ثورات الربيع العربي (TRT World)

ولذلك كانت المطالبات بالأجور العادلة، وتوفير فرص العمل، وتحسين مستوى المعيشة، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية والبنى التحتية على رأس قائمة المطالبات التي رفعتها الجماهير الثائرة، غير أنه بعد تعثر الثورات العربية، إما بسقوطها في دائرة الاقتتال الأهلي، أو وأدها من قبل القوى السلطوية التقليدية، أو انحراف مسارها بسبب استقطابات سياسية آيديولوجية، أو بسبب التدخلات الإقليمية والدولية، كل هذا أدى إلى إهمال هذه المطالبات، بل وإلى مزيد من التدهور في الأوضاع الاقتصادية ومستوى المعيشة في غالبية دول الثورات العربية.

علاوة على ذلك، فإنه من الأسباب التي لا يمكن تجاهلها لاستمرار المعاناة الاقتصادية لشعوب هذه الدول هو عدم جاهزية قوى التغيير وعدم نضوج برامجها التنموية والاقتصادية، بما في ذلك القوى السياسية الإسلامية، باعتبارها إحدى هذه القوى الممثلة لتيار التغيير، والتي كانت تؤكد امتلاكها لرؤى تنموية، بل وحتى لنموذج اقتصادي، مغاير للأنماط السائدة، أكثر فاعلية وأخلاقية وعدالة في ذات الوقت.

هذا الزعم لم تدعمه لاحقاً الممارسة العملية لهذه الحركات حين شاركت في السلطة، كما في التجربة التونسية أو المغربية، وحتى في الخبرة السودانية التي كانت مهيمنة على السلطة لعقود ثلاثة. بل وفي السياقات غير العربية، حين تمكنت بعض الأحزاب المحافظة ذات النزعة الإسلامية كما في تركيا وماليزيا من إحداث نهضة اقتصادية ملموسة، لا يمكن القول بأن ما قدمته كان نموذجاً اقتصادياً مغايراً، بل كان استخداماً فعالاً لأدوات ورؤى تنموية نيوليبرالية.

بالطبع، يمكن أن يُعزى تواضع الأداء الاقتصادي للأحزاب الإسلامية إلى أسباب عديدة، مثل عدم تمكين قوى التغيير من أن يكون لديها سلطة فعلية في بعض الحالات، أو لنقص خبرة هذه القوى والأحزاب بعد أن كانت معزولة ومحاصرة من قبل النظم الاستبدادية لعقود عدة، أو للضغوط الإقليمية والدولية التي مورست ضدها لأسباب سياسية وآيديولوجية، لكن ذلك لا ينفي أسباباً أخرى أكثر جوهرية متعلقة بالرؤى الاقتصادية، أو ما يمكن تجاوزاً تسميته بالنظرية الاقتصادية، لهذه الأحزاب والحركات. هذه الأسباب يمكن إيجازها في نقاط عدة، أهمها:

أولاً، هيمنة سياسات الهوية على البرامج السياسية للحركات الإسلامية، فلعقود طويلة كان سؤال المرجعية، وتجلياتها في الدستور والنظام التشريعي والقضائي، والمناهج التربوية والتعليمية، والوظائف الدينية للدولة بشكل عام، وعلاقاتها الخارجية بالدول الإسلامية وقضاياها، ونحو ذلك من الموضوعات كانت ذات أولوية شبه مطلقة. صحيح، كان هناك دوماً في برامج هذه الأحزاب بنود متعلقة بالشأن الاقتصادي والتنمية، لكن كانت الصياغات فيها عادة أكثر عمومية وضبابية، تتضمن قائمة من الوظائف الاقتصادية والاجتماعية، ولا تجيب عن أسئلة أساسية كتلك التي تتناول التناقض بين الملكية الخاصة والمسؤولية المجتمعية، وبين التنمية وعدالة التوزيع، وبين الاستقلالية السياسية والاعتمادية (أو التبادلية) الاقتصادية.

ثانياً، المدخل "الأخلاقوي" للمعضلة الاقتصادية، أي تفسير الأزمات الاقتصادية من منطلق الممارسات الفردية والقضايا الأخلاقية، دون إعطاء اهتمام كافٍ بالعوامل البنيوية، فمن المؤكد أن إشكاليات مثل استشراء الفساد وغياب الشفافية والمحاسبة أو العلاقات الاستغلالية المرتبطة بالربا أو النزعة الاستهلاكية "غير المسؤولة" الشائعة في المجتمعات الرأسمالية من الممارسات التي تؤثر سلباً بدرجات متفاوتة على الأوضاع الاقتصادية، لكن ذلك لا يعد الأسباب الحصرية لمشكلات التنمية، فضلاً عن أن تكون جوهرها، فالفساد، على سبيل المثال، يرتبط عادة بعوامل أخرى من سوء الإدارة أو غياب الفاعلية نتيجة اتباع سياسات غير ملائمة، وسوء توزيع الثروة وعوائد التنمية لا يكون سببه الوحيد أو الأساس هو جشع بعض أرباب الأعمال، أو المحسوبية، بل يرتبط عادة بعوامل هيكلية تتعلق بتساوي الفرص أو مقدار توطن الثروة في مناطق معينة، أو نمط الإنتاج الاقتصادي ذاته، وهكذا.

ثالثاً، التجارب المرجعية في الممارسات التاريخية الإسلامية، والتي تعد عند قطاعات واسعة من الحركات الإسلامية هي المعبر الأصيل عن النظام الاقتصادي الإسلامي، بتعريف الألف واللام، لا تعد ملائمة في تفاصيلها مع نمط الإنتاج وطبيعة العلاقات الاقتصادية الراهنة، ففي مجتمعات عضوية، يعتمد نمط الإنتاج فيها على أنشطة اقتصادية بسيطة تدار بشكل عائلي بالأساس، ودولة اقتصادها خراجي أو قائم على الحروب الغنائمية، يمكن لآليات توزيعية مثل الوقف أو الزكاة أو الصدقات، أو مؤسسات إشرافية ورقابية مثل بيت المال أو الحسبة أن تكون ملائمة، لكن مع تعاظم حجم الاقتصاد وتنوع أشكاله، ومع زيادة الأدوار الخدمية والتنموية التي تقوم بها الدولة، فإن هناك حاجة ملحة إلى آليات أكثر كفاءة للضمان الاجتماعي، وسياسات أكثر فاعلية لضمان التوزيع العادل للثروة، حينها يكون إسقاط أحكام المكوس على الضرائب التي تعد مصدراً أساسياً للإيرادات العامة، أو الزعم بأن الخبرة الإسلامية في التدخل المحدود للدولة في الاقتصاد يعبر عن سمة أساسية في "الاقتصاد الإسلامي" غير صائب.

رابعاً، العولمة الاقتصادية والارتباط الوثيق بالاقتصاد الدولي، وهذا العامل يشكل تحدياً للحركات السياسية الإسلامية على عدة مستويات، منها أن النهوض بنموذج اقتصادي مغاير أو مستقل عن النسق الاقتصادي الدولي، على ما فيه من مخالفات قيمية وفق الرؤية الإسلامية، صار مسألة شديدة الصعوبة، فعبر المؤسسات الاقتصادية الدولية والشركات متعددة الجنسيات أصبحت الاقتصاديات المحلية تدور في فلك هذه المنظومة المعقدة، وأصبح القرار السياسي في هذه الدول مكشوفاً بدرجة كبيرة للضغوط الاقتصادية التي قد تمارسها هذه الجهات الخارجية، علاوة على ذلك، فقد ارتبط بهذه العولمة الاقتصادية أخرى ثقافية، أدت إلى تنميط أشكال الاستهلاك، وإحداث تغيرات كبيرة في نمط الحياة، وهو ما يتجاوز تأثيره الدائرة الاقتصادية والسياسية إلى دائرة السلوكيات والأخلاق، وهي دائرة بطبيعتها شديدة الحساسية للحركات الإسلامية.

هذه الأسباب، وغيرها، ما زالت تقف حائلاً أمام الحركات والأحزاب الإسلامية ليس فقط لإقامة نهضة اقتصادية وتنموية في مجتمعاتها، بل تمنعها حتى من تطوير نظرية اقتصادية متماسكة وأصيلة، وجعلت إنجازاتها في هذا السياق محدودة وجزئية، كتجارب تنموية قائمة على آلية الوقف، أو أنظمة مصرفية أكثر التزاماً بأحكام الشريعة الإسلامية، لكن بالمحصلة، ظلت هذه التجارب محدودة، وظلت الرؤى المطروحة تخلط بعضاً من الأفكار والآليات التراثية مع أخرى مستعارة من الأفكار الرائجة في العصر الراهن لتنتج هجيناً "كالاشتراكية الإسلامية" أو "الرأسمالية الأخلاقية" أو "الاقتصاد المسؤول".

جميع المقالات المنشورة تعبّر عن رأي كُتّابها ولا تعبّر بالضرورة عن TRT عربي.


TRT عربي