فاجأت هجمة مركّزة وعنيفة شنّها الإعلام الروسي على نظام بشار الأسد في سوريا قبل أيام المتابعين، إذ اتهمه بالفساد والضعف، كما اتهم رأسه بعدم السيطرة على الوضع، بل ذهب إلى التشكيك بشعبيته وتذكيره بمصدر شرعيته الوحيد وهو التدخل الروسي.

على الرغم من أن هجمة الإعلام الروسي على نظام بشار الأسد ليست الأولى من نوعها، فقد سبق أن وجهت صحف روسية انتقادات محددة للنظام السوري مرة على الصعيد العسكري ومرة على الصعيد السياسي، لكنها ظلت انتقادات محدودة تحت سقف علاقات التحالف بين الجانبين، بينما تعتبر هجمة الصحافة الروسية الأخيرة الأعنف والأكثر حدة وتركيزاً حتى الآن والأكثر دلالة وفق مراقبين، وانطلقت من حقيقة الفساد الذي يضرب جذوره في النظام من أعلاه إلى أدناه.

وتنبع أهمية الهجوم ورمزيته من كونه يأتي من وكالة الأنباء الفيدرالية الروسية، وهي جهة إعلامية مملوكة للملياردير المقرب من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يفغيني بيغوجين الملقب بـ"طباخ الكرملين"، وهو ممول مجموعة فاغنر للمرتزقة الروس الذين يقاتلون في سوريا وليبيا، كما أنه الجهة الروسية التي تملك حق استثمار عدد من حقول النفط والغاز السورية في إطار صفقة أبرمت مع نظام الأسد.

نشرت وكالة الأنباء الفيدرالية في 16 أبريل/نيسان الجاري، 3 تقارير متتالية في أقل من ثلاث ساعات، ركز الأول منها على الفساد المستشري في حكومة عماد خميس رئيس وزراء النظام، معتبراً أن "الفساد على المستويات السياسية العليا" في النظام يعوق الشراكة الاقتصادية بين روسيا وسوريا.

واتهم التقرير حكومة خميس بتعمُّد الكذب على الشعب بشأن إمدادات النفط والغاز لتبرير طول ساعات انقطاع التيار الكهربائي، واتهمت خميس شخصياً بتكديس الأموال من تصدير الكهرباء إلى لبنان اعتباراً من 2019، وإرسال أموال الفاسدين إلى الغرب.

ترافق هذا الهجوم المكثف مع تداول صحف روسية مضمون خبر نُقل في الأصل عن تغريدة باللغة العربية كشفت عن شراء الأسد لزوجته أسماء لوحة لفنان بريطاني بقيمة 30 مليون دولار.

أما التقرير الثاني فهو عبارة عن استطلاع للرأي أظهر أن شعبية الأسد تراجعت كثيراً على خلفية الفساد المتجذر حتى في الدائرة المقربة من رأس النظام بالإضافة إلى المشاكل الاقتصادية في البلاد، وأن 32% من السوريين فقط من يمكن أن يصوتوا له في انتخابات العام القادم، في إشارة إلى افتقار رأس النظام للشرعية الشعبية، وأن الفضل في بقائه في السلطة يعود إلى روسيا التي أنقذته وليس إلى التفاف الجماهير حوله. ولفت التقرير إلى أن الناس ينتظرون إصلاحات وسياسيين أقوياء "جدداً" في السلطة قادرين على تجاوز الأزمة، معتبراً أن "القيادة الحالية لم تلبِّ هذه التطلعات حتى الآن".

فيما ركز التقرير الثالث على القيود والعقبات التي تواجه الشركات والاستثمارات الروسية في سوريا، وافتقار الأسد إلى الإرادة والتصميم في مواجهة الفساد ومراكز النفوذ داخل نظامه، داعياً روسيا إلى أن تقوم بنفسها بهذه المهمة، وقال: "إذا كان الفساد أسوأ من الإرهاب حسب أقوال الأسد"، فإنه يجب "على روسيا أن تهزم الفساد في سوريا بالطريقة التي هزمت بها الإرهاب".

ترافق هذا الهجوم المكثف مع تداول صحف روسية مضمون خبر نُقل في الأصل عن تغريدة باللغة العربية كشفت عن شراء الأسد لزوجته أسماء لوحة لفنان بريطاني بقيمة 30 مليون دولار. وعلى الرغم من عدم موثوقية الحساب الذي تناقلت عنه الصحف الروسية ومنها صحيفة غوزنوفوستي وروسبالت ومواقع وصحف أخرى، فإن مجرد تناقل هذه الصحف لمضمون التغريدة مع ما يحمله من تعليق حول الثراء الفاحش الذي تعيش به عائلة الأسد في وقت يرزح فيه معظم الشعب السوري تحت خط الفقر لهو أمر ذو دلالة من حيث المضمون والتوقيت.

ويأتي هذا الهجوم في ظل أزمة اقتصادية عالمية خلفتها تدابير احتواء تفشي وباء كوفيد-19 على مستوى العالم، كما يأتي مع اقتراب تطبيق قانون قيصر الأمريكي، الذي يحمل عقوبات غير مسبوقة على نظام الأسد وداعميه وعلى رأسهم روسيا وإيران.

"عراقيل يسببها الفاسدون"

وحول دلالة الحملة الإعلامية الروسية على نظام الأسد وتوقيتها من الناحية الاقتصادية، رجح الباحث السياسي السوري عبد الوهاب عاصي أن تكون روسيا غير راضية إطلاقاً عن طريقة إدارة النظام السوري للأزمة الاقتصادية، إذ يبدو أنه لا يلتزم توجيهاتها، ما قد يجعلها غير مستعدة لتحمل تكاليف ذلك بمفردها.

روسيا غير راضية إطلاقاً عن طريقة إدارة النظام السوري للأزمة الاقتصادية، إذ يبدو أنه لا يلتزم توجيهاتها ما قد يجعلها غير مستعدة لتحمل تكاليف ذلك بمفردها.

عبد الوهاب عاصي، باحث سياسي سوري

ولفت "عاصي" في هذا الصدد، في حديثه مع TRT عربي، إلى "قرب دخول قانون قيصر حيز التنفيذ وعدم وجود بوادر لتخفيف العقوبات الاقتصادية، مع مخاوف من تفاقم تأثير كورونا على قدرة النظام في السيطرة على الاقتصاد المنهار".

وبالإضافة إلى ما سبق، فإن روسيا قد تكون، حسب الباحث السياسي، متخوفة من عدم قدرة بشار الأسد على الحفاظ على شبكة الأمان الاجتماعي والسياسي التي أسسها النظام السوري على مدار العقود الخمسة الماضية، بسبب تنامي الخلافات واستمرارها مع الطبقة السياسية والاقتصادية الجديدة في الطائفة العلوية، وبسبب سلوكه في التعامل مع شبكة المحسوبية، مما قد ينعكس على استقرار النظام السياسي ويدفع نحو توسيع الفجوة الأمنية في مناطق سيطرته.

من جهته، ساق الإعلامي والخبير بالشأن الروسي نصر اليوسف، سببين ذوي طابع اقتصادي قادا إلى الهجمة الإعلامية الروسية الأخيرة على النظام السوري.

فالسبب الأول، كما يقول اليوسف في حديث مع TRT عربي، هو أن الشركات الروسية بدأت تواجه "مشاكل وعراقيل يسببها الفاسدون، وهذا يشمل النظام برمته"، موضحاً: "تفيد تقارير بأن الشركات الروسية تتعرض للابتزاز، حتى ذهب بعض الروس إلى القول إن السوريين يفضلون إرساء العروض والمناقصات والمزادات على الشركات الصينية".

ويفسر الخبير بالشأن الروسي ذلك بالقول إنه "إذا كان الصينيون يعرفون كيف يدفعون الرشوة، فالروس ليسوا أقل معرفة بهذا الأمر، لكنهم يرون أنه يجب أن لا يدفعوا لأنهم أنقذوا النظام".

أما السبب الثاني وفقاً للإعلامي السوري، فهو الوضع الاقتصادي في روسيا، مشيراً إلى أنه في الآونة الاخيرة مع تعرُّض روسيا للإغلاق التام بسبب جائحة كوفيد-19 عانى اقتصادها، وباتت الشركات تبحث عن مصادر دخل أخرى، في وقت تريد الدولة نفسها لهذه الشركات أن تأخذ حيزاً من ما يسمى بإعادة الإعمار في سوريا، سواء الفوسفات أو النفط أو الغاز أو استثمار المطارات والمواني.

"بازار مفتوح"

وتزامنت الرسائل الروسية الإعلامية حول نظام الأسد مع حديث تقارير صحفية نقلاً عن مصادر إسرائيلية وغربية عن وضع مصير بشار الأسد على الطاولة وتفعيل اللجنة الدستورية والعملية السياسية، بخاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية السورية المقررة في العام القادم، فما حقيقة ما يدور في الكواليس، وهل جاءت الحملة الروسية على النظام السوري في هذا السياق؟

توجد دائماً تصريحات تؤكد أن الأسد جزء من المشكلة وبخاصة في مسألة النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا.

وائل علوان، باحث في مركز جسور للدراسات في إسطنبول

وائل علوان، الباحث في مركز جسور للدراسات ومقره إسطنبول، أكد عدم وجود حديث صريح عن مصير الأسد، لكنه استدرك بالقول: "توجد دائماً تصريحات تؤكد أن الأسد جزء من المشكلة، وبخاصة في مسألة النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا".

ويرى علوان في حديث مع TRT عربي، أنه بعد ما حصل في درعا من ازدياد النفوذ الإيراني وعدم التزام روسيا تعهداتها حيال ذلك، فإن من دول الغرب تصعيداً يتمثل بالإدانات المتتالية لنظام الأسد بارتكاب الانتهاكات والجنايات تمهيداً لعقوبات أكثر قسوة، وضغوطات متزايدة للحصول على تغييرات حقيقية من روسيا لا تتعلق فقط بمصير الأسد.

ولكن إلى أي حد تبدي روسيا استعداداً للتفاوض على مصير الأسد، وما الثمن الذي تطلبه؟ يجيب "علوان" بأن الحديث عن مصير الأسد كشخص مختلف بالنسبة إلى روسيا عن الحديث عن بنية النظام الأمنية والعسكرية وشكل الحكم. ويضيف: "روسيا مستعدة منذ بداية المسار السياسي للتنازل عن الأسد في جملة التنازلات ضمن مفاوضاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية لكن بالشكل الذي يضمن المصالح الروسية".

ويتفق الخبير بالشأن الروسي نصر اليوسف مع هذا الرأي، ويقول إن ما دعاه "البازار الروسي لبيع الأسد" مفتوح منذ سبتمبر/أيلول 2015، تاريخ بدء التدخل العسكري الروسي في سوريا. ويضيف: "الروس دخلوا سوريا أصلاً بقصد إلهاء الغرب بعدما فتحوا جبهة معه في أوكرانيا، أولاً بضم القرم، وثانياً بإشعال النزعة الانفصالية القوية جداً في جنوب شرق أوكرانيا".

ويذهب اليوسف إلى أن القضية الأوكرانية أهم للغرب وروسيا من سوريا وبشار الأسد، وأن أسهم الأخير ترتفع أو تنخفض تبعاً لطبيعة العلاقات بين روسيا والمجتمع الغربي. فوفقاً له، كلما طغت الصبغة الإيجابية على العلاقات بين روسيا أوروبا والولايات المتحدة انخفضت أسهم الأسد.

ويشير الإعلامي السوري إلى وجود عدد كبير من الخلافات والقضايا العالقة بين روسيا والغرب، مشدداً على أن "أي تنازل وأي ثمن يعتبره الروس جيداً سيبيعون مقابله الأسد ونظامه كاملاً".

ويبدو أنه في ظل لا مبالاة الغرب إزاء "البازار" الروسي على مصير شخص الأسد، وعدم تحمُّسه للمقايضة بين الملفين السوري والأوكراني، فخيارات روسيا تجاه النظام السوري وطريقة استثمار التدخل في سوريا سياسياً باتت أضيق، وتجعلها "أكثر اضطراراً" إلى الدخول "الجاد" في العملية السياسية بسوريا، لا سيما مع قرب دخول قانون قيصر حيز التنفيذ والخشية المستمرة من تدخل أمريكي خشن ضد الأسد، كما يرى الباحث في مركز جسور وائل علوان.

وبذلك، فقد تركت الإدارة الروسية للصحافة المقربة منها، حسب علوان أن ترسل الرسائل التي تؤكد رغبة روسيا الموضوعية في التخلي عن الأسد نتيجة "الفساد وسوء الإدارة".

المصدر: TRT عربي