طرح الرئيس التركي رؤية للمرحلة القادمة في شمال سوريا أهم محدداتها تأسيس قوة عسكرية بمحاربين وتأسيس مجالس محلية منتخبة، تحت رقابة تركية. تأتي هذه الخطوة بعد إعلان الرئيس الأميركي اعتزام بلاده سحب قواتها من سوريا.

مدرعة تركية ضمن دورية مشتركة مع الجيش الأميركي قرب منبج شمال سوريا
مدرعة تركية ضمن دورية مشتركة مع الجيش الأميركي قرب منبج شمال سوريا (AP)
قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مقال له على صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، الإثنين، إن "تركيا تتحمل مسؤولياتها في هذه الفترة الأكثر حرجاً من التاريخ" فيما يخصّ الوضع في شمال سوريا على خلفية الانسحاب الأميركي المرتقب.

كما انتقد الرئيس التركي بشدة، الثلاثاء، تصريحات مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، والتي دافع فيها عن شركاء بلاده من تنظيمات YPG/PYD الامتداد السوري لتنظيم PKK المصنف إرهابياً. مؤكداً قرب انطلاق عملية "شرق الفرات" شمالي سوريا.

ما المهم: قدّم أردوغان في مقاله، رؤية تركية للمرحلة القادمة أهمّ محدّداتها تأسيس قوة عسكرية "بمحاربين من كافة أطياف المجتمع السوري"، وتأسيس مجالس محلية منتخبة، تحت رقابة تركية.

يأتي ذلك بعد فترة اتّسمت بتذبذب الموقف بين أنقرة وواشنطن حيال إطلاق عملية عسكرية شرق الفرات، فبعد أن أعلن أردوغان إطلاق العملية، عاد وأعلن تأجيلها بعد قرار الرئيس الأميركي سحب قوات بلاده من شمال سوريا. قرارٌ لحقه تضارب في التصريحات الأميركية، واجتماعات تنسيق مختلفة، لتأتي خطّة أردوغان اليوم محاوِلة إنهاء حالة التذبذب هذه، وهو ما عبّر عنه أيضاً المتحدث باسم الرئاسة التركية، الثلاثاء، قائلاً "أبلغنا نظراءنا الأميركيين بضرورة عدم تأخير خارطة طريق منبج أكثر من ذلك".

المشهد: قال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، في مؤتمر صحفي منفرد بعد لقائه مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، إنه "يجب عدم السماح بأن يتسبب الانسحاب الأميركي في حدوث فراغات يتم ملؤها من قبل التنظيمات الإرهابية"، وأضاف "أبلغنا نظراءنا الأميركيين بضرورة عدم تأخير خارطة طريق منبج أكثر من ذلك".

وأوضح كالن أن الأميركيين أبلغوا تركيا "بأن الانسحاب سيتم خلال 60 - 100 يوماً، والآن يقولون نحتاج إلى 120 يوماً، وتركيا لا تعد هذا تأخيراً كبيراً".

بدوره، قال المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي عمر تشيليك إن "المسائل الأمنية لتركيا لا تتبع لأي مراوغة أو مماطلة أو مساومة، قد ندخل فجأة إلى هناك"، في إشارة إلى منطقة شرق الفرات.

يأتي ذلك بعد زيارة قام بها بولتون لإسرائيل، وزيارات مرتقبة لوزير الخارجية الأميركي لعدد من دول المنطقة. وحدّد بولتون، الأحد، شروط انسحاب قوات بلاده من سوريا قائلاً بأنه يجب ضمان الدفاع عن حلفاء الولايات المتحدة أولاً. وتشير هذه التصريحات التي جاءت خلال زيارة قام بها بولتون إلى إسرائيل إلى أن الانسحاب الأميركي سيكون أبطأ ممّا صرّح به ترمب سابقاً. فيما نقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير في الإدارة الأميركية قوله إن بولتون أكد أن أمريكا لن تنسحب من قاعدة التنف في سوريا في هذه المرحلة.

من جهته، قال أردوغان إن بلاده تريد "تنفيذ إستراتيجية شاملة من شأنها القضاء على الأسباب الكامنة وراء الراديكالية" في الشمال السوري من خلال خطوتين أساسيتين، الأولى هي تأسيس قوة استقرار تضم محاربين من كافة أطياف المجتمع السوري.

أما الخطوة الثانية، فتكمن في "تحقيق التمثيل السياسي الكافي لكل الأطياف. فكل الأراضي السورية الواقعة تحت سيطرة تنظيم YPG أو داعش، ستتم إدارتها من قِبل المجالس المحلية المعلنة بانتخابات من قبل الشعب، وذلك تحت رقابة تركية" حسب تعبير أردوغان.

كما أعلن الرئيس التركي أن بلاده "ستبدأ قريباً جداً التحرك ضد التنظيمات الإرهابية في الأراضي السورية". وقال أردوغان في كلمة له، الثلاثاء، "على الرغم من توصُّلنا إلى اتفاق واضح مع ترمب (بشأن شرق الفرات) فإن هناك أصواتاً مختلفة بدأت تصدر من إدارته". وأضاف أردوغان أن مستشار الأمن القومي الأميركي ارتكب خطأ جسيماً في تصريحاته بشأن سوريا، والتي دافع فيها عن شركاء بلاده من تنظيمات YPG/PYD الامتداد السوري لتنظيم PKK المصنف إرهابياً.

الخلفيات والدوافع: تخشى تركيا من تمدّد جماعات PYD/YPG التابعة لتنظيم PKK المصنّف إرهابياً على حدودها في شمال سوريا، وهو ما دفعها إلى إعلان اعتزامها إطلاق عملية "شرق الفرات" قبل أن تؤجلها مؤقتاً، بعد أن أعلن الرئيس الأميركي بشكل مفاجئ في 19 ديسمبر/كانون الأول سحب قوات بلاده من سوريا.

وتسعى تركيا منذ ذلك الحين إلى التنسيق مع الجانبين الأميركي والروسي وهو ما أشار إليه أردوغان في مقاله. إذ اتفقت روسيا وتركيا خلال محادثات جرت في موسكو أواخر شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، على تنسيق تحركاتهما الميدانية في سوريا بعد أن أجرى وفد تركي محادثات في موسكو جمعت وزراء الخارجية والدفاع في البلدين، إضافة إلى عدد من المسؤولين في الاستخبارات.

ميدانياً، يبدو أن تحرّكات من جهات عدّة تظهر على السطح في الأيام القليلة الماضية، ففي الوقت الذي تواصل فيه أنقرة إرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع سوريا استعداداً لعملية "شرق الفرات" المرتقَبة، قامت تنظيمات YPG وPYD، الامتداد السوري لتنظيم PKK المصنف إرهابياً بدعوة قوّات النظام السوري لحماية بلدة منبج، في حين تستمر مواجهات ميدانية بين ما يعرف باسم هيئة تحرير الشام الإسلامية (النصرة) المصنّفة إرهابية، وفصائل من الجيش الحرّ في بلدة الأتارب ومنطقة ريف إدلب شمال غربيّ البلاد.

ما التالي: وحول التوجّه التركي في الشمال السوري، قال الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات أحمد حسين إنه "لا شكّ أنّ هناك تحالفاً يربط تركيا بمجموعة من الفصائل السورية المعارضة المقاتلة على الأرض خصوصاً في منطقة غرب الفرات".

وأضاف حسين في تصريح لـTRT عربي أن تركيا اليوم تراقب الوضع في الشمال السوري وتهتم به لأنه يمسّ أمنها القومي، فهي من جهة "تتهيّب مما قد تنجم عنه المواجهات بين فصائل سورية معارضة وهيئة تحرير الشام الإسلامية (النصرة) في منطقة غرب الفرات، ومن جهة أخرى تراقب تطورات الوضع في منطقة شرق الفرات قبيل الانسحاب الأميركي المرتقب".

وأوضح حسين أن هذه التطورات "ربما جعلت تركيا تعيد النظر في سياساتها تجاه الوضع في شمال سوريا، وعليه فإن السلوك التركي عسكرياً في المنطقة سيتغير وسيكون مبنياً على طبيعة الانسحاب الأميركي الذي لم تتبين ملامحه حتى الآن، وطبيعة التحالفات التي ستقوم بها تنظيمات YPG وPYD في المرحلة المقبلة".

وفي هذا الصدد، أشار حسين إلى وجود حديث حول "إمكانية فتح هذه التنظيمات علاقات مع القوات الفرنسية المحدودة الموجودة شرق الفرات طلباً للحماية، والحصول على غطاء دولي، أو تطبيع العلاقات مع النظام السوري".

وأضاف حسين أن "التحوّلات في الإقليم بشكل عام عامل أساسيّ في تغيّر التوجه التركي، فتركيا أصلحت علاقاتها بالأميركيين، وتحاول إمساك العصا من الوسط وإحداث نوع من التوازن مع علاقاتها الأخرى سواء مع إيران أو روسيا الفاعل الأساسي في المشهد السوري".

وأوضح حسين أن "هذه العوامل كلها هي التي ستحدد طبيعة التغيّرات في التوجه التركي ومقال أردوغان هو بمثابة مقدّمة لهذا التغير".

المصدر: TRT عربي