وانقسم المشاركون في المؤتمر إلى ثلاث مقاربات رئيسية: المقاربة الأولى ذهبت إلى أن النظام الدولي دخل مرحلة الانهيار الفعلي، بمعنى أنه لم يعد قائماً بصورته التي عُرفت بعد نهاية الحرب الباردة.
ومثّل هذا التوجه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي قال: "أخشى أننا مضطرون إلى قول الحقيقة بوضوح أكبر: لقد انتهى وجوده"، في إشارة إلى النظام الليبرالي الذي حكم العلاقات الدولية خلال العقود الماضية.
أما المقاربة الثانية فاعتبرت أن النظام لا يزال قائماً، لكنه يعاني أضراراً عميقة أو إصابات بنيوية تهدد فاعليته، وعبّر عن هذا الاتجاه عدد من المسؤولين، من بينهم رئيسة منظمة التجارة العالمية، نغوزي أوكونجو إيويالا، ووزير الخارجية الهندي سوبرامانيام جايشانكار.
في المقابل، تبنّى الجانب الأمريكي رؤية مختلفة مفادها أن النظام الدولي لا ينهار ولا يتفكك، بل يمر بمرحلة إعادة بناء وإصلاح. وقد عبّر عن هذا الموقف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وكذلك سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة مايكل والتز، الذي أشار إلى أن ضغوط الرئيس دونالد ترمب على حلف شمال الأطلسي أسهمت في دفع الحلفاء إلى زيادة مساهماتهم الدفاعية، معتبراً أن الضغوط الأمريكية على مؤسسات دولية مثل الأمم المتحدة تهدف إلى إعادتها إلى "أساسياتها" وتصحيح مسارها، لا إلى تقويضها.
غير أن اللافت في خطاب روبيو خلال المؤتمر أنه لم يؤسس الشراكة الغربية على قيم الديمقراطية الليبرالية كما درج الخطاب الأمريكي تقليدياً، بل ركّز على التاريخ المشترك والإيمان المسيحي، وهو ما عُدّ تحولاً في المرجعية الخطابية، يعكس تراجعاً عن التأكيد الصريح على قواعد النظام الدولي القائم على الانفتاح التجاري والمؤسسات متعددة الأطراف.
ورغم هذا التباين في تشخيص الواقع، برز قدر من التوافق بين معظم الدول الأوروبية، على الأقل، حول ضرورة التحرك العاجل لمواجهة التحديات، سواء عبر استكشاف تحالفات جديدة أم من خلال تعزيز أدوات الدفاع عن القيم والقواعد التي شكّلت أساس النظام الغربي.
غير أن موازين القوة الراهنة توحي بأن أوروبا، رغم خطابها الداعي إلى استكشاف تحالفات جديدة، لا تزال أضعف من أن تقود عملية إعادة تشكيل واسعة للنظام الدولي.
وفي أفضل الأحوال، كما أشار عدد من الباحثين الذين ناقشوا وثائق المؤتمر، يبدو أن الحراك الأوروبي يقترب من محاولة صياغة سردية وهوية مشتركة أكثر منه توافقاً فعلياً على بنية مؤسسية جديدة تعيد تعريف قواعد اللعبة الدولية.
تآكل التجانس وتأكيد الذات في المعسكر الغربي
لم تكن التباينات بين الولايات المتحدة وأوروبا وليدة اللحظة، بل بدأت ملامحها تظهر تدريجياً منذ نهاية الحرب الباردة عام 1991. وخلال العقود التالية برزت نقاط اختلاف متكررة، تمثلت في التباين حول الحرب على العراق عام 2003، ثم في إدارة تداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008، ولاحقاً في صعود التيارات الشعبوية داخل المجتمعات الغربية.
غير أن حدثين مفصليين عمّقا هذا المسار: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وانتخاب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة.
أثار "بريكست" نقاشاً واسعاً حول جدوى مشروع الاندماج الأوروبي، ولا سيما أن الاتحاد الأوروبي مثّل، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، أبرز مشروع مؤسسي غربي قائم على التكامل الاقتصادي والسياسي. وجاء انسحاب لندن ليعيد طرح تساؤلات حول تماسك المشروع الأوروبي وقدرته على الاستمرار بوصفه إطاراً جامعاً للقوى الأوروبية الكبرى.
أما فوز ترمب فقد حمل معه موجة جديدة من الانقسامات عبر الأطلسي، فقد شكك في جدوى حلف شمال الأطلسي، وهاجم المنظمات الدولية متعددة الأطراف، بل سعى إلى إنشاء أطر بديلة عنها.
ويُعد "مجلس السلام" الذي أنشأه ترمب مؤخراً مثالاً على ذلك، إذ طُرح بوصفه بديلاً لجهود الأمم المتحدة، رغم الإشارة المحدودة إلى ضرورة التنسيق معها. وقد امتنعت عدة دول أوروبية عن الانضمام إلى هذا المجلس، في مؤشر على تحفظها إزاء هذا التوجه.
أمام هذه التطورات، باتت التشققات داخل الكتلة الغربية أكثر وضوحاً، فلم تعد هذه الكتلة متجانسة أو متماسكة كما في السابق، بل تتجه نحو التباعد في ملفات استراتيجية عدة.
ويبرز في مقدمة هذه الملفات اختلاف سلم الأولويات في ما يتعلق بالتهديدات: فبالنسبة لأوروبا تمثل روسيا التهديد الأكثر إلحاحاً ومباشرة، بينما ترى الولايات المتحدة أن الصين هي الخصم الاستراتيجي الأول. ونتيجة لذلك لم يعد هناك "عدو موحد" يجمع الرؤية الغربية، ما يضعف قاعدة الاصطفاف التقليدي.
تحاول واشنطن، انطلاقاً من ثقلها السياسي والعسكري، دفع أوروبا إلى إعادة تنظيم استراتيجياتها وفق التصور الأمريكي، في حين تتصاعد داخل القارة الأوروبية دعوات إلى إعادة تعريف الدور الأوروبي من منظور أوروبي مستقل. وقد عكست نقاشات مؤتمر ميونخ هذا الميل بوضوح.
تحدثت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، عن الحاجة إلى استراتيجية أمنية أوروبية جديدة، تتجاوز الافتراض الدائم لاستمرار المظلة الأمريكية، ودعت إلى تطوير عقيدة تمكّن أوروبا من الدفاع عن أراضيها وقيمها بشكل ذاتي.
كما شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية"، بوصفه إطاراً ضرورياً لمستقبل أوروبا في بيئة دولية مضطربة. أما المستشار الألماني فريدريش ميرتس فأكد أن النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد موجوداً، في إشارة إلى تراجع المرجعية المشتركة التي حكمت العلاقات عبر الأطلسي.
وتعكس هذه المواقف توجهاً أوروبياً متنامياً لبناء الاستراتيجيات انطلاقاً من تقييم التهديدات المباشرة للقارة، لا وفق الأولويات الأمريكية، كما تعبّر عن رفض متزايد لما يُنظر إليه كوصاية أمريكية على القرار الأوروبي.
ومن هنا تتركز المقترحات المطروحة حالياً حول تعزيز المشاريع الدفاعية المشتركة، بما في ذلك التعاون النووي، بهدف إنشاء أدوات قوة تدعم فكرة الاستقلالية الدولية أو ما يمكن تسميته "تأكيد الذات" في عالم تحكمه سياسات القوة.
وفي المقابل، يرى بعض الأوروبيين أن الولايات المتحدة، التي اعتُبرت تقليدياً حامية للنظام الدولي، أصبحت تحت قيادة تميل إلى الهدم وإعادة الصياغة الجذرية بدلاً من الإصلاح التدريجي، وأنها أسهمت بنفسها في تفكيك عدد من القواعد والهياكل القائمة على التعاون متعدد الأطراف.
في هذا السياق، يركز الأوروبيون على إنشاء سوق موحدة للدفاع، وتوسيع التعاون الأمني مع شركاء خارج الاتحاد الأوروبي، وفتح نقاش جدي حول البعد الأوروبي للردع النووي الفرنسي والبريطاني.
وتبرز قضيتا أوكرانيا وغرينلاند بوصفهما اختبارين مباشرين لقدرة أوروبا على ترجمة هذا الخطاب إلى سياسات عملية؛ إذ تبدو القارة مصممة على مواصلة دعم أوكرانيا، في حين ترفض الطروحات الأمريكية المتعلقة بضم غرينلاند، بما يعكس سعياً أوروبياً متزايداً لإعادة تعريف موقعها ودورها في النظام الدولي المتحوّل.















