رفض البرلمان البريطاني، مساء الثلاثاء، اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي والذي تقدمت به حكومة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بواقع 432 نائباً مقابل 202. ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تتراوح بين تشكيل حكومة جديدة والدعوة لاستفتاء بريكست جديد.

رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في البرلمان
رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي في البرلمان (AFP)

ما المهم: شكّلت نتيجة تصويت مجلس العموم البريطاني برفض اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي صفعة قوية لجهود رئيسة الوزراء تيريزا ماي، والتي عملت جاهدة على مدار أشهر لإقناع أعضاء البرلمان لقبول الاتفاق الذي توصلت له مع الاتحاد بعد مباحثات ماراثونية.

وكانت معظم الترجيحات قد أشارت إلى إمكانية سقوط الاتفاق خلال التصويت، ما يفتح سيناريوهات تتراوح بين تشكيل حكومة جديدة والدعوة لاستفتاء بريكست جديد. وتصل السيناريوهات إلى حدود "تفكك المملكة المتحدة" كما قالت ماي نفسها.

المشهد: منذ مساء الإثنين، تسارعت التطورات في بريطانيا تحضيراً لجلسة مجلس العموم.

عشية الجلسة، حثّت ماي النواب على إلقاء "نظرة ثانية" إلى صيغة اتفاقها مع الاتحاد الأوروبي، وحذرتهم من أنّ التصويت ضده قد يفتح الباب أمام "تفكك المملكة المتحدة".

وجددت رئيسة الوزراء البريطانية التأكيد أنّ الطريقة الوحيدة لتجنب بريكست "من دون اتفاق" هو دعم اتفاقها. وقالت إنّه "إذا كان الخروج من دون اتفاق سيئاً للدرجة التي تعتقدونها، فإنّ عدم القيام بأي شيء هو قمة الطيش".

تزامناً مع ذلك، أشار رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك ورئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، إلى أنّهما لن يعيدا فتح المفاوضات بشأن خطة بريكست، لكنهما قالا بأنه يمكن تقديم توضيحات لها "قيمة قانونية" حول البند المثير للجدل بشأن أيرلندا.

هناك قلة راضية عن صيغة الاتفاق التي توصلت إليها تيريزا ماي مع الأوروبيين

ناصر الأمين - صحفي مقيم في بريطانيا

في ذات السياق قال الصحفي المقيم في بريطانيا ناصر الأمين، إنّه "حتى صباح الثلاثاء، فإنّ قلة راضية عن صيغة الاتفاق التي توصلت إليها تيريزا ماي مع الأوروبيين". وأوضح في حديث لـTRT عربي أنّ "حزب العمال وزعيمه جيرمي كوربن، يقفان معترضين على الصيغة المطروحة"، فيما يشوب الغموض موقف النواب المحافظين نظراً إلى أنّ مصير حكومتهم قد يكون على المحك.

الخلفيات والدوافع: في 11 ديسمبر/كانون الأول الماضي، أجّلت رئيسة الوزراء البريطانية تصويتاً في البرلمان على صيغة الاتفاق الذي توصلت إليه مع المفاوضين الأوروبيين حول آلية خروج بلادها من الاتحاد الأوروبي طبقاً لنتائج استفتاء بريكست الذي أُجري في يونيو/حزيران 2016.

التأجيل جاء على خلفية خشية تيريزا ماي من عدم تبنّي الاتفاق برلمانياً وبالتالي سقوطه، ما كان يعرّض حكومتها لسلسلة من العواقب، ليس أقلّها دعوة المعارضة إلى جلسة للتصويت على الثقة.

وكانت مسألة الحدود بين إقليم أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا، خلافية في صيغة الاتفاق المقترحة، ما دفعها للعودة إلى بروكسل للحصول على ضمانات أكبر من طرف الاتحاد الأوروبي.

في ضوء كل ذلك، ينتظر الجميع ما ستؤول إليه الجلسة البرلمانية، مساء الثلاثاء. وأشار الصحفي ناصر الأمين إلى أنّ زعيم حزب العمال جيرمي كوربن "يريد أن يُفشل التصويت وبالتالي الاتفاق، بهدف حل الحكومة والذهاب نحو انتخابات جديدة".

أما بخصوص كتلة حزب المحافظين البرلمانية، فيرى الأمين أنّ "أعضاءها منقسمون بين داعمين للصيغة ومعترضين عليها". ويلفت إلى أنّ "المشكلة ضمن المحافظين، أنّ بعض نوابهم المعترضين بالأساس على الصيغة المقترحة، قد يصوّتون دعماً لماي خشية سقوط حكومتها والاضطرار إلى الذهاب نحو انتخابات جديدة".

المؤيدون للبريكست مقتنعون بأنّ رئيسة الوزراء يجب أن تعود إلى بروكسل وتضغط للحصول على المزيد من التنازلات الأوروبية، بينما يأمل المعارضون للبريكست في أن تسعى ماي لاتفاق مع حزب العمّال

صحيفة غارديان البريطانية

وفي هذا السياق، قالت صحيفة غارديان البريطانية إن "المؤيدين للبريكست مقتنعون بأنّ رئيسة الوزراء يجب أن تعود إلى بروكسل وتضغط للحصول على المزيد من التنازلات الأوروبية، بينما يأمل المعارضون للبريكست في أن تسعى ماي لاتفاق مع حزب العمّال".

بين السطور: في متابعات الصحف، لعلّ الأكثر وضوحاً كانت وكالة بلومبرغ التي قالت إنّ المعركة لن تنتهي إذا خسرت ماي، وإنّما بمعرفة مدى الضرر، وذلك في تقرير بعنوان "ماي تواجه أسوأ خسارة حكومية في 95 عاماً". وشرحت بلومبرغ أنّ خسارة في التصويت بفارق أكبر من مئة صوت ستكون أسوأ خسارة حكومية في بريطانيا منذ عام 1924.

صحيفة لوفيغارو في فرنسا حيث تجري متابعة تطورات البريكست بكثافة، علّقت بأنّه "إذا بقي الفارق أقل من مئة صوت بين المؤيدين والمعارضين، فقد ترى ماي أنّه سيبقى لها هامش للمناورة لإعادة التفاوض حول شيء ما مع الاتحاد الأوروبي قبل عودتها أمام البرلمانيين قبيل المهلة المحددة للخروج من الاتحاد الأوروبي في 29 مارس/آذار".

ما التالي: أشار الصحفي ناصر الأمين إلى أنّه إذا "جرى التصويت اليوم ولم تمر الصيغة المقترحة من ماي، فالغالب أنّها ستُمنح ثلاثة أيام إضافية لتقدّم صيغة جديدة".

غير أنّ ثمة سيناريوهات أخرى، تشمل الدعوة لطلب المعارضة عقد جلسة ثقة في الحكومة. إلا أنّ مصادر من حزب العمال قالت لصحيفة غارديان "بما أنه لا يُنتظر أن يُقدِّم النواب المحافظون لزعيم حزب العمال الدعم الذي يحتاجه من أجل التصويت بعدم منح الثقة، فإنه سيكون عندها تحت ضغط كبير ليُظهر ثقل حزبه من أجل الدعوة لاستفتاء ثانٍ".

من المحتمل أيضاً، وفقاً لوكالة رويترز، أن تستقيل تيريزا ماي من قيادة حزب المحافظين ليبدأ بذلك سباق داخل الحزب على من يخلفها من دون الحاجة إلى انتخابات عامة. أو أن تختصر بنفسها هذا المسار، وتدعو لانتخابات عامة.

المصدر: TRT عربي