لم تكد عاصفة ChatGPT منذ الإعلان عنه تخمد قليلاً في الأيام الأسابيع الماضية، حتى أثارتها من جديد استقالة جيفري هينتون من شركة غوغل. وهي استقالة أخذت صدى واسعاً وذلك بسبب مكانة الرجل في عالم التكنولوجيا إذ يعتبر الأب الروحي للذكاء الصناعي.
وأثارت تصريحاته مع صحيفة نيويورك تايمز وBBC كثيراً من المخاوف والتساؤلات وحتى الغموض بشأن الذكاء الصناعي التوليدي والمخاطر التي قد يفرضها على الإنسان وطبيعة حياته. وكان هينتون انضم إلى شركة غوغل عام 2013 بعد أن استحوذ عملاق التكنولوجيا ومحركات البحث على شركته الناشئة التي كانت تدعى DNNresearch.
ومن بين مساهماته العديدة، شارك هينتون في تطوير خوارزمية تدعى backpropagation، والتي تمكن الشبكات العصبية الرقمية من التعلم بكفاءة وتعديل معلماتها من خلال التدريب. هذه الخوارزمية على وجه التحديد هي تقنية أساسية في التعلم العميق ولها دور فعال في إحداث ثورة في هذا المجال. من هنا جاء اسم "الاب الروحي" للذكاء الصناعي الذي يطلق على هينتون.
أوضح هينتون بشكل صريح على حسابه في تويتر أن سبب استقالته لا يأتي من أجل توجيه الانتقادات لشركته (السابقة) غوغل، وإنما لكي يكون له مطلق الحرية في الإدلاء بآرائه حول تكنولوجيا الذكاء الصناعي دون أن ينعكس ذلك سلباً على الشركة. وبالرغم من أن هذا التصرف يحمل من المسؤولية الشيء الكبير، فإنه يوحي بأن المخاوف التي شاعت في الإعلام حول الذكاء الصناعي التوليدي يجب أخذها على محمل الجد.
واحدة من أبرز مخاوف التي أثارها هينتون تتعلق بالسرعة الكبيرة التي يتطور بها الذكاء الصناعي التوليدي. في إحدى التعليقات على صفحته، أحد المتابعين يسأله حول توقعاته المتعلق بالوقت الذي سيفوق فيها الذكاء الصناعي الذكاء البشري والتي كانت تقدر بنحو 30 إلى 50 سنة. في رده يقلص هينتون هذه المدة بشكل كبير ويجيب "أتوقع الآن من 5 إلى 20 عاماً ولكن بلا ثقة كبيرة. نحن نعيش في أوقات مضطربة للغاية".
كان الإنسان مسكوناً بالسرعة منذ قرون. وكشفت التكنولوجيا الحديثة عن نزعته للسرعة هذه مع تطورها المستمر. كان الإنسان يسعى دائماً لعمليات التسريع لاعتقاده أنه كلما زاد من السرعة اقترب من المثالية.
نأخذ على سبيل المثال السيارات. منذ بداية اختراعها عام 1885 في ألمانيا على يد كارل بنز، وصلت سرعة السيارة التي عرفت بـ Benz Patent Motorwagen حينها حوالي 16 كيلومتراً في الساعة. ومع تطور المحركات وبناء الطرق السريعة التي عرفت بدايتها في خمسينيات القرن العشرين وصلنا إلى حقبة تبلغ فيها سرعة السيارة ما يقرب من 322 كيلومتراً في الساعة.
وبالرغم من المضار التي جلبتها سرعة السيارات على حياة الإنسان (يفقد نحو 130 مليون أرواحهم سنوياً بسبب حوادث السيارات)، فإن الخشية من سرعة المحركات بحد ذاتها لم تكن موضع تساؤل وبقيت الشركات تتنافس على الريادة في سرعة المحركات.
أما فيما يتعلق بالذكاء الصناعي فالخشية من السرعة التي تتطور بها هذه التكنولوجيا أخذت زخماً كبيراً في الآونة الأخير. لا يشكل هينتون الصوت الوحيد في فريق المحذرين من سرعة تطور الذكاء الصناعي. قبل أسابيع أصدرت مؤسسة The Future of Life عريضة وقع عليها عديد من كبار العلماء في الذكاء الصناعي وكبار التكنولوجيين من أمثال إيلون ماسك تدعو إلى ضرورة وقف تطوير الذكاء الصناعي التوليدي لمدة ستة أشهر حتى يتسنى للجهات المعنية دراسة هذه الحالة ومعرفة أوجه الضرر الرئيسية التي قد تفرضها على حياة الإنسان. حتى إن البيت الأبيض تدخل ودعا إلى اجتماع مع المديرين التنفيذيين لبعض أبرز الشركات التكنولوجية مثل غوغل وOPenAI للمناقشة المخاطر المتوقعة من الذكاء الصناعي وكيفية فرض تشريعات تنظيمية لتجنب الأضرار المحتملة.
ببساطة يكمن الفرق بين تكنولوجيا سرعة السيارة وتكنولوجيا سرعة الذكاء الصناعي في أن الأولى قابلة للتحكم ويمكن التنبؤ بها ومحدودة. أما الأخرى فهي خارج أي قدرة على التنبؤ ولا يمكن التحكم بها ومطلقة. في هذا السياق، قال هينتون في تصريحاته مؤخراً أنه توصل إلى "استنتاج مفاده أن نوع الذكاء الذي نطوره مختلف تماماً عن المعلومات الاستخباراتية التي لدينا. لذا يبدو الأمر كما لو كان لديك 10 آلاف شخص وكلما تعلم شخص ما شيئاً ما، يعرفه الجميع تلقائياً. وهذه هي الطريقة التي يمكن أن تعرف بها روبوتات المحادثة هذه أكثر بكثير من أي شخص واحد".
وفي وقت سابق، اعترف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة غوغل بأنه لا "يفهم تماماً" كيفية عمل برنامج الذكاء الصناعي الجديد للشركة والذي يدعى Bard ، فهناك مكامن خلل تظهر بين الحين والآخر في أثناء استخدامه. تشير بعض التقارير إلى أن إحدى المشاكل الكبيرة التي اكتُشفت مع Bard شيء أطلق عليه بيتشاي "الخصائص الناشئة"، أو أنظمة الذكاء الصناعي التي تعلم نفسها مهارات غير متوقعة.
في السياق ذاته، ذكر جيمس مانيكا وهو المدير التنفيذي لقطاع التطوير التكنولوجي في غوغل أن برنامج Brad تعلم اللغة البنغالية، وعلى الرغم من أنه تدرب عليها بشكل محدود جداً أصبح البرنامج قادراً على ترجمة كامل اللغة البنغالية وهو الأمر الذي ترك خبراء غوغل في حيرة من أمرهم إذ أظهر هذا المثال أن الذكاء الصناعي التوليدي قادر على أن يتعلم أشياء لم يكن مبرمجاً على معرفتها.
أثار هينتون قضية أخرى لا تقل خطورة عن القضية السابقة ألا وهي إساءة استخدم تكنولوجيا الذكاء الصناعي من المجموعات الخبيثة والخارجة عن القانون. رأينا من قبل كيف تستغل هذه الجهات باستغلال الخصائص التقنية للتكنولوجيا من أجل الدفع لتنفيذ أجندتهم والتي في مجملها تنتهك حقوق الإنسان الأساسية.
على سبيل المثال منصات التواصل الاجتماعي. على الرغم أن الغاية الأساسية منها هي الإبقاء على تواصل دائم مع الأصدقاء والأهل والأقارب، فإنها تحولت إلى أداة للمراقبة وبث الدعايات الكاذبة وحملات التضليل. أصبحت تلك الأدوات محورية بيد جماعات اليمين المتطرف التي تبنت سياسات مناهضة لحقوق اللاجئين والأقليات. وذهب ضحيتها عديد من الأرواح مثل تلك التي وقعت في الهند حيث قُتل عدد من المواطنين المسلمين بعد أن انتشرت شائعات على مجموعات الواتس آب أن المسلمين يختطفون الأطفال.
مع الذكاء الصناعي التوليدي أتوقع أننا في طريقنا إلى مستوى آخر من الكذب والتزييف والتضليل الرقمي وانتحال الشخصية خصوصاً مع القدرة الكبيرة لهذه التكنولوجيا على توليد المحتوى وإدارة الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها.
جميع المقالات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن TRT عربي.









