الحرب في اليمن ليست كبقية الحروب الناشبة في منطقتنا العربية في هذه المرحلة، فهي تجري وفق إرادة طرف متحكم رئيس بهذه الحرب هو تحالف عربي تضاءل اليوم ليقتصر على القوتين الفاعلتين فيه وهما: السعودية والإمارات هما أكثر بلدان المنطقة شمولية على نحو يبعث على التساؤل عما إذا كان هذان البلدان بالفعل قد جاءا لحماية الديمقراطية في اليمن!!.
من المؤسف أن هاتين الدولتين تديران الحرب في اليمن تحت مظلة دولية وتفويض مفتوح، الأمر الذي سمح لهما بإعادة توجيه دفة الحرب نحو أهداف تصل إلى حد التناقض مع ما سبق للتحالف وأن أعلنه منذ بدء عملياته العسكرية في هذا البلد في الـ26 من آذار/ مارس 2015، تحت اسم "عاصفة الحزم" ثم "عملية إعادة الأمل".
من المهم جداً فهم لماذا لا تزال هذه الحرب مشتعلةً في ظل هذا الفارق الكبير في القوة النارية والإمكانية والسيطرة الجوية والبحرية الكاملة للتحالف الذي يدعم الشرعية، ورغم التهديدات التي ينطوي عليها هذا البطء غير المبرر في مجرى العمليات العسكرية، والتي تتجه في جانب منها إلى أمن ووجود الدولة الرئيسة في هذه الحرب وهي السعودية، خصوصاً إذا طرأ تغير دراماتيكي محتمل في الموقف الدولي.
ينحصر الصراع اليوم بين الحكومة الشرعية مدعومة من السعودية والإمارات، وجماعة الحوثي المسلحة التي سيطرت على صنعاء ومعظم مقدرات الدولة اليمنية عقب انقلاب 21 أيلول/ سبتمبر2014
ينحصر الصراع اليوم بين الحكومة الشرعية مدعومة من السعودية والإمارات، وجماعة الحوثي المسلحة التي سيطرت على صنعاء ومعظم مقدرات الدولة اليمنية عقب انقلاب 21 أيلول/ سبتمبر2014، وأقصت في طريقها الشريك الأساسي الذي مكنها من تحقيق هذا الهدف بسهولة، وهو المؤتمر الشعبي العام بقيادة الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، الذي لقي مصرعه في الـ:4 من كانون الأول/ ديسمبر 2017 في أعقاب جولة مواجهة عسكرية شرسة وقصيرة في صنعاء.
إلى ما قبل آذار/ مارس 2015 كانت الأهداف مشتركة تقريباً بين تحالف السعودية والإمارات وتحت غطاء بريطاني وأميركي واضح، وبين تحالف لانقلاب الذي كان يضم الحوثيين وحزب الرئيس صالح، وهذان الأخيران كُلفا بإنجاز الثورة المضادة في اليمن وهي حلقة من حلقات الثورات المضادة التي أطاحت بالربيع العربي بتمويل سعودي وإماراتي.
كان الهدف إزاحة قوى ثورة الحادي عشر من شباط/ فبراير 2011، وتقويض البنية التحية لأهم ركائزها وهو التجمع اليمني للإصلاح الذي ينظر إليه من جانب الرياض وأبو ظبي على أنه الذراع السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في اليمن.
أُنجزت هذه المهمة ولكن ليس بشكل كامل، فقد كان المخطط يقضي باستدراج الإصلاح وما يعتقد أنها تشكيلات عسكرية موالية له في الجيش إلى مواجهة في صنعاء تسمح باجتثاثه سياسياً ومادياً ولكن ذلك لم يحدث، فكانت النتيجة أن الحوثيين وبتخطيط من إيران وحزب، قرروا استثمار فائض القوة التي لديهم في تنفيذ مخطط إحياء دولة الإمامة الزيدية التي أطيح بها في 22 أيلول/ سبتمبر 1962، وذلك بعد أننجحت إيران في هندسة العقل السياسي لجماعة الحوثي والتحكم في بنيتها التنظيمية العسكرية لتكون متطابقة مع إرث الثورة الإسلامية في إيران، ومتصالحة على الأقل مع نظام الولي الفقيه، على الرغم من بقاء التباين العقائدي واضحاً بين الزيدية والاثني عشرية.
تحرك الحوثيون باتجاه عدن وتعز والحديدة، وتبين فيما بعد أن الدولة اليمنية تذهب باتجاه إيران وهو إخفاق سياسي من العيار الثقيل كلف السعودية هذا القدر من الخسائر بعد أن اضطرت إلى وضع ثقلها العسكري لتلافي هذا الإخفاق الكارثي الذي حركته دوافع ثأرية وانتقامية غير محسوبة، تجاه حركة التغيير العربية السلمية التي شكلت في مجملها اندفاعة قوية باتجاه الديمقراطية.
لم تكن استعادة الدولة اليمنية بقيادة الرئيس هادي من الانقلابيين أحد أهداف السعودية والإمارات، بل إعادة تصميم يمن جديد في حده الأدنى موحداً، ولكن بدولة متصالحة مع جيرانها وأكثر ضعفاً من أن يشكل خطراً عليهم في المدى المنظور.
أما في حده الأقصى فيشمل إعادة تفكيك الجغرافيا، وفرض النفوذ الجيوسياسي المباشر باستثمار التناقضات السياسية والعقائدية والمناطقية التي تسود الساحة اليمنية وتتغذى من حركة استقطاب عاصفة سمحت وتسمح لمخططات التحالف بأن تمضي قدماً بالحد الأدنى من الممانعة الوطنية، إلا مع استثناءات شهدناها في محافظتي المهرة وسقطرى.
لم يكتف تحالف "الرياض – أبو ظبي" المنخرط في الحرب اليمنية بتفكيك البنية السياسية اليمنية إلى أطراف متصارعة، بل تعدى الأمر إلى قطع أية صلة لهذه الأطراف بالخارج، الأمر الذي انعكس على الخطاب السياسي والإعلامي الذي تعمد شيطنة أطراف إقليمية مثل تركيا على سبيل المثال، رغم أنها ليست جزءاً من الحرب، بل أظهرت على الدوام نواياها الحسنة ودعمها المطلق للسلطة الشرعية.
يواصل التحالف حربه في اليمن تحت رايات متعددة، ففي الساحل الغربي للبلاد يعتمد هذا التحالف على تشكيلات عسكرية ينتمي معظم أفرادها إلى المحافظات الجنوبية، والتيار السلفي الموالي عقائدياً للسعودية، وب
وفي هذا السياق يواصل التحالف حربه في اليمن تحت رايات متعددة، ففي الساحل الغربي للبلاد يعتمد هذا التحالف على تشكيلات عسكرية ينتمي معظم أفرادها إلى المحافظات الجنوبية، والتيار السلفي الموالي عقائدياً للسعودية، وبعض تشكيلات من المقاومة التهامية التي يدين جزء منها بالولاء السياسي لحزب صالح، وتشكيلات محسوبة على نجل شقيق صالح نفسه.
تعمد التحالف تجاهل الجيش الوطني في تعز والمقاومة في هذه المحافظة عندما تقدم باتجاه منطقة باب المندب والمخا، وهي المناطق التي تتبع إدارياً محافظة تعز، وتعمد إغراق تعز في معركة غير حاسمة، لتبقى جبهة استنزاف للأطراف الموالية للشرعية والتحالف أكثر من القوى الانقلابية التي يخوض التحالف حرباً طويلة الأمد معها.
وفي الجبهات الواقعة إلى الشرق من العاصمة صنعاء، يعتمد التحالف على وحدات الجيش الوطني، لكن السعودية أرادت فقط ممارسة الضغط العسكري على الحوثيين وتأمين عمق جغرافي في الحدود يمنع توغل الحوثيين ويضع حداً لحرب الاستنزاف المؤثرة التي يخوضونها على الحدود الجنوبية للمملكة.
ومع ذلك يتعرض هذا الجيش لعملية تفتيت ممنهجة لمعنوياته، عبر التأخير في الدعم الميداني بالمؤن والذخائر والتأخر في صرف المرتبات، وربط العمليات القتالية بإرادة التحالف وحدها، الأمر الذي أدخل معظم هذه الجبهات في حالة من الجمود المولدة لليأس والإحباط، هذا مع استمرار طرف في التحالف في شيطنة الجيش الوطني ووصمه بأنه موال للإخوان المسلمين.
أما في المحافظات الجنوبية التي تم استعادتها من الحوثيين فقد سلمت إلى تشكيلات مسلحة مناطقية تعمل خارج سيطرة الشرعية، بل تشكل رأس حربة للنيل من هذه السلطة وإضعافها وتعطيل مهامها في هذه المناطق والحيلولة دون استعادة الاستقرار في العاصمة السياسية المؤقتة عدن.
بل إن هذه الوحدات خاضت عملية عسكرية أواخر كانون الأول/ يناير 2018 ضد وحدات الحماية الرئاسية الموالية للرئيس هادي وقللت من تأثيرها العسكري، فيما وصف حينها بمحاولة انقلابية صريحة على الرئيس، تمت تحت دعاوى إسقاط الحكومة الفاسدة، وحظيت بدعم كامل من القوات الإمارتية المتواجدة في عدن وبإسناد من طيران الأباتشى.
لا يمكن فهم ما يجري في عدن إلا أنه في سياق مخطط احتواء الدولة اليمنية لا دعمها، وإضعافها وتفكيكها وممارسة النفوذ الجيوسياسي على جغرافيتها التي تبلغ 550 ألف كيلو متر مربع.
وقد كشفت أحداث كانون الأول/ ديسمبر 2017 وكانون الثاني/ يناير 2018 في كل من محافظة المهرة الواقعة في شرق اليمن، ومحافظة أرخبيل سقطرى الواقعة في المنطقة الفاصلة بين خليج عدن والمحيط الهندي، والبالغ مساحتها 3600 كيلو متر مربع.
لقد أظهرت السعودية والإمارات كلتاهما نزعة للاستحواذ على الجغرافيا اليمنية في محافظتين بعيدتين جداً عن مسرح العمليات العسكرية.
لقد أظهرت السعودية والإمارات كلتاهما نزعة للاستحواذ على الجغرافيا اليمنية في محافظتين بعيدتين جداً عن مسرح العمليات العسكرية.
فالسعودية حتى هذه اللحظة تواصل تعزيز تواجدها العسكري في محافظة المهرة وتُحكم سيطرتها على المحافظة وتعمل على تغيير إيقاع الحياة فيها على نحو دفع بالسكان إلى تنظيم أكبر وأطول وقفة احتجاجية في تاريخ المحافظة، أجبرت السعودية على توقيع اتفاق مع الأهالي؛ لإعادة الانتشار وإنهاء سيطرتها العسكرية على المرافق السيادية ومنها مطار مدينة الغيظة عاصمة المحافظة ومنفذي "صرفيت" و"شحن" البريين اللذين يربطان اليمن مع سلطنة عمان.
فيما قامت الإمارات بعملية إنزال عسكرية في الوقت الذي كان رئيس الوزراء أحمد عبيد بن دغر يقوم بزيارة إلى سقطرى، الأمر الذي دفع بالحكومة إلى التصعيد في وجه هذا الإجراء وتقديم شكوى إلى الأمم المتحدة، لعبت فيها السعودية دوراً مهما، في سياق الصراع الخفي على النفوذ الذي تخوضها مع الإمارات رغم التوافق الظاهري بين الدولتين.
لقد كشفت نزعة الاستحواذ هذه عن انحرافات خطيرة لمهمة التحالف العسكرية في الحرب اليمنية إلى حد بات معه الوضع في اليمن اليوم أكثر تعقيداً وزادت معه مخاوف اليمنيين من استمرار الحرب، وتعاظم تبعاتها الاقتصادية والانهيار المتسارع في العُملة الوطنية، وهي مخاوف لم تعد محل اهتمام السعودية والإمارات، اللتين تخوضان الحرب في إطار أجندة جديدة، تحولان معها المعركة إلى مغامرة خطيرة للغاية.
جميعالمقالاتالمنشورةتعبرعنرأيكتّابهاولاتعبربالضرورةعن TRT عربي











