قوات من الجيش التركي المشاركة في عملية نبع السلام في الشمال السوري (Others)

قبل الحديث عن مجريات أو مخرجات هذه العملية العسكرية، لا بد من الإشارة إلى أن تركيا كانت على مدار السنوات السابقة تحذر من خطوة الدعم الأمريكي المتواصل لتنظيم PYD/PKK الإرهابي بحجة محاربة تنظيم داعش، لا سيما وأن هذا الخطر كان يعتبر تهديداً حقيقيّاً للحدود التركية مع سوريا.

وإذا عدنا قليلاً بالذاكرة إلى أعوام 2014 و2015 وحتى 2016 سنتذكر العمليات الإرهابية التي نفذها التنظيم داخل الأراضي التركية وكيف أنه تسبب باستشهاد المدنيين والإضرار بالأمن التركي.

كثيراً ما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل إعلان عملية نبع السلام يحذر ويتوعد بأن القوات التركية يمكن أن تأتي بصورة مفاجئة لردع تهديد ذلك التنظيم الذراع السورية لمنظمة PKK الإرهابية، وبالفعل هذا ما حدث في نهاية المطاف، إذ إن القوات التركية رفقة الجيش الوطني السوري جاءت مباغتة ونجحت في تحييد خطر التنظيم وتهديده للحدود التركية و للمدنيين السوريين والأتراك على حد سواء.

لا يمكن التشكيك في شرعية العملية العسكرية التركية "نبع السلام"، لا سيما وأنها تأتي في ضوء القوانين الدولية وفي إطار الدفاع عن النفس وحماية الأمن القومي وتحقيق السلام للمدنيين داخل سوريا.

بدأت العملية العسكرية في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول مع إعلان الرئيس أردوغان ساعة الصفر، ولم يمض اليوم الأول حتى تمكنت القوات التركية مع الجيش الوطني السوري من دخول الأراضي الواقعة بين مدينة "تل أبيض" بمحافظة الرقة السورية وما يعرف بشرقي الفرات شمالي سوريا.

الأهم من ذلك هو أن عملية نبع السلام لم تستغرق شهوراً أو ربما سنين كما هو حال بعض الحروب التي تشهدها المنطقة وتفتك يوماً بعد يوم بالمدنيين وحياتهم ومستقبلهم، بل على العكس استغرقت نحو 8 أيام فقط، تمكنت فيها القوات المشاركة من تحرير مدينتي تل أبيض ورأس العين بالكامل من تنظيمَي PYD/PKK وداعش الإرهابيين، فضلاً عن تحرير نحو 600 منطقة سكنية على مساحة تزيد عن 4 آلاف كيلو متر مربع، والوصول إلى الطريق السريع M4 الاستراتيجي، دون أن يتسبب ذلك بقتل المدنيين أو تهجيرهم أو دمار بيوتهم، ودون الحاجة لتنفيذ غارات جوية عشوائية لا تفرق بين إرهابي ومدني أو بين منطقة عسكرية ومدرسة ومسجد ومناطق مأهولة، كما هو حال غارات التحالف الذي قادته الولايات المتحدة شمال شرقي سوريا بحجة محاربة تنظيم داعش الإرهابي.

ولا بد لنا من التوقف عند هذه النقطة التي تعتبر امتحاناً حقيقيّاً للأخلاق والإنسانية في ميدان الحروب، والمقارنة بين عمل عسكري يخدم المدنيين وعمل عسكري يدمرهم. ويكفي أن نعلم بأن هذه العملية العسكرية أتاحت لما لا يقل عن 250 ألف سوري في تركيا العودة طوعاً إلى منازلهم وأراضيهم بعد تحقيق الاستقرار فيها وطرد تنظيمات إرهابية كانت تمارس فصلاً عنصرياً وتجند الأطفال والفتيات وتقف عائقاً خطيراً أمام السلام.

بحلول اليوم التاسع لعملية نبع السلام، أي في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2019، توصلت تركيا والولايات المتحدة إلى اتفاق تمخض عن لقاء الرئيس أردوغان بنائب الرئيس الأمريكي آنذاك مايك بنس، يقضي بتعليق العملية العسكرية مدة 120 ساعة كمهلة من أجل انسحاب تنظيم PYD/PKK الإرهابي بعيداً عن الحدود التركية، تمهيدًا لإقامة المنطقة الآمنة التي كانت بالأصل هدف عملية نبع السلام العسكرية، والتي حددتها تركيا بمساحة 30 كيلو متراً من الحدود التركية.

وفي الوقت ذاته وفي يوم 22 من الشهر ذاته توصلت تركيا وروسيا خلال قمة سوتشي إلى قرار يقضي بتولي الشرطة العسكرية الروسية مع حرس الحدود السوري مهمة إخراج كل من تبقى من عناصر تنظيم PYD/PKK الإرهابي من عمق المنطقة الآمنة التي تبلغ مساحتها 30 كيلو متراً من الحدود التركية.

وهذا يعني أن العملية العسكرية التركية التي انطلقت بهدف إقامة منطقة آمنة قرب الحدود التركية قد حققت هدفها، وتمكنت من طرد عناصر التنظيم الإرهابي وتحييد خطره، بل والقضاء على مشروعه بالكامل الذي كان يهدف إلى إنشاء ممر إرهابي على الحدود الجنوبية لتركيا.

لا شك أن نجاح القوات التركية على الأرض خلال أسبوع فقط برفقة الجيش الوطني السوري الذي قدّم عشرات الشهداء خلال هذه العملية، ثم نجاح الساسة الأتراك على الطاولة بفرض إرادتهم وعدم التراجع عن تحقيق هدف عملية نبع السلام وإقامة منطقة آمنة للمدنيين فيها، يعتبر نجاحاً واضحاً في الميدان وعلى الطاولة بآن واحد.

مخرجات العملية

ذكرنا أن هناك فرقاً شاسعاً بين عمل عسكرى يخدم المدنيين وعمل عسكري يدمرهم ويحطم مستقبلهم واستقرارهم، وهذا ما تتميز به العمليات التركية التي قامت بها في الواقع، سواء من حيث السرعة وعدم إطالة أمد الصراع على حساب معاناة المدنيين، كذلك من حيث الدقة في الحفاظ على أرواح المدنيين ومنشآتها خلال مناوءة العدو.

والأهم من ذلك في الحقيقة هو ما بعد العملية العسكرية أي بعد أن تضع الحرب أوزارها، ماذا فعلت تركيا بعد ذلك؟

بعد مضي عامين من عملية نبع السلام من الملاحظ بوضوح حجم الاعتناء بجميع مفاصل الحياة المدنية والإحساس العميق بمسؤولية توفير سبل الاستقرار والأمن قدر المستطاع على الرغم من مواصلة التنظيم الإرهابي استهدافه للمدنيين عبر عمليات إرهابية دنيئة.

كما ذكرنا فقد سمحت عملية نبع السلام طيلة العامين الماضيين بعودة ما لا يقل عن 250 ألف سوري من تركيا إلى أراضيهم ومنازلهم. وساعدت تركيا أهالي المناطق المحرر في شرق الفرات بتأسيس مجالس محلية تعمل على تحقيق الاستقرار في المنطقة وإعادة الحياة لطبيعتها ومحو آثار الإرهاب ومعالجة مشاكل المدنيين وتوفير متطلباتهم.

فضلا عن اهتمام منظم بالجانب الصحي بشكل خاص، عبر توفير الخدمات الصحية المجانية عبر مستشفيين كبيرين، الأول في رأس العين بسعة 200 سرير، والثاني في تل أبيض بسعة 75 سريراً. فضلاً عن إقامة العديد من المراكز الصحية التي تستقبل المرضى المدنيين وتعالجهم بالمجان برعاية من وزارة الصحة التركية.

ناهيك عن تكثيف عمل المنظمات الإغاثية التركية مثل هيئة الإغاثة İHH والهلال الأحمر التركي ورئاسة إدارة الكوارث والطوارئ "آفاد" والعديد من الجمعيات الخيرية التركية والسورية، بهدف مساعدة المحتاجين وتوفير المواد الغذائية وأساسيات الحياة لهم.

مضى عامان على عملية نبع السلام ولا تزال تركيا تؤكد ضرورة إيقاف الدعم الأمريكي لتنظيم PYD/PKK الإرهابي، الذي لا يختلف عن تنظيم داعش الإرهابي، كما تدعو إلى ضرورة معالجة أزمة الهجرة واللجوء والنزوح من المنبع من خلال إقامة مناطق آمنة توفر الأمن والاستقرار للمدنيين بعيداً عن أي تهديد سواء من قبل التنظيمات الإرهابية أو من قبل النظام السوري الذي لا يقل بجرائمه ومجازره إرهاباً عنها.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي