تحقيق لموقع "ديسكلوز" يكشف مشاركة فرنسا في انتهاكات ضد حقوق الإنسان في مصر  (Disclose) (Others)

سنة 2020 وشّح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره المصري بوسام "جوقة الشرف"، أرفع الأوسمة التي تمنحها الجمهورية، خلال حفل عشاء بالغ التكتم والسرية، لدرجة أن الصحافة الفرنسية لم تعرف بالخبر إلا من موقع الرئاسة المصرية، مما دفعها إلى الاحتجاج بأنه "متى كانت تغيب كاميراتنا عن عشاءات الرئيس؟".

وقتها أثار ذلك التوشيح عاصفة غضب من خطوة ماكرون، التي قُرئ فيها تواطؤ الجمهورية "المدافعة عن حقوق الإنسان والديمقراطية" مع الانتهاكات التي يرتكبها النظام المصري لهذه الحقوق. وأعلن المثقف الإيطالي كورادو أوجياس تنازله عن نفس الوسام رافضاً اشتراكه مع شخصية متهمة بقتل مواطنه جوليو ريجيني، كما كتبت إيما بونينو، وزيرة الخارجية الإيطالية السابقة الموشحة بـ"جوقة الشرف" سنة 2009، عريضة احتجاجية تقول فيها: "أحسّ بالإهانة أن أتشارك نفس الوسام مع شخص بتلك السمعة".

تزامناً مع تلك الضجّة المثارة، كان ما خفي أكبر، إذ كان ماكرون على علم كامل بما يقع على الأراضي المصرية من انتهاكات، بل كانت عناصر من قواته العسكرية تساعد الجيش المصري في ارتكاب هجمات ضدّ مدنيين على الحدود مع ليبيا. هذا ما يكشفه تحقيق "تسجيلات الرعب" الصحفي، الذي نشره موقع "ديسكلوز" الاستقصائي، في حلقته الأولى المعنونة بـ"عملية سيرلي".

عمليَّة سيرلي

تعود أطوار القصة إلى صبيحة 13 فبراير/شباط 2016، حين وصلت حافلة تحمل فريقاً فرنسياً إلى ثكنة عسكرية للجيش المصري بمدينة مرسى مطروح (شمال غربيّ البلاد). كان ذلك الفريق يضمّ عشرة ضباط سابقين للجيش الفرنسي، ستة منهم يعملون لصالح متعهدين أمنيين، مجهزين بطائرة استطلاع خفيفة "ميرلين 3"، استأجرتها وزارة الدفاع الفرنسية بكلفة 1.45 مليون يورو لكل خمسة أشهر من الخدمة.

وكان هدف العمليَّة السريَّة، التي سُمّيَت "سيرلي"، تأمين 1200 كيلومتر من الشريط الحدودي الليبي-المصري من اختراقات "الإرهابيين"، وتغطية نحو 700 ألف كيلومتر مربَّع من الصحراء بطلعات جوية استطلاعية لرصد تحركات "الجماعات الإرهابية" المحتمَلة.

كانت خرجات الفريق تجري دائماً بصحبة ضابط مصري، يقول تحقيق "ديسكلوز"، مهمته تقتصر على ترجمة التسجيلات الصوتية التي تلتقطها الطائرة، والتي كانت في المقابل تستخدمها السلطات المصرية في تنفيذ هجمات ضد مدنيين ينشطون في عمليات التهريب على الحدود.

هذه المعلومات توصَّل إليها فريق الموقع الصحفي الفرنسي عبر تحليل مئات الوثائق السرية المسربة، أحدها كان تقريراً مؤرخاً في 20 أبريل/نيسان 2016، إذ يبلغ الفريق قيادته في باريس بأن "الكولونيل المصري يرغب في تنفيذ طلعات جوية فوق "الموزة" للحد من نشاطات المهربين في تلك المنطقة". والمقصود بـ"الموزة" هو المنطقة الممتدة بين واحة سيوة ودلتا النيل، وهي منطقة تعبرها شاحنات مأهولة بشباب لا تزيد سنّهم على 30 عاماً، ينشطون في التهريب المعيشي.

في تقرير آخر يقول الفريق الفرنسي: "لم نرصد أي معطيات في ما يخص احتمال وجود إرهابيين، بالأخص مع تعذُّر تنفيذ طلعات جوية فوق سيناء أو داخل الأجواء الليبية". بل ويخلص التقرير إلى أن "كل العمليات التي نُفّذت كانت تلبية لرغبات الجانب المصري".

الجانب المصري "صار أكثر تطلُّباً" حسب موقع "ديسكلوز"، مشيراً إلى أن المصريين طلبوا ربط الطائرة مباشرةً مع نقطة استقبال بالثكنة المصرية "لتسريع عملية التعامل مع التهديدات المحتملة". عناصر الفريق الفرنسي رفضوا الأمر، لكن قيادتهم وافقت عليه. بعدها في 3 سبتمبر/أيلول "أصبحت ضربات الطيران المصري ضد المهربين أكثر بروزاً للعيان" حسب تقرير آخر للفريق، في إشارة إلى استهداف شاحنات مدنية بقصف جوي.

في 21 سبتمبر/أيلول 2016، وبعد ساعات من تحليق طائرة "ميرلين 3" رصدت شاحنة "نصف نقل" مدنية تعبر الصحراء، أُبلِغَ الطيران المصري الأمر، وبعدها بدقائق حلّقت مقاتلة "سيسنا 208" مصرية فوق الموقع. غيّر الفريق الفرنسي مسار تحليقه تفادياً لأي اصطدام، وحال عودته كانت الشاحنة اختفت وسط كتلة نيران.

في اليوم التالي أعلنت القوات الجوية المصرية إفشالها عملية تهريب بقصف شاحنة "نصف نقل" كان يستعملها المهربون في أنشطتهم. كانت فرنسا وقتها شريكاً في جريمة "قصف عشوائي لمدنيين مصريين" حسب التحقيق.

ماكرون على علم "كامل" بالجريمة!

في يوليو/تموز 2020 أعلنت الرئاسة المصرية أنها "دمرت 10 آلاف عربة كانت تُستخدم في أنشطة التهريب، و40 ألفاً من المهربين والإرهابيين". في المقابل يورد التحقيق مقتبساً من تقرير لـ"المعهد الأوروبي من أجل السلام" أنه "لم تكن هناك أي أدلة عن وجود عناصر إرهابية داخل النصف الشرقي لليبيا، ولا دليل على ارتباط نشاطات التهريب بجماعات إرهابية في ليبيا".

فيما انتقل أحد صحفيي "ديسكلوز" إلى المدينة الساحلية المصرية، التي يعيش 50% من سكانها تحت خط الفقر، و"لا يجنون من العمل في حقول الزيتون والتمور سوى 6 يوروهات ليوم عمل شاقّ يمتدّ من الفجر حتى الغروب". ونقل على لسان أحد المشتغلين السابقين بالتهريب قوله: "يمكن للفرد أن يجني 3800 يورو من عملية تهريب واحدة للسجائر، هكذا يظلّ هذا النشاط مغرياً على الرغم من مخاطره القاتلة".

ولم تُجِب وزارة الدفاع الفرنسية عن استفسارات "ديسكلوز" حول موضوع تورطها في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان وتصفية عشوائية للمدنيين بمصر، فيما يمتد هذا التنسيق الاستخباراتي بين الدولتين على طول ولايتي فرونسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، الذي كان "على علم كامل بمجريات العملية"، حسب تقرير أصدره الإليزيه بعيد اتصال أجراه الرئيس بنظريه المصري سنة 2017.

وأضاف الموقع الاستقصائي نقلاً عن تقرير فريق العملية أن "محاربة الإرهاب كانت تحلّ في المركز الثالث لأولويات الجانب المصري" بعد محاربة المهربين والهجرة. كما فضلت إدارة ماكرون الإمعان في المشاركة، بعد أن زارت وزيرة الجيوش الفرنسية السابقة سيلفي غولارد القاهرة، وعبّرَت عن رغبة بلادها في "توسيع عملية سيرلي وتدعيمها" مثنية على "نتائجها المتميزة".

TRT عربي