نجاح الإرادة الشعبية التركية في التصدي للانقلاب الفاشل (Gokhan Tan/Getty Images)

شهدت تركيا خلال العقدين الماضيين فترة ذهبية من تعاظم دورها الإقليمي واستعادة مكانتها الطبيعية ودورها الرائد في المنطقة. واستشعرت أنقرة مسؤولية تجاه قضايا الأمة والمظلومين في كل أنحاء العالم، فقدّمَت دعماً غير مشروط تجاه دول الربيع العربي من أجل تمكينها من الاستمرار في مسارات التحول الديمقراطي واللحاق بركب الدول المتقدمة.

غير أن الدور التركي لم يكن مرحَّباً به من بعض الأطراف الإقليمية، فتصدرت الإمارات، محاوِلةً لعب دور أكبر بكثير من حجمها الطبيعي، ومضت في محاولات عديدة لإسقاط تركيا وقيادتها، ودفعها نحو التخلي عن دورها الإقليمي الرائد. غير أن دولة الإمارات غفلت عن حقائق هامة، مثل صلابة الشعب التركي وإيمانه بأهمية الدفاع عن إرادته الحرة ومكتسباته الديمقراطية، علاوة على عدم انصياعه لأطراف خارجية.

الربيع العربي ونهج مغاير

"نحن لا نمتلك أي أجندة بحق الإمارات العربية المتحدة، لكنهم بطريقة ما يبدون مهووسين بتركيا والرئيس أردوغان". هكذا علّق إبراهيم قالن، المتحدث باسم الرئاسة التركية، على معاداة الإمارات لتركيا، ومساعيها المستمرة لتأجيج الفتن وإثارة الفوضى في بلاد الأناضول.

لفهم أسباب "هوس" أبو ظبي تجاه أنقرة، ينبغي العودة إلى فترة ما قبل المحاولة الانقلابية الفاشلة بتركيا عام 2016، تحديداً قبل ذلك بخمس سنوات، عندما تفجّرت ثورات الربيع العربي، واختلف نهج دول المنطقة تجاهها، من داعم للإرادة الشعبية والتحولات الديمقراطية، ومعادٍ قاد حرباً شعواء لإجهاض الثورات واستدعاء عسكرة باطشة، تحسُّساً لخطرها على عرشه.

عمدت الإمارات خلال العقد الأخير إلى اتباع سياسات واتخاذ نهج شديد العداء إزاء الحراك الديمقراطي المدعوم بقوى شعبية في المنطقة، فراحت تجود بالغالي والنفيس لإجهاض عمليات التحول الديمقراطي في دول الربيع العربي، ونجحت بشكل كبير في وأد أغلب الثورات العربية في مهدها، من خلال تقديم دعم، بكل الوسائلة الناعمة والخشنة الممكنة، إلى قوى الثورات المضادة المنتمية إلى الأنظمة البائدة، التي كان يظنّ شباب الثورات أنها قد ولّت بغير عودة. فليس من الخفيّ تَخوُّف حكام أبو ظبي من امتداد موجة الثورات إليهم، وكذلك محاولتهم تجنُّب قيام أنظمة جديدة بالمنطقة تمثل الإرادة الحقيقية لشعوبها.

وعلى الناحية الأخرى اتبعت تركيا سياسات غاية في الإيجابية تجاه ثورات الربيع العربي، فمع إيمانها الدفين بحقّ الشعوب في الحرية وقيم المساواة والديمقراطية والمساءلة من خلال نظام ينبني على الانتخابات الحرة، وهو ما دعت إليه الميادين العربية عام 2011، فتوجهت أنقرة بكل الود تمدّ يد العون إلى الأنظمة الجديدة، من خلال إرساء روابط اقتصادية وتجارية، تسهم في تخطِّي الأزمات الاقتصادية في فترة ما بعد الثورات، وحثّ على استكمال مشوار التحول الديمقراطي، ينهض بتلك الدول ويحذو حذو تركيا في التقدم والازدهار المبني في الأساس على إرادة شعبية حرة تختار وتسائل حكامها.

ولم تكترث الإمارات لوقوع مئات آلاف الضحايا، وتَشرُّد ملايين، ودمار جسيم لحق بالمدن والعمران إبان عملية إجهاض الثورات، بل شرعت في زعزعة الأمن والاستقرار في دول أخرى خالفتها نهجها الشائن بحق الثورات المُجهَضة، مثل تركيا وقطر. فأغدقت أموالاً طائلةً على تنظيم كولن الإرهابي لكي ينفذ أجندته من خلال محاولة انقلابية في تركيا، وافتعلت بعدها بعام الأزمة الخليجية لحصار قطر.

في نهاية المطاف انتصر مَن انتهج موقفاً أخلاقياً مبنياً على حضانة شعبية صامدة لا قِبَل لأبو ظبي بها، فالإرادة الشعبية التركية لا تبالي بأموال الإمارات ومساعيها الدنيئة، فالتفّت حول قيادتها وكسرت المحاولة الانقلابية خلال عشية وضحاها، ودعمت القيادة التركية حليفتها قطر فوراً ومباشرةً، لتصمد أمام الأزمة الخليجية وتتجاوزها في وقت قياسي.

دعم شائن لانقلابيي 15 يوليو/تموز

قال الرئيس أردوغان في خطاب بتاريخ 9 يونيو/حزيران 2017: "نحن نعلم جيداً مَن كان سعيداً من بين دول الخليج عندما كانت تركيا تتعرض لمحاولة الانقلاب (...) ونعلم مَن دفع الأموال لإنجاح هذا الأمر".

منذ اللحظات الأولى لمحاولة تنظيم كولن الإرهابي في تنفيذ الانقلاب في تركيا منتصف يوليو/تموز 2016، خرج بعض القنوات العربية مهللاً لـ"الانقلاب العسكري وسقوط أردوغان"، بل وتعمدت تلك القنوات نشر أكاذيب وأخبار زائفة لا تمتّ إلى الواقع بصلة.

من السهل جداً ملاحظة قيادة أبو ظبي لتلك الحملة الإعلامية من خلال أذرع إعلامية بدا كأنها متأهبة للحظة الانقلاب بتقارير وأخبار زائفة مُعَدّة من قبل.

وخلال تلك الليلة الطويلة من شهر يوليو/تموز، وقعت قناة "سكاي نيوز" الإماراتية في أخطاء مهنية فادحة بنشرها أخباراً كاذبة، مثل ادّعاءات عن "هروب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى ألمانيا وطلبه اللجوء السياسي"، و"مقتل رئيس الأركان التركي يشار غولار". لكن بطبيعة الحال ما لبثت "سكاي نيوز" إلا قليلاً حتى اضطُرّت إلى حذف تلك الأخبار من صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن ظلت أكاذيب الإمارات موثَّقة تثبت دعمها الشائن وأمانيها بنجاح انقلاب عسكري في تركيا.

وعلى صعيد آخر، بعد مرور أسبوعين فقط على المحاولة الانقلابية الفاشلة، نُشِر تحقيق مطول عبر موقع "ميدل إيست آي" البريطاني، يُثبِت تورُّط أبو ظبي في إرسال أموال طائلة إلى الإرهابي فتح الله كولن في أمريكا، قبل أسابيع فقط من المحاولة الانقلابية. أموال أرسلت عبر محمد دحلان، مستشار ولي عهد أبو ظبي، والقيادي الفلسطيني المفصول من حركة فتح، لإثارة الاضطرابات في تركيا والإطاحة بحكومة أردوغان.

وفي نهايات عام 2019 أصدرت تركيا مذكرة توقيف بحق دحلان، وأدرجته على قائمة الإرهابيين المطلوبين للعدالة، وذلك لدعمه المباشر لتنظيم كولن الإرهابي، ومحاولة تشويه صورة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عربيّاً وغربيّاً.

ويجدّد الرئيس أردوغان باستمرار إعلان عزم بلاده ملاحقة تنظيم كولن الإرهابي حتى آخر عنصر منتسب إليه، مؤكداً أن بلاده لن تسمح لأي شخص باستغلال الشعب تحت عباءة الدين.

مساعٍ مستمرة لتأجيج الفتن

بعد الفشل الذريع للإمارات في المحاولة الانقلابية عام 2016، استمرت أبو ظبي في انتهاج سياسات بُغية العبث بأمن تركيا وإثارة البلبلة وتأجيج الفتن، لكن الدولة التركية تقف صامدة وخلفها الشعب التركي إزاء تلك المحاولات الخبيثة.

شرعت أبو ظبي خلال الأعوام الخمسة الماضية، في تقديم دعم وتأييد وعرض للأموال وتسليح قوات تنظيم PKK\YPG لمحاربة تركيا. وضغطت عدة مرات على نظام بشار الأسد ليشرع في عملية للسيطرة على إدلب، ليخرق الاتفاقية التركية-الروسية، مقابل أموال تقدمها أبو ظبي للنظام السوري. كما سارعت الإمارات عام 2018 لتكون أول دولة تعيد فتح سفارتها في العاصمة السورية دمشق.

وفي الملف الليبي انحازت أبو ظبي مبكراً للثورة المضادة متمثلةً في اللواء خليفة حفتر، وحاولت مراراً وتكراراً عرقلة المساعي التركية في وقف الاقتتال بالأراضي الليبية وعقد اتفاقيات سلام تُفضي إلى استقرار الوضع في ليبيا.

وفي أزمة شرق المتوسط أقدمت الإمارات على حشر أنفها في أزمة لا ناقة لها فيها ولا جمل، واصطفّت إلى جانب اليونان وقبرص وإسرائيل بلا دعوة من أي طرف لها، وكل ما يشغلها هو إضعاف موقف أنقرة وسلب حق تركيا في التنقيب عن الغاز.

ولا تتوقف أبو ظبي عن محاولاتها الدؤوبة لإثارة اللغط والبلبة، إذ استضافت خلال الأشهر القليلة الماضية زعيم المافيا الإجرامي التركي سادات بيكر، وسمحت له بالمكوث في أراضيها حتى الآن، وهي تعلم جيداً أنه مطلوب للعدالة في تركيا. وبطبيعة الحال رفضت الإمارات تسليم المجرم الهارب للمحاكمة العادلة في تركيا، لتستمر حلقات مساعي أبو ظبي في تأجيج الوضع مع تركيا، لكن بلا جدوى.

TRT عربي
الأكثر تداولاً