آراء
سياسة
5 دقيقة قراءة
فضاءان في إسرائيل.. من يُسمح له بالكلام ومن يُسمح له بالترشح؟
منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول تطوّر في إسرائيل، فعلياً، فضاءان لحرية التعبير: فضاء للعرب وآخر لليهود. توسعت التحقيقات والاعتقالات وتقديم لوائح الاتهام بحق المواطنين العرب بسبب تصريحات، أحياناً على خلفية منشور واحد على شبكات التواصل الاجتماعي
فضاءان في إسرائيل.. من يُسمح له بالكلام ومن يُسمح له بالترشح؟
اختار أبو شحادة سحب ترشحه، وكان لهذا الخيار معنى يتجاوز قضيته الشخصية

يبدو أن من فوجئ بموقف المستشارة القانونية للحكومة، غالي بهراف-ميارا، التي طلبت من المحكمة العليا التصديق على شطب سامي أبو شحادة ومنعه من الترشح للكنيست، لم يتابع سياسة إنفاذ القانون في ما يتعلق بجرائم التعبير عن الرأي في إسرائيل منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. فان موقف المستشارة القانونية لا يحيد عن سياسة منظومة إنفاذ القانون خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إنما هو، ومن نواحٍ عدة، النتيجة المنشودة لهذه السياسة.

منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول تطوّر في إسرائيل، فعلياً، فضاءان لحرية التعبير: فضاء للعرب وآخر لليهود. توسعت التحقيقات والاعتقالات وتقديم لوائح الاتهام بحق المواطنين العرب بسبب تصريحات، أحياناً على خلفية منشور واحد على شبكات التواصل الاجتماعي. وفي الشهر الأول للحرب على غزة، أعلنت الشرطة أن ما لا يقل عن 95% من الأشخاص الذين جرى التحقيق معهم في مخالفات بموجب المادة 24 من قانون "مكافحة الإرهاب"، والتي تشمل تهمتي التحريض على الإرهاب والتماهي مع منظمة إرهابية، كانوا من المواطنين العرب. لكن هذه السياسة لم تنشأ من فراغ. فقد أسهمت المستشارة القانونية للحكومة، بالتعاون مع النيابة العامة، في بلورتها وتكريسها، لا سيّما عبر المصادقة على التحقيقات وتقديم لوائح الاتهام في قضايا تتعلق بالتعبير عن الرأي.

فبحسب القانون الإسرائيلي والنظم الداخلية للنيابة العامة، فتح تحقيق جنائي حول تعبيرات بحسب المادة 24 لقانون "مكافحة الإرهاب" يلزم الشرطة أن تستصدر إذناً مسبقاً من النيابة العامة، وتباعاً لذلك، في حال وجدت أدلة كفاية، يلزم على النيابة الحصول على موافقة المستشارة القضائية للحكومة لتقديم لائحة اتهام بموجب هذه المادة.

في المقابل عندما كانت تُعرض أمام المستشارة القانونية للحكومة والمدعي العام عشرات التصريحات لشخصيات عامة وممثلي جمهور اليهود، والتي تضمنت، بحسب الادعاءات المقدمة، دعوات إلى تدمير قطاع غزة وتجويعه وطرد سكانه، قررت عدم فتح تحقيقات. لكن الفجوة تكمن في مكان أعمق، في طريقة تعاطي المنظومة المزدوجة مع مبدأ اللبس. 

فبحسب المادة 7(أ) لقانون أساس الكنيست التي تشتمل على ثلاث علل لشطب مرشحين أو قوائم من الترشح: التحريض على العنصرية، دعم الكفاح المسلح وسلب يهودية وديموقراطية الدولة. على الشطب أن يعتمد على كتلة جدية من الأدلة، وعلى الأدلة أن تكون واضحة وقاطعة. مسار الشطب يشمل مرحلتين: الأولى، أمام لجنة الانتخابات المركزية، وهي لجنة سياسية بطبعها وغالباً قراراتها لا تعتمد على فحص قانوني جدي للطلبات المقدمة بل على المصالح السياسية للأحزاب المختلفة. الثانية، أمام المحكمة العليا.

في قضايا شطب المرشحين، يحظى التعامل مع حالات اللبس بدور حاسم في المرحلة الثانية. وقد كررت المحكمة العليا في قراراتها القضائية السابقة أن الشطب هو وسيلة متطرفة، تتطلب بنية إثباتية واضحة، مقنعة وقاطعة. وتهدف هذه القاعدة إلى ضمان عدم تفسير تعبير ما بطريقة لا تشكّل أساساً للشطب، فإن على اللبس أن يُفسَّر في صالح الحق في الانتخاب والترشح.

كان يفترض أن تكون قضية أبو شحادة مثالاً واضحاً على تطبيق هذا المبدأ. فقد تمحورت طلبات الشطب ضده حول مقال واحد نشره في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023. ولم يتضمن المقال أي دعوة صريحة إلى العنف أو تأييد صريح للكفاح المسلح. وقد قام أبو شحادة بتفسير المقال وشرح دلالاته، وعرض تصريحات عديدة أدان خلالها أفعال حماس وأي مسّ بالمدنيين، وأوضح أنه ما كان لينشر المقال اليوم بصيغته تلك.

المستشارة القضائية للحكومة، في موقفها الأول أمام لجنة الانتخابات المركزية، لم تطلب شطب أبو شحادة، بل تركت القرار للجنة الانتخابات. لكنها غيّرت موقفها لاحقاً، وعند وصول القضية للمحكمة العليا للتصديق على قرار الشطب، أصبحت تطالب المحكمة بالتصديق على شطبه.

بالمقابل في سياق طلبات الشطب التي قدمت ضد حزب "عوتسما يهوديت" بقيادة بن غفير وحزب "الصهيونية الدينية - زهوت" بقيادة بتسالئيل سموتريتش، وشملت عشرات التصريحات والمنشورات الداعمة للإبادة في غزة وتصريحات ضد المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة امتنعت المستشارة القضائية للحكومة عن دعم الشطب.

وهنا تحديداً تتكشف دلالة السياسة المتبعة خلال السنوات الثلاث الأخيرة. فعندما يتعلق الأمر بتعبير صادر عن مواطن عربي، يتحول عدم الوضوح إلى موضع اشتباه. وكل منشور قابل للتفسير على أكثر من وجه قد يؤدي إلى تحقيق واعتقال وتقديم لائحة اتهام، والآن بات يؤدي حتى إلى سلب الحق في الانتخاب والترشح.

أما عندما عُرضت أمام سلطات إنفاذ القانون تصريحات لشخصيات يهودية دعت إلى ممارسة العنف ضد الفلسطينيين، فقد عرفت المنظومة كيف توظّف اللبس لمصلحة القائل. بينما في حالة أبو شحادة، انتقل هذا المنطق من القانون الجنائي إلى لبّ القانون الدستوري، من السؤال عمن يجب التحقيق معه بسبب أقواله، إلى السؤال عمن يُسمح له أصلاً بخوض الانتخابات.

وهذا أيضاً هو السؤال القانوني الذي وصل إلى المحكمة العليا. وفي ختام جلستها، أوعزت المحكمة لأبو شحادة إلى أن أغلبية تتجه إلى التصديق على شطبه، واقترحت عليه سحب ترشحه، لتجنب صدور قرار معلّل يقضي بشطبه وما قد يترتب عليه من تداعيات قانونية.

اختار أبو شحادة سحب ترشحه، وكان لهذا الخيار معنى يتجاوز قضيته الشخصية، فصدور قرار قضائي معلّل بالاتجاه الذي أشارت إليه المحكمة العليا كان من شأنه أن يحوّل القضية الفردية إلى سابقة قضائية، وأن يعزز آلية شطب المرشحين العرب بمجرد الاستناد إلى تعبيرات غير واضحة أو قابلة للتأويل.

ومن هذا المنطلق، فإن أهمية الجلسة لا تكمن فقط في قرار الحكم الذي لم يصدر. فمجرد استعداد المحكمة للإشارة إلى أن مقالاً واحداً لا يتضمن تأييداً صريحاً للكفاح المسلح، وتفسيره موضع خلاف، قد يبرر الشطب، يكشف إلى أي مدى تسلل المنطق الذي ترسّخ في إنفاذ جرائم التعبير عن الرأي منذ السابع من أكتوبر من القانون الجنائي إلى القانون الدستوري. ولو تم تكريس هذا الموقف في قرار قضائي معلّل، لكان من الممكن أن يرسّخ هذا الانتقال ويحوّله إلى سابقة قضائية تلاحق المرشحين العرب أيضاً في دورات انتخابية مقبلة.

بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر/تشرين الأول تكشف قضية أبو شحادة أن السؤال لم يعد فقط ما إذا كانت حرية التعبير متاحة لليهود والعرب في إسرائيل على نحو متساوٍ، بل ما إذا توفرت لهم الحماية القانونية ذاتها عند التعبير عن الرأي. فما بدأ كسياسة من التحقيق والاعتقال وتقديم لوائح الاتهام بسبب التعبير وصل الآن إلى المحكمة العليا، وبات يُستخدم أساساً لسلب الحق في المشاركة السياسية. والطريق من الفصل العنصري في حرية التعبير إلى الفصل العنصري في الحق في الترشح أمسى قصيراً، يبدأ بسؤال من يُسمح له بالكلام، وينتهي عند سؤال، من يُسمح له بخوض الانتخابات.

جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.



مصدر:TRT Arabi
اكتشف
النفط يتراجع والذهب يرتفع وسط ترقب بيانات التضخم الأمريكية وتوترات المنطقة
سفير تركيا الجديد يؤكد دعم أنقرة وحدة السودان وضرورة رفع المعاناة عن شعبه
حصيلة قتلى فيضانات تايلاند ترتفع إلى 71 وسط تحذير من موجة أمطار جديدة
السعودية تعلن مقتل شخص وإصابة 11 جراء تجدد الهجمات على مطار الرياض
هجوم بمسيّرة قرب منطقة رسو بسلطنة عُمان.. واصطدام ناقلة بلغم في مضيق هرمز
العراق يعلن تدمير موقع تابع لتنظيم داعش الإرهابي بضربتين جويتين في محافظة ديالى
وفاة 11 شخصاً وإصابة 27 في تصادم شاحنة وحافلة غربي تركيا
عقب إعلان ترمب.. زيلينسكي: لا علم لي بـ"هدنة الطاقة" مع روسيا لكنني أؤيد الفكرة
عراقجي لنظيره السعودي: مستعدون للمساعدة في تسهيل الحوار بين السعودية واليمن
هجوم جديد يستهدف مطار الملك فهد.. والسعودية تؤكد استمرار إمدادات الطاقة في مختلف الظروف
"اعتداء صارخ".. الرباعية تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتدعم إجراءات الردع
تشيليك: تركيا لن تخضع لتهديدات إسرائيل وستواصل الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني
تركيا تدين هجوم الحوثيين على مطار الرياض وتؤكد دعمها لسيادة السعودية وتدعو إلى موقف دولي حازم
5474 خرقاً منذ اتفاق غزة.. الاحتلال يواصل الحصار والتجويع وحصيلة الشهداء ترتفع إلى 74 ألفاً و377
أمينة أردوغان تهنئ باليوم العالمي للفتيات وتؤكد أهمية تعليمهن وتمكينهن