رغم أن إيران تُعَدّ دولة كبيرة تمتلك قوة عسكرية معتبرة جوّاً وبحراً وبرّاً، فإن هذه القوة يعتمد جزء كبير منها على أسلحة ومعدّات تعود إلى حقبة الشاه، وقد استُهلك قسم واسع منها خلال الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي.
وفي ظل العقوبات الدولية، وعدم قدرة طهران على تحديث ترسانتها العسكرية من الشرق أو الغرب، اتجهت العقيدة العسكرية الإيرانية نحو تبني نمط الحرب اللا متماثلة، باعتباره خياراً عملياً لتعويض الفجوة التكنولوجية.
البحرية الإيرانية
تتوزع بنية القوات المسلحة الإيرانية على فرعين رئيسيين: الأول هو الجيش النظامي، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على معدّات تعود إلى حقبة الشاه، إلى جانب منظومات محدودة التطور تنتجها الصناعات العسكرية المحلية.
أما الفرع الثاني فهو الحرس الثوري، الذي يمتلك بدوره قوة بحرية ترتكز بشكل أساسي على أسطول واسع من الزوارق السريعة الصغيرة، المأهولة وغير المأهولة، باعتبارها أداة رئيسية في تكتيكات الاشتباك غير المتكافئ.
فالزوارق المأهولة تُعَدّ صغيرة الحجم، إذ لا تتجاوز إزاحتها نحو 10 أطنان، وتُجهز إما بعدد محدود من قاذفات الصواريخ غير الموجهة عيار 220 ملم، وإما بصاروخين بحريين موجهين بمدى يتراوح بين 100 و200 كيلومتر، وهو مدى كافٍ لاستهداف السفن المدنية في معظم مناطق الخليج، وليس فقط داخل مضيق هرمز. كما يمتلك بعض هذه الزوارق القدرة على زرع الألغام البحرية.
وبالنظر إلى طبيعة هذه الوسائط ودورها في بيئة الحرب اللا متماثلة، يبقى عددها غير محسوم، إذ تشير تقديرات مراكز بحثية غربية إلى أنها بالمئات، فيما ترفعها تقديرات أخرى إلى الآلاف.
وفي موازاة ذلك، برزت الزوارق غير المأهولة (USV) كعنصر متزايد الأهمية، خصوصاً بعد استخدامها المكثف من قبل أوكرانيا ضد الأسطول الروسي في البحر الأسود. ورغم غياب دلائل مادية سابقة على امتلاك إيران لهذا النوع من الوسائط، فإن ظهوره كان متوقعاً في ضوء خبرتها في تطوير المسيّرات الجوية.
وقد تأكد استخدامه عملياً في 2 مارس/آذار الماضي، عبر استهداف ناقلة النفط MKD VYOM قبالة السواحل العمانية، قبل أن يتكرر السيناريو في 12 مارس/آذار باستهداف ناقلتي نفط جنوب البصرة. ومع ذلك، لا تتوفر تقديرات دقيقة بشأن عدد هذه الزوارق.
أما الغواصات المسيّرة (UUV) فتُعَدّ من أخطر الأدوات المحتملة لدى الحرس الثوري، رغم عدم استخدامها حتى الآن. ويُشار في هذا السياق إلى غواصة نظير-5، التي كُشف عنها لأول مرة عام 2020، وتتمتع بقدرة على الإبحار تحت الماء لساعات طويلة، مع إمكانية إطلاق طوربيدات أو زرع ألغام بحرية، ويُعتقد أنها قادرة على العمل لأكثر من 24 ساعة متواصلة.
وتتكامل هذه القدرات مع بنية تحتية عسكرية معقدة، تشمل ما يُعرف بـ"مدن الصواريخ" المحصنة تحت الأرض داخل الجبال، إلى جانب منشآت مشابهة قرب السواحل، يُعتقد أنها تضم الزوارق السريعة والمسيّرات البحرية المخصصة لتعطيل الملاحة في مضيق هرمز.
كما تضم هذه المنظومة منصات إطلاق صواريخ ساحلية، إلى جانب الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، حيث تحتوي المواقع المحصنة على صواريخ بحرية يتراوح مداها بين 100 و700 كيلومتر، ما يمنحها القدرة على الوصول إلى معظم مناطق الخليج.
البحرية الأمريكية والتهديدات اللا متماثلة
وعلى خلاف البحرية الإيرانية التي تعتمد على استراتيجية الدفاع السلبي، ترتكز العقيدة الأمريكية على مفهوم الردع المتقدم، من خلال الانتشار الواسع في البحار والممرات الحيوية، بهدف ردع الخصوم وتأمين الملاحة الدولية، خصوصاً في المضايق الاستراتيجية مثل مضيق هرمز وباب المندب.
غير أن هذا التفوق واجه تحديات منذ مطلع التسعينيات، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي وتصاعد التهديدات غير التقليدية، إذ برزت فجوة في قدرة البحرية الأمريكية على التعامل مع الزوارق السريعة منخفضة الكلفة العاملة في المياه الضحلة، باستخدام المدمرات والطرادات الثقيلة المصممة للعمليات في أعالي البحار.
وأمام هذه الإشكالية، برزت الحاجة إلى تطوير فئة جديدة من السفن المتوسطة، بحجم الفرقاطات أو القرويطات الكبيرة، تتميز بتكاليف تشغيل أقل، وسرعة أعلى، وقدرة أكبر على المناورة. كما كان من الضروري تحديث قدرات مكافحة الألغام، التي كانت تعتمد على منصات قديمة. وعلى هذا الأساس أطلقت البحرية الأمريكية برنامج سفن القتال الساحلي (Littoral Combat Ships - LCS) لتلبية هذه المتطلبات.
غير أن البرنامج واجه منذ بداياته مشكلات تمويلية، دفعت البحرية الأمريكية إلى التنازل عن بعض المعايير، أبرزها مستوى الحماية، الذي انخفض إلى مستوى 1+، وهو مستوى لا يختلف كثيراً عن الحماية المتوفرة في السفن التجارية. وقد بدا هذا التنازل مبرراً في حينه، باعتبار أن هذه السفن صُممت لمواجهة زوارق خفيفة مسلحة بأسلحة رشاشة.
ومع دخول هذه السفن الخدمة بأعداد كبيرة، ظهرت مشكلات إضافية تتعلق بأنظمة الدفع وبنية الهيكل، ما أدى إلى إخراج عدد منها من الخدمة خلال أقل من خمس سنوات. كما لم تُستخدم فعلياً في أي عمليات قتالية في بيئات المياه الضحلة، سواء في الشرق الأوسط أو غيره، رغم أنها صُممت أساساً لهذا الغرض، وذلك في ظل تصاعد تهديدات الصواريخ البحرية منخفضة الكلفة القادمة من إيران والصين.
ورغم تمركز ثلاث سفن من هذا النوع ضمن الأسطول الخامس الأمريكي في البحرين، فإنها سُحبت جميعها قبل اندلاع الحرب بأيام، نتيجة عدم قدرتها على تحمل إصابة مباشرة حتى من صواريخ بحرية محدودة التأثير.
وتُعَدّ هذه الفئة من السفن، في الوقت الراهن، من بين الوسائط القليلة داخل البحرية الأمريكية القادرة على تنفيذ مهام مكافحة الألغام، ما يعني أن أي تأكيد لزرع ألغام في مضيق هرمز سيجعل البحرية الأمريكية، رغم تفوقها، بحاجة إلى دعم خارجي لإزالة تلك الألغام حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية.
خيارات واشنطن في هرمز
تتمركز المدمرات الأمريكية السبع في شمال وشرق بحر العرب. ورغم أن اثنتين منها اقتربتا، في بداية العمليات، إلى مسافة تُقدّر بنحو 300 كيلومتر من السواحل الإيرانية، فإن تصاعد الهجمات الإيرانية دفعهما، إلى جانب حاملة الطائرات لينكولن، إلى التراجع. ومع مرور أكثر من ثلاثة أسابيع على انطلاق الحملة، أعادت جميع المدمرات تموضعها على مسافات تتراوح بين 700 و1000 كيلومتر، بهدف البقاء خارج نطاق الصواريخ والطائرات المسيّرة البحرية الإيرانية.
في ضوء هذا الواقع العملياتي، تبرز مقاربتان رئيسيتان لتأمين مضيق هرمز، تختلفان من حيث الكلفة والفاعلية والمخاطر.
المقاربة الأولى تقوم على مرافقة القِطَع البحرية الأمريكية لناقلات النفط في أثناء عبورها المضيق. ورغم امتلاك المدمرات الأمريكية قدرات متقدمة في مواجهة التهديدات الصاروخية، فإن فاعليتها تتراجع في البيئات الضيقة والقريبة، مثل الخليج العربي، حيث تنخفض مسافات الاشتباك إلى بضعة كيلومترات، خصوصاً عند المرور قرب الجزر الإيرانية أو داخل المضيق نفسه.
كما تفتقر هذه المدمرات إلى قدرات فعالة للتعامل مع الألغام البحرية، ما يشكل ثغرة حاسمة ويجعل هذا الخيار محفوفاً بالمخاطر ومحدود الجدوى على المستوى العملياتي.
في المقابل، تطرح المقاربة الثانية سيناريو عسكرياً متعدد المراحل يُعَدّ الأقرب للتطبيق، لكنه أكثر تعقيداً وكلفة. يبدأ هذا السيناريو بتركيز العمليات الجوية على الشريط الساحلي الغربي لإيران، بهدف استهداف مداخل ومخارج "مدن الصواريخ" المحصنة في المناطق الجبلية وتقليص التهديد الصاروخي الموجه ضد القطع البحرية.
ثم يتطلب الانتقال إلى مرحلة السيطرة على الجزر الاستراتيجية الإيرانية في الخليج، مدعوماً بوصول مجموعتَي الإنزال البحري تريبولي وبوكسر، اللتين تحملان قوات من مشاة البحرية، وتشمل كل مجموعة سفينة هجومية برمائية تضم نحو 12 مقاتلة من طراز F-35B القادرة على الإقلاع العمودي، إضافة إلى مروحيات أوسبري وMH-60 المجهزة أيضاً للاشتباك مع الزوارق الإيرانية.
وفي المرحلة اللاحقة، يتعين توسيع نطاق السيطرة الجوية لمسافة تتراوح بين 100 و200 كيلومتر داخل الأراضي الإيرانية المحاذية للمضيق، عبر تنفيذ طلعات جوية مكثفة على ارتفاعات منخفضة لتحييد أي تهديد صاروخي بحري.
ورغم أن هذا السيناريو يُعَدّ الأكثر قابلية للتنفيذ، فإنه ينطوي على مخاطر مرتفعة، في مقدمتها احتمال تكبد خسائر بشرية خلال عمليات السيطرة على الجزر، إلى جانب تعقيدات البيئة الجغرافية في غرب إيران، التي توفر ظروفاً مناسبة لتنفيذ كمائن جوية ضد الطائرات منخفضة الارتفاع.













