وجرت عملية التسليم خلال مراسم رسمية أُقيمت في مقر رافائيل شمالي إسرائيل، بحضور كبار المسؤولين من وزارة الدفاع والجيش وقيادة الشركة.
وجاء تطوير المنظومة ثمرة مسار امتد لسنوات طويلة، في إطار تعاون مشترك بين وزارة الدفاع وشركة رافائيل، وبمشاركة شركة "إلبيت سيستمز" المسؤولة عن تطوير مصدر الليزر.
وخلال مراسم التسليم، أُطلق على المنظومة اسم "أور إيتان"، تخليداً لذكرى الرقيب إيتان أوستر، نجل أحد مطوّري النظام، الذي قُتل في جنوب لبنان، حسب ما أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت.
ويعود استثمار الاحتلال المكثف في تطوير منظومات الليزر الدفاعية إلى جملة من العوامل، في مقدمتها الارتفاع الكبير في كلفة الاعتراضات التقليدية المعتمدة على الصواريخ ضمن منظومات الدفاع الجوي.
ففي أبريل/نيسان الماضي، وخلال الهجوم الإيراني على إسرائيل، قُدّرت كلفة اعتراض الصواريخ والمسيّرات الإيرانية بنحو 1.35 مليار دولار.
كما بلغت كلفة الصاروخ الواحد في منظومة "القبة الحديدية" قرابة 100 ألف شيكل (نحو 27 ألف دولار)، في حين وصلت كلفة الاعتراض عبر منظومة "مقلاع داوود" إلى نحو مليون دولار، وفق يديعوت أحرونوت.
وتتكبد الولايات المتحدة بدورها كلفاً مشابهة في عمليات الاعتراض البحري في البحر الأحمر ضد المسيّرات والصواريخ التي تطلقها جماعة الحوثيين.
ووفق تصريحات قائد القوات البحرية الأمريكية، الأدميرال ليزا فرانشيتي، في فبراير/شباط 2024، بلغت كلفة عمليات الاعتراض خلال ثلاثة أشهر فقط نحو مليار دولار.
الحل في الليزر
ووفقاً لصحيفة "كالكاليست" الإسرائيلية، شهدت الولايات المتحدة محاولات مبكرة ولافتة في مجال أسلحة الليزر، من أبرزها مشروع ABL، وهو ليزر كيميائي بقدرة ميغاواط نُصب على طائرة بوينغ 747 جامبو لاعتراض الصواريخ الباليستية. ورغم نجاحه في اختبار عام 2007، فإن مداه المحدود فرض على الطائرة الاقتراب من الهدف، ما جعلها عرضة للكشف والتدمير، ليُوقَف المشروع لاحقاً.
وفي عام 2017، اختبرت شركة رايثيون ليزر كهربائياً صغيراً على مروحية "أباتشي"، نجح في تدمير شاحنة من مسافة 1.5 كيلومتر، لكن التجربة لم تتحول إلى منتج عملي، نظراً لأن مدفع المروحية كان أكثر فاعلية.
أما أول ليزر عملياتي دخل الخدمة لدى الولايات المتحدة فكان نظام LaWS عام 2014، بقدرة محدودة لم تتجاوز تعطيل قارب من مسافة قصيرة، قبل أن تُستبدل به لاحقاً منظومة HELIOS الأعلى قدرة، لكنها بقيت هي الأخرى محصورة بمهام محدودة.
وفي السياق ذاته، اطّلعت إسرائيل مبكراً على التكنولوجيا الأمريكية، وطوّرت خلال تسعينيات القرن الماضي مشروع "نوتيلوس"، غير أنه أُغلق لاحقاً لأسباب تتعلق بالكلفة والجدوى.
وتندرج منظومة "الشعاع الحديدي/أور إيتان" ضمن حزمة أنظمة الليزر عالية الطاقة (HEL)، التي تعتمد على تسخير الليزر عالي القدرة للاشتباك السريع مع التهديدات. ويعمل النظام عبر تضخيم الضوء وتركيزه في حزمة ضيقة تولّد حرارة عالية، يمكن توجيهها نحو الهدف والإبقاء عليها لفترة كافية لإحداث أضرار مباشرة في هيكل التهديد.
ووفقاً لصحيفة "كلكاليست"، يبلغ المدى الفعّال لشعاع الليزر حالياً نحو 10 كيلومترات فقط، وهو ما يكفي للاستنتاج بأن تأمين مساحات واسعة سيتطلب نشر أعداد كبيرة من موجّهات الليزر، قد تصل إلى عشرات، إن لم تكن مئات، الوحدات، لتحقيق تغطية دفاعية فعّالة.
الفعالية والكفاءة
عمر الصفدي، باحث في الشؤون الدفاعية والتقنية، يوضح لـTRT عربي أن منظومات الليزر، رغم ما تمثّله من قفزة تكنولوجية في مجال الدفاع الجوي، تواجه جملة من التحديات البنيوية والعملياتية التي تحدّد سقف فاعليتها الميدانية.
ويشير الصفدي إلى أن التحدي الأول يرتبط بطبيعة الليزر نفسه، بوصفه سلاحاً يعتمد على الضوء، ما يجعله شديد التأثر بالوسط الجوي. فوجود الغبار أو الضباب أو الدخان أو الغيوم يؤدي إلى امتصاص جزء من طاقة الشعاع أو تشتيته، الأمر الذي قد يحول دون وصوله إلى الهدف، أو يجعله يصل بطاقة غير كافية لإحداث التأثير المطلوب. ويشمل هذا القيد العوامل الجوية الطبيعية وغير الطبيعية على حد سواء.
أما التحدي الثاني، فيكمن في متطلبات الطاقة العالية لتشغيل هذه المنظومات. فكلما ارتفعت قدرة الليزر، ازدادت الحاجة إلى مصادر توليد طاقة أكبر وأثقل. وفي حين يمكن توفير هذه المتطلبات نسبياً في المواقع الثابتة، مثل القواعد أو المعسكرات، فإن نقل مصادر الطاقة إلى مناطق نائية أو منصات متحركة يظل مسألة معقّدة، لا سيما أن تشغيل الليزر يشبه “استنزافاً كهربائياً” عالي الكلفة يتكرر مع كل عملية إطلاق.
ويضيف الصفدي أن الليزر لا يعمل كسلاح “فوري” بالمعنى التقليدي، إذ لا يُسقط الهدف بضربة واحدة، بل يتطلب تثبيت الشعاع عليه لعدة ثوانٍ لإحداث الضرر عبر التسخين والحرق. ورغم قِصر هذه المدة، فإنها تظل مؤثرة عملياتياً، لأن المنظومة خلال تلك اللحظات تكون منشغلة بهدف واحد، ولا تستطيع الانتقال مباشرة إلى هدف آخر. وعليه، فإن التعامل مع عدد كبير من الأهداف المتزامنة يتم بصورة تسلسلية، لا متزامنة.
انطلاقاً من هذه الخصائص، يفسّر الصفدي إدخال الليزر ضمن منظومات الدفاع الجوي باعتباره حلاً ملائماً للتعامل مع الأهداف البطيئة ومنخفضة الارتفاع، وعلى رأسها الطائرات المسيّرة، التي برزت صعوبة مواجهتها خلال الحروب الأخيرة.
وتتعزز جدوى الليزر في هذا السياق بسبب كلفته التشغيلية المتدنية للغاية، إذ تقتصر كلفة “الطلقة” عملياً على استهلاك الطاقة الكهربائية، ما يجعله خياراً منطقياً لاعتراض أهداف رخيصة، بدل استنزاف صواريخ باهظة الثمن أو استخدام طائرات ومروحيات لملاحقة مسيّرات بسيطة.
في المقابل، يستبعد الصفدي أن يكون الليزر فعالاً بالقدر نفسه ضد الأهداف السريعة، مثل الصواريخ، نظراً لسرعتها العالية وصعوبة تثبيت الشعاع عليها لفترة كافية، فضلاً عن أن الأجسام المعدنية تتحمل الحرارة أكثر، وتتطلب زمناً أطول لإحداث تأثير حاسم فيها. ففي حين قد يتأثر هدف مصنوع من مواد خفيفة خلال ثوانٍ، يحتاج الهدف المعدني إلى وقت أطول قد لا يكون متاحاً ميدانياً.
وبناءً على ذلك، يرى الصفدي أن الدافع الرئيسي لاعتماد منظومات الليزر هو دافع اقتصادي-عملياتي بالأساس: توفير وسيلة فعّالة ومنخفضة الكلفة للتعامل مع أعداد كبيرة من التهديدات البطيئة والمنخفضة وذات البنية الهشّة، وحماية مناطق محددة دون تحمل أعباء مالية ضخمة، مع الإقرار بأن الليزر لا يشكّل حلاً شاملاً لمعضلات الدفاع الجوي.
ويخلص إلى أن منظومات الليزر ليست بديلاً عن أنظمة الدفاع الجوي الصاروخية، بل مكمّلة لها. ففي العقيدة الدفاعية الحديثة، تُبنى القدرات على طبقات متعددة، تسد الفجوات بين السرعات والارتفاعات وأنماط التهديد المختلفة.
وإذا أثبت الليزر كفاءته ميدانياً، فإنه قد يخفف الضغط عن المنظومات الصاروخية، لتتفرغ بدورها لمواجهة الأهداف “الصلبة” والسريعة وعالية الارتفاع، بينما يتولى الليزر التصدي للطائرات المسيّرة الصغيرة، سواء متعددة المراوح أو ثابتة الجناح، بحكم بطئها وانخفاض ارتفاعها.
ويبقى الحكم النهائي، وفق الصفدي، مرهوناً بنتائج الاستخدام الميداني المكثف: هل ستصمد المنظومة أمام ضغط التشغيل والظروف القاسية دون أعطال جوهرية، أم إن التجربة العملية ستكشف عن تحديات إضافية تستدعي تعديلات وتحديثات لاحقة.












