الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان يقفان أمام الكاميرات قبل اجتماع ثنائي على هامش قمة الناتو في بروكسل في 13 يونيو (Others)

وذلك بعد انسحاب القوّات الأمريكية منه، على أن يلبي الحلفاء وعلى رأسهم الولايات المتّحدة الأمريكية الشروط المتعلّقة بهذا المقترح من الناحية السياسية والمالية واللوجستيّة.

وقد أثار هذا المقترح تساؤلات حول الرابط الذي يجمع هذه الدول في هذه المهمّة المقترحة. لباكستان على وجه التحديد علاقات تاريخية قويّة مع تركيا، ويوجد تنسيق عالٍ بينهما مؤخراً لا سيما على مستوى العلاقات الدفاعية والعسكرية. وسعت أنقرة خلال الأعوام القليلة الماضية إلى إشراك باكستان في مبادرات إقليمية متعددة، وتمّ دعوتها إلى قمّة كوالالمبور الإسلامية حيث ضغطت السعودية على إسلام آباد للاعتذار عن حضورها.

كما تمّ رفع التعاون السياسي والاقتصادي بين تركيا وباكستان إلى مستوى غير مسبوق خلال العامين الماضيين، لا سيما بعد الأزمة التي ضربت العلاقات الباكستانية مع الإمارات والسعودية. وقامت أنقرة بداية هذا العام بتشكيل مثلَّث يضمّ باكستان إلى جانب تركيا وأذربيجان يوظّف الروابط التاريخية والثقافية والقومية في خدمة أهداف سياسية واقتصادية وأمنيّة تزيد فاعلية الدول المتعاونة وقيمتها على المستوى الإقليمي والدولي وتحقق الربح المتبادل للجميع.

ضمن هذا السياق، ونظراً إلى موقع باكستان الجغرافي كجار لأفغانستان وعلاقاتها القويّة مع طالبان، فإنّ اقتراح اسمها ضمن آلية ثلاثية لتأمين مطار كابل يبدو مناسباً، سيما وأنّ حركة طالبان كانت قد أعلنت بشكل مسبق عن رفضها للمقترح التركي.

ولذلك تأمل أنقرة على الأرجح أن تقوم باكستان بالتأثير في قرار طالبان لتليين موقفها وإقناعها بأهمّية هذه العملية للأطراف المعنيّة بما في ذلك باكستان وأفغانستان.

كما يأمل الجانب التركي أيضاً أن يساعد إشراك باكستان في العملية على إبعاد أي مخاطر أمنيّة قد تتعرّض لها القوّات المخوَّل إليها حماية المطار في حال تمّت الموافقة على المقترح وتمّ إتخاذ كل التدابير اللازمة لتنفيذه محلّياً وإقليمياً ودولياً.

علاوةً على ذلك، ونظراً إلى العلاقات التركية-الباكستانية الصاعدة مؤخراً، تريد أنقرة لإسلام آباد دوراً أكبر في الإقليم وأن تخفّف الاعتماد على الشركاء الذين خذلوها في المرحلة الماضية. المقترح التركي سيعزّز قيمة باكستان في أعين الأمريكيين ويتيح لها رسمياً لعب دور أكبر في أفغانستان في المرحلة المقبلة بعد أن تمّ تقويض العلاقات الأمريكية-الباكستانية لفترة طويلة من الزمن وحرمان إسلام آباد من لعب أدوار أساسية في مقابل تعزيز أدوار دول أخرى غريمة أو منافسة كالهند وإيران.

وإن كان اقتراح اسم باكستان يبدو منطقياً، فإنّ اقتراح اسم المجر لاقى استغراباً وتساؤلات من قبل كثيرين.

المجر في نهاية المطاف ليست دولة قويّة سياسياً أو اقتصادياً أو عسكرياً، وليس من المعروف عنها قيادتها لمبادرات أمنيَّة أو دفاعية، وللوهلة الأولى يعتقد البعض أن لا سبب منطقيّاً لاختيارها.

وعلى الرغم من أنّه لم يجرِ مناقشة هذا الموضوع في الفضاء العام حتى الآن، أشار تقرير يتيم لـ"الميديل إيست آي" إلى أنّ السبب هو خبرة القوات المجريّة في حماية مطار كابل ومعرفتها بالتضاريس المحيطة به، بالإضافة إلى العلاقات الدفاعية القديمة مع أنقرة، الأمر الذي يجعل من السهل التنسيق معهم في مثل هذه المهمّة.

وقد عزا الموقع هذا التصريح إلى مسؤول تركي، لكنّ مثل هذا التقييم لا يبدو كافياً أو مقنعاً لتبرير طرح تركيا اسم المجر في الآلية الثلاثية المقترحة. صحيح أنّ المجر ساهمت بين عامَي 2010 و2013 في حماية مطار كابل، لكنّها لم تكن الدولة الوحيدة التي فعلت ذلك، كما أنّ عدد قواتها الموجودة حالياً في أفغانستان لا يتجاوز 9 جنود. إذاً ما السبب المحتمَل يا ترى؟

المجر دولة أوروبية صغيرة نسبياً، ولذلك فانّ طرح اسمها للمشاركة في مثل هذه الآلية يقلل إثارة أي حساسيات مفترضة لدى أي من الأطراف المعنيّة بما أنّ هذا الأمر يفترض أن ليس لديها أي أجندات أو طموحات أو محاولات لمدّ نفوذ. فضلاً عن ذلك، فهي دولة عضو في شمال الأطلسي، ووجودها سيكون بمثابة تمثيل للحلف. هذه المعطيات مفهومة، لكنّها ليست مبرّراً كافياً أيضاً لتفسير الموقف التركي، بخاصة إذا ما نظرنا إلى سياسات المجر في بعض الملفات كملف اللاجئين أو المهاجرين.

تمتلك المجر على سبيل المثال موقفاً متشدداً من هذا الملف، لكن المفارقة أنّ هذه السياسة هي التي تجعلها تقترح دوماً وقف تدفق اللاجئين انطلاقاً من الموقع الجغرافي المباشر للمشكلة، وذلك من خلال التعامل والتعاون مع دول مثل تركيا.

المجر كانت من الدول القليلة التي صرّحت بأنّها تدعم مقترح تركيا إنشاء منطقة آمنة في سوريا. يربط المجر بتركيا علاقات وثيقة وقديمة، ولديها بعض الآثار التركية التي تعود إلى الحقبة العثمانية، من بينها ضريح "غول بابا" الشهير. كما قاتل الجنود المجريون في الحرب العالمية الأولى إلى جانب الجيش العثماني.

تربط تركيا بالمجر علاقات متينة تزداد قوّة منذ إنشاء المجلس الاستراتيجي الأعلى بين البلدين في العام 2013. وقد دعمت المجر أنقرة في المنظمات الدولية بشكل مستمر لا سيما في الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا وحلف شمال الأطلسي. ومنذ انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي في العام 2004، أيّدت المجر ضم تركيا إلى الاتحاد بشكل مستمر بغض النظر عن الانتماءات السياسية للحكومات المتعاقبة فيها. ولتركيا أيضاً صورة إيجابية في الغالب لدى الغالبية المجرية.

في العام 2016، كانت المجر من الدول القليلة التي أدانت بشكل سريع المحاولة الانقلابية في تركيا، وفي العام 2018 صرّح المسؤولون المجريون بأنّ الاتحاد الأوروبي ليس صادقاً في جهود ضم تركيا، كما دعت بودابست دوماً إلى التعاون مع أنقرة في سوريا وليبيا. وتمّ تقديم المجر لصفة عضو مراقب في منظمة المجلس التركي (مجلس الدول الناطقة بالتركية) في سبتمبر من العام 2018، وتمّ افتتاح ممثلية للمجلس أيضاً في بودابست.

هذه المعطيات تجعل المجر بمثابة ركيزة مهمّة للسياسات التركية داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، ولذلك فانّ قيمتها الفعلية في هذا الجانب تتجاوز حجمها، وأنقرة حريصة على أن يكون التعاون معها نموذجاً لدول أخرى داخل الاتحاد بشكل يساعد على توسيع مجال التعاون الثنائي وتالياً رقعة النفوذ. للمجر أيضاً رغبة في أن تبرز بشكل أكبر داخل الاتحاد وحلف شمال الأطلسي وأن تعكس قيمة عالية لها، لأسباب عديدة من بينها الحسابات السياسية الداخلية للحكومة الحالية، ولذلك فإنّ المشاركة في مهمّة من هذا النوع في أفغانستان -إن تمّت- تحقق لها هذا الغرض.

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي