فعلى امتداد حرب الإبادة، تراكمت أمام الرأي العام الدولي صور الدمار، وأعداد الضحايا، وشهادات الفلسطينيين، وتحقيقات الصحافة والمنظمات الدولية. لكن أهمية بعض الأدلة جاءت من مكان آخر تماماً: من داخل إسرائيل نفسها، ومن أفواه سياسييها وعسكرييها وجنودها وصحافييها وحاخاماتها.
ومن بين هذه الشهادات جاء الفيلم الوثائقي الإسرائيلي "نازا" (أضرار جانبية)، الذي استند إلى شهادات ضباط وجنود شاركوا في منظومة اختيار الأهداف في غزة، ليفتح نافذة على الطريقة التي جرى بها التعامل مع حياة المدنيين الفلسطينيين في أثناء الحرب.
لكن ما منح الفيلم دلالة تتجاوز ما كشفه لم يكن مضمونه وحده، بل رد الفعل الإسرائيلي عليه. فبدلاً من التعامل مع الشهادات التي تضمنها باعتبارها اتهامات تستوجب التحقيق، انصبّ جانب كبير من الغضب على من كشفها ونقلها.
وهنا تكمن المفارقة: محاولة إسكات الشهود لم تبدد الأسئلة التي أثارها الفيلم، وإنما أعادتها بصورة أشد إلحاحاً.
فما كشفه الفيلم لا يقف منفرداً، وإنما ينضم إلى سجل طويل من التصريحات والشهادات والوقائع التي تجعل السؤال عن النية التي حكمت الحرب على غزة سؤالاً لا يمكن دفنه تحت ركام الحرب.
فالقضية لم تعد واقعة واحدة يمكن وصفها بأنها "خطأ"، ولا تصريحاً متطرفاً يمكن التنصل منه، ولا شهادة جندي يمكن التشكيك فيها. إنها الصورة التي تتشكل عندما توضع هذه القطع جميعاً إلى جانب بعضها بعضاً.
فلم يحدث أن ترك عمل وثائقي أو تحقيق صحافي تناول ممارسات الاحتلال في الأراضي المحتلة ردة فعل إسرائيلية على النحو الذي تركه فيلم "نازا" (أضرار جانبية)، الذي عرض في مهرجان "فينسيا"، والذي دلل على أن جيش الاحتلال الإسرائيلي تعمد قتل مدنيين فلسطينيين عزل لمجرد أنهم تواجدوا بالقرب من أشخاص مطلوبين أو بمعيتهم، مما فسر سقوط عشرات الآلاف من الفلسطينيين، من بينهم الكثير من النساء والأطفال والعجائز، خلال حرب الإبادة على غزة.
فقد أسهمت ردة فعلها في تسليط الأضواء على الشواهد والأدلة التي تؤكد أنها أمرت عن قصد وسبق إصرار وترصد، وبشكل واع، بارتكاب جرائم حرب، بما يؤكد نية هذه القيادة المسبقة لشن حرب إبادة جماعية.
فقد أعادت الكثير من النخب في إسرائيل إلى الأذهان المقال الذي نشره في 21 مارس/آذار 2025 ناحوم برنيع، كبير معلقي صحيفة "يديعوت أحرنوت"، والذي أشار فيه إلى بروتوكول إحدى جلسات المجلس الوزاري المصغر لشؤون الأمن، التي عقدت برئاسة نتنياهو بعد 48 ساعة من بدء حرب الإبادة.
فقد أشار برنيع إلى أن رئيس هيئة أركان الجيش في ذلك الوقت، هرتسي هليفي، أبلغ أعضاء المجلس في مستهل الجلسة أن الجيش هاجم 1500 هدف، وأن هذا العدد "هائل ويتطلب قدرات استخباراتية وعملياتية معقدة".
وحسب رواية برنيع، فقد قاطع نتنياهو هليفي بغضب، قائلاً: "لماذا لم تهاجموا 5000 هدف؟"، فرد هليفي: "لأنه لا يوجد لدينا 5000 هدف؟". فزاد غضب نتنياهو، وأخذ يضرب بقبضته على الطاولة، موجهاً حديثه إلى هليفي: "لا تعنيني الأهداف، دمروا المنازل، اقصفوا بكل ما لديكم".
وتؤكد رواية برنيع، الذي ينظر إليه كأحد أكثر الصحافيين موثوقية في إسرائيل، أن القيادة الإسرائيلية لم يكن يعنيها استهداف الأشخاص المسؤولين عن تنفيذ عملية "طوفان الأقصى" بقدر استهداف إجمالي الفلسطينيين بدوافع الانتقام.
وفي الوقت ذاته، فقد عاد بعض الصحافيين الإسرائيليين إلى الأرشيف الذي يوثق دعوة كبار المسؤولين الإسرائيليين، خلال الحرب، صراحة إلى ارتكاب إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
وعلى رأسها تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي دعا إلى "إبادة" مدن وبلدات ومخيمات اللاجئين في قطاع غزة بشكل مطلق. وفي مناسبة أخرى، دعا سموتريتش إلى "إحراق" قطاع غزة بالكامل.
ولم تتردد القيادات السياسية والدينية في إضفاء شرعية على استخدام السلاح النووي، إذ قال وزير التراث عميحاي إلياهو، القيادي في حركة "القوة اليهودية"، إنه يتوجب إلقاء قنبلة نووية على قطاع غزة.
في الوقت ذاته، فإن عرض الفيلم دفع بعض نخب الحكم في إسرائيل إلى الدفاع عن جرائم الإبادة وتبريرها. فقد نقلت مجلة "العين السابعة" عن شاي جليلي، مراقب حزب الليكود الحاكم، قوله: "معدا الفيلم يقولان إن الجيش يدمر منزلاً يضم 500 مدني إن كان إلى جانبهم مطلوب واحد، وأنا أقول إنه يتوجب أن يدمر المنزل حتى لو كان يضم 50 ألف مدني... ومن لا يتبنَّ هذا المنطق فإنما يفضل حياة العدو على حياتنا".
فضلاً عن ذلك، فقد سلطت بعض النخب الإسرائيلية الأضواء على دور الحاخامات الذين يمثلون مرجعيات للأحزاب الدينية القومية المتطرفة المشاركة في الحكومة، في إضفاء شرعية "فقهية" على جرائم الإبادة.
فقد اقتبست الكثير من الحسابات العبرية على منصة "إكس" ما ورد في كتاب المؤرخ درور غرينبلوم الصادر بعنوان "زمن المعجزات: ردود حاخامات التيار الحردلي على 7 أكتوبر"، والذي ضمنه تفوهات عدد من هؤلاء الحاخامات. سنعرض هنا بعضاً منها:
الحاخام نوعم فيدر: "اصنعوا لهم إبادة مطلقة".
الحاخام تامير إلمليح: "التدمير والاحتلال والسحق، هذه وصفة السمو".
الحاخام أفراهام فسرمان: "علينا الانتقام من الأغيار... يجب إحراق غزة قبل دخول جنودنا إليها".
الحاخام إيلي سدان: "يجب عدم التفريق بينهم، علينا شن الحرب على كل الشعب"، ويقصد الشعب الفلسطيني.
الحاخام إلياهو ملاي: "علينا قتل جميع من في غزة، وضمنهم الأطفال الرضع".
صدمة مصطنعة
وقد حاجج عدد كبير من المعلقين في إسرائيل بأن جميع ما كشفه "نازا" من معلومات معروف لدى الإسرائيليين، مما يكشف زيف شعورهم بالصدمة.
وقد أصاب الكاتب الإسرائيلي عيران رولنيك كبد الحقيقة عندما كتب في مقال نشرته "هآرتس": "نحن مصدومون من نازا ليس لأنه يروي لنا أشياء لم نعرفها، بل لأنه يجبرنا على التفكير بما علمناه، لكن ما يبدو أننا لم نعلمه هو حجم المسافة التي ذهبت إليها إسرائيل في كراهيتها لكل من لا يزال مستعداً لمساعدتها على التفكير والشعور".
وتساءلت نوعا لاندو، نائبة رئيس تحرير "هآرتس"، في مقال نشرته الصحيفة، قائلة: "إن كانت إسرائيل تنفي ما تضمنه نازا من معلومات، فلماذا لا تسمح لوسائل الإعلام الأجنبية بدخول قطاع غزة لتقصي الحقائق؟"
وقد دعا تومر بريسكين، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العبرية والباحث في "المركز الإسرائيلي للديمقراطية"، على حسابه في منصة "إكس"، الإسرائيليين إلى "إجراء حساب للنفس" بشأن ما ارتكبته إسرائيل في غزة، وأن إسرائيل مطالبة برد موضوعي على ما جاء في الفيلم.
وهاجم الكاتب ميكس كاسين، في منشور على منصة "إكس"، الإعلام الإسرائيلي لدوره في التكتم على جرائم إسرائيل في غزة، مشيراً إلى أن الصحافيين الإسرائيليين قرروا إخفاء ما يحدث في غزة عن أنظار الجمهور الإسرائيلي، وأنهم حولوا إيتمار بن غفير، وزير الأمن القومي، إلى "بطل"، ولم يترددوا في استضافة قيادات دعت إلى تجويع الغزيين وتدمير غزة. ولفت إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية رفضت عرض شهادات الضباط والجنود الإسرائيليين بشأن ما ارتكب من جرائم في قطاع غزة.
كابوس المقاطعة
إن أكثر ما يثير قلق إسرائيل بعد عرض "نازا" هو أن يسهم في تعميق الوعي العالمي بجرائم الإبادة في قطاع غزة، بشكل يفضي إلى تكريس قناعة لدى كثير من الدول بوجوب فرض مقاطعة شاملة عليها.
فقد جاء عرض "نازا" بعد قرار عدد من الدول الأوروبية فرض مقاطعة على المنتجات التي تصدرها المستوطنات اليهودية المقامة في الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.
ويتمثل الكابوس الذي يقض مضاجع إسرائيل في أن تتطور هذه الظاهرة من مقاطعة منتجات المستوطنات إلى فرض مقاطعة مطلقة على إسرائيل، مع كل ما يترتب على الأمر من تداعيات استراتيجية واقتصادية بالغة الخطورة.
فقد حذرت دراسة صدرت عن "معهد أبحاث الأمن القومي"، أعدها الباحث ميك ديفيس، من خطورة تطور المقاطعة على إسرائيل، إذ أشارت إلى أن المقاطعة الدولية التي أفضت في حينه إلى انهيار نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا بدأت بخطوات بسيطة تعاظمت مع مرور الوقت، عندما اكتشف المجتمع الدولي أن النظام العنصري يمعن في إجراءاته.
ومما عزز من مخاوف القيادة الإسرائيلية حقيقة أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تجاهلت الدعوات الإسرائيلية للتدخل لدى بريطانيا، التي بادرت باتخاذ قرار مقاطعة منتجات المستوطنات، والطلب منها التراجع عن هذه الخطوة.
ومما يضفي صدقية على هذه المخاوف حقيقة أن ممثلي الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي أعلنوا تصميمهم على إعاقة تمرير صفقة لبيع قنابل لإسرائيل بقيمة 2.8 مليار دولار، واشتراطهم الموافقة على الصفقة بتقديم إسرائيل ضمانات بعدم المساس بالمدنيين.
وفي الوقت ذاته ذكرت صحيفة "هآرتس" أن استطلاعاً أجراه "معهد الشؤون العالمية" الأمريكي دلل على أن 40% فقط من مصوتي الحزب الجمهوري يؤيدون تزويد إسرائيل بالسلاح الأمريكي من دون قيود.
وهذا ما دفع كلاً من "هيئة الدعاية الحكومية" (هسبراه) ووزارة الخارجية إلى إجراء مشاورات عاجلة لمحاولة محاصرة آثار عرض الفيلم في أرجاء العالم.
لكن معضلة إسرائيل لا تكمن في قصورها في مجال الدعاية وشن حملات التأثير بقدر ما تتمثل في السياسات الإسرائيلية ذاتها، التي يصعب الدفاع عنها وتبريرها. فالفيلم يستند في النهاية إلى شهادات أدلى بها 24 ضابطاً من جهاز شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان"، كانوا مسؤولين عن بناء بنوك الأهداف خلال الحرب.
وبعد ثلاث سنوات من السابع من أكتوبر، تبدو هذه الحقيقة أكثر أهمية من الجدل الذي أثاره الفيلم عند عرضه. فـ"نازا" ليس سوى جزء من سجل أكبر تراكمت فيه تصريحات المسؤولين، وشهادات العسكريين، وتحقيقات الصحافيين، والوقائع التي عاشها الفلسطينيون على الأرض.
ولهذا فإن السؤال في هذه الذكرى لم يعد فقط: ماذا حدث في غزة؟
السؤال الأكثر إلحاحاً هو: بعدما أصبح كل هذا معروفاً، وبعدما خرج جانب من الأدلة والشهادات من داخل إسرائيل نفسها، هل يستطيع العالم أن يقول إنه لم يكن يعرف؟
لقد تجاوز الأمر منذ زمن حدود المعرفة. وبات السؤال متعلقاً بما إذا كانت هذه المعرفة ستفضي إلى مساءلة، أم أن العالم سيكتفي، مرة أخرى، بتوثيق الكارثة بعد وقوعها.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتابها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي TRT عربي.

















