وتؤكد السلطات اللبنانية أن الجزء الأكبر من متطلبات المرحلة الأولى، لا سيما في جنوب نهر الليطاني، أُنجز فعلياً، غير أن الانتقال إلى المرحلة التالية لا يزال يواجه تجاذبات داخلية وتعقيدات سياسية وميدانية، فضلاً عن عراقيل إسرائيلية مستمرة.
يأتي هذا الجدل في سياق تداعيات العدوان الإسرائيلي الواسع على لبنان، الذي أسفر عن مقتل أكثر من أربعة آلاف شخص وإصابة نحو 17 ألفاً، منذ انطلاقه في أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن يتحول في سبتمبر/أيلول 2024 إلى حرب شاملة.
ورغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خرقه بشكل شبه يومي، ما أسفر عن سقوط مئات القتلى، إلى جانب استمرار احتلالها 5 تلال لبنانية، فضلاً عن مناطق أخرى محتلة منذ عقود.
ومنذ بدء سريان الاتفاق، كثّفت تل أبيب وواشنطن ضغوطهما على الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة، في مقابل تمسّك “حزب الله” برفض نزع سلاحه، وربط أي نقاش في هذا الملف بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة.
وتترافق هذه الضغوط مع حراك دبلوماسي ومفاوضات غير مباشرة تُدار ضمن آلية "الميكانيزم"، وسط تباين في تفسير ما أُنجز فعلياً وما هو مطلوب في المراحل اللاحقة.
وتضم هذه الآلية لجنة مشتركة تجمع لبنان وإسرائيل وقوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل)، برعاية أمريكية-فرنسية، لمراقبة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية.
في هذا السياق، أعلن رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، الأسبوع الماضي، اقتراب انتهاء المرحلة الأولى من خطة الجيش اللبناني لتنفيذ قرار الحكومة القاضي بحصر السلاح بيد الدولة، بما يشمل سلاح "حزب الله".
وأبدى استعداد الدولة للانتقال إلى المرحلة الثانية، الممتدة من شمال نهر الليطاني وصولاً إلى نهر الأولي، داعياً إلى توفير الدعم اللازم لتمكين الجيش من استكمال مهامه.
ومن المتوقع أن تعلن الحكومة رسمياً انتهاء المرحلة الأولى في جلسة مرتقبة مطلع العام المقبل، وسط حالة ترقّب حيال موعد انطلاق المرحلة الثانية من الخطة العسكرية.
كان سلام قد أوضح في تصريحات صحفية أن هذه المرحلة ستشمل المنطقة الواقعة بين ضفتي نهر الليطاني جنوباً ونهر الأولي شمالاً، على أن تمتد المرحلة الثالثة إلى بيروت وجبل لبنان، تليها المرحلة الرابعة في البقاع، ثم باقي المناطق اللبنانية.
في المقابل، شدد الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، في كلمة له الأحد الماضي، على أن "نزع السلاح مشروع إسرائيلي-أمريكي، حتى لو جرى تسويقه تحت عنوان حصرية السلاح"، مؤكداً أن الحزب سهّل انتشار الجيش اللبناني في جنوب نهر الليطاني خلال الفترة الماضية.
وفي تطور متصل، عقد الرئيس اللبناني جوزيف عون، يوم الاثنين، اجتماعاً مع رئيس وفد لبنان في لجنة "الميكانيزم"، السفير السابق سيمون كرم، جرى خلاله بحث التحضيرات لاجتماع اللجنة المقرر عقده في 7 يناير/كانون الثاني 2026.
جنوب الليطاني
قال المحلل العسكري العميد المتقاعد هشام جابر، إن المقاربة المعتمدة لملف حصر السلاح تختلف بين جنوب نهر الليطاني وشماله، مشيراً إلى أن مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة يحظى بإجماع داخلي، لكنه يتطلب وقتاً وخطوات تنفيذية متدرجة لا يمكن فرضها بالشكل الذي تطالب به إسرائيل.
وأكد جابر أن لبنان "قدّم كل ما يمكن تقديمه، ولا يستطيع تقديم أكثر مما قدّم"، لافتاً إلى أن منطقة جنوب الليطاني باتت، بشهادة الملحقين العسكريين والسفراء وقوات “يونيفيل” والآلية المعتمدة، تحت سيطرة الدولة اللبنانية بنسبة تقارب 90%.
وأشار إلى أن إسرائيل تعرقل استكمال النسبة المتبقية، عبر منع الجيش اللبناني من الانتشار حتى أقصى الحدود، وعرقلة عودة السكان إلى القرى الحدودية، معتبراً أن ملف جنوب الليطاني "أُنجز من الجانب اللبناني"، فيما تواصل إسرائيل اعتداءاتها دون تقديم أي مقابل.
وشدد جابر على الدور المحوري للجيش اللبناني بصفته الجهة المكلفة ميدانياً بتنفيذ القرارات الدولية، محذراً من الزج به في أي مواجهة داخلية.
وذكّر بأن الحكومة اللبنانية أقرت، في 5 أغسطس/آب الماضي، قرار حصر السلاح بيد الدولة، بما في ذلك سلاح "حزب الله"، ثم رحبت في سبتمبر/أيلول بخطة من خمس مراحل وضعها الجيش لتنفيذ القرار، من دون تحديد مهلة زمنية واضحة للتطبيق.
وأوضح أن المرحلة الأولى من الخطة تنص على سحب سلاح "حزب الله" من جنوب نهر الليطاني بحلول نهاية عام 2025، معتبراً أنه لا يمكن الشروع في بحث المرحلة الثانية، كما تطالب به إسرائيل، مطلع العام، قبل وقف العدوان الإسرائيلي وانسحاب قوات الاحتلال.
ورأى أن على المفاوض اللبناني التمسك بهذا الموقف، في ظل ما وصفها بازدواجية المعايير، إذ يُطلب من لبنان تنفيذ التزاماته كاملة، في حين لا تلتزم إسرائيل أياً من استحقاقاتها.
المرحلة الثانية
وحسب المحلل السياسي والكاتب الصحفي ألان سركيس، فإن الدولة اللبنانية لا تزال في مرحلة انتظار، إذ تترقب تقرير الجيش اللبناني بشأن مسار الانتشار جنوب نهر الليطاني، وهو التقرير ذاته الذي تنتظره أيضاً آلية المتابعة المعتمدة.
وأشار سركيس إلى الاجتماع المرتقب لآلية "الميكانيزم" برئاسة السفير سيمون كرم، وبمشاركة المندوب الإسرائيلي، معتبراً إياه محطة مفصلية لتقييم ما أُنجز وما هو مطلوب في المرحلة المقبلة.
وأوضح أن إسرائيل أنهت، خلال الحرب الأخيرة، ما وصفه بـ"معظم الأهداف المرتبطة بحزب الله" في جنوب الليطاني، قبل أن يدخل الجيش اللبناني لاحقاً وينفّذ عمليات انتشار وتنظيف ميداني.
ورأى أن الانتقال إلى المرحلة الثانية، أي شمال نهر الليطاني، يبقى رهناً بقرار سياسي من الدولة اللبنانية، مؤكداً عدم صدور أي قرار رسمي حتى الآن بهذا الشأن.
وربط سركيس هذا التريث بجملة مطالب لبنانية لم تُلبَّ بعد، من بينها انسحاب إسرائيل من عدد من النقاط التي لا تزال تحتلها على الشريط الحدودي، ووقف الغارات والاعتداءات، إضافةً إلى إنهاء ملف الأسرى اللبنانيين، لا سيما أسرى "حزب الله".
في هذا السياق، رأى سركيس أن مخرجات القمة التي جمعت الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الاثنين، تشير إلى أن المطلب الأساسي يتمثل في النزع الكامل لسلاح "حزب الله".









