غير اجتماعية وعدائية ولا تحب الآخر، لكنه بالمقابل يؤكد أن الشخصية "السيكوباتية" لا تؤثر على قدرات الإنسان العقلية، موضحاً أن العمل الإرهابي الذي نفذه تارانت حدث وهو في كامل وعيه، ولا يمكن اعتباره مريضاً نفسياً أو معاقاً عقلياً.

نفس الرأي أدلى به لـTRT علي بلدو استشاري الطب النفسي، إذ اعتبر أن شخصية منفذ مجزرة مسجدي نيوزيلندا، شخصية مريضة ومضطربة، إذ يتمظهر ذلك من خلال "قناعاته الراسخة والمتجذرة والقوية وغير القابلة للنقاش من الطرف الآخر"، يقول بلدو.

أفكار متطرفة

بالإضافة إلى الاضطراب النفسي، يعتبر طاهري في حديثه لـTRT عربي، أن الأعمال الإرهابية عبر العالم بمختلف الأيديولوجيات تجري عبر انتقال الفكر المبني على الكره والعنصرية والتطرف إلى الفعل، إذ إن الإرهابي النيوزيلندي سبق أن تحدث عن وجود أشخاص تأثر بهم من اليمين المتطرف من داخل نيوزيلندا وخارجها، مضيفاً أن هذا الأخير "شخصية مضطربة مستعدة للقيام بأعمال عنيفة جداً من قتل واعتداء، من دون أن يحرك فيه ذلك ساكناً، لأن كمية الحقد والأيديولوجية تجعله دائماً يعتبر أنه على حق وله كامل الصلاحيات لتعذيب الآخرين وتصفيتهم".

وأوضح طاهري أن الحالات التي تشبه حالة تارانت، تكمن سعادتها حين تنزل أفكارها إلى أرض الواقع وترى حمام الدم أمامها، من دون أن تكترث للخوف الذي تراه في عيون الآخرين، مضيفاً أنه "خلال جلسات المحاكمة كان يظهر هذا الأخير في كامل وعيه وكانت نظراته فيها افتخار ورضا، ولو أتيحت له الفرصة لقام بأكبر من هذه المجزرة"، مشدداً على أن مثل هذا الفكر يستطيع أن يجرد الإنسان من إنسانيته.

في السياق نفسه، ذهبت الإخصائية النفسية أبو الخير إلى اعتبار العمل الإرهابي الذي نفذه المواطن الأسترالي مرتبطاً باللا وعي الجمعي وكيفية توجيه الأشخاص وتعبئتهم في اتجاه معين سواء كان توجها سياسياً أو أيديولوجياً، مشيرة إلى أن منفذ المجزرة جرت تعبئته وتجنيده ضد المسلمين لارتكاب جرائم في حقهم.

الإسلاموفوبيا

يربط عدد من المحللين النفسيين العمل الإرهابي الذي نفذه اليميني المتطرف بالإسلاموفوبيا التي تبنى على التحيز والعداء للمسلمين، وهو ما أكده طاهري، إذ قال إن منفذ المجزرة لديه رهاب من الإسلام وكره للمسلمين، إذ يعتبر أن اندماجهم داخل المجتمعات الأوروبية احتلالاً، لافتاً إلى أن هذا الأخير كان يبدو عليه الاستياء خلال جلسات المحكمة وهو يستمع إلى شهادات الضحايا التي أكدوا من خلالها أن ما تعرض له مسلمو نيوزيلندا أثَّر بشكل إيجابي على كل مسلمي أوروبا وجعل الكثيرين يقتنعون أن الأيديولوجية والأفكار السامة العنصرية لا تليق بالمجتمع الغربي.

اقرأ أيضاً:
هكذا يؤدي خطاب الكراهية إلى "الإرهاب الأبيض" ضد المسلمين

من جانبه، قال بلدو إن تارانت مريض بالإسلاموفوبيا ويحمل الضغينة لكل ما له علاقة بالإسلام، مضيفاً أن "هذه الأفكار والمعتقدات تجعل متبنيها يقدم على جرائم تشعره بالعظمة والغطرسة، وهذا كان واضحاً في الحركات التي كان يقوم بها خلال جلسة المحكمة"، يقول المتحدث ذاته، وزاد بأن التطرف السلوكي ليس قاصراً على دين أو مذهب معين، ويصيب غالباً من تكون لديهم قابلية للتطرف.

المصدر: TRT عربي