وفي مقارنة لافتة، شبّه المستثمر الأمريكي مايكل بيري شركة أوبن إيه آي بشركة نتسكيب، التي هيمنت على سوق متصفحات الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي قبل أن تتراجع سريعاً أمام إنترنت إكسبلورر التابع لمايكروسوفت.
وكتب بيري على منصة إكس أن أوبن إيه آي تسير في مسار مشابه، معتبراً أنها "تنزف أموالاً" وتواجه مستقبلاً محفوفاً بالمخاطر.
هذا التقييم يلتقي مع رؤية الباحث غاري ماركوس، المعروف بانتقاداته للمبالغات المرتبطة بالذكاء الصناعي، إذ يرى أن الشركة فقدت أفضلية السبق التي حققتها مع إطلاق تشات جي بي تي في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.
ويشير ماركوس إلى أن وتيرة الإنفاق الحالية، التي تُقدَّر بمليارات الدولارات شهرياً، تعكس خللاً بنيوياً في نموذج الاستدامة المالية.
ورغم هذه الانتقادات، يبقى تأثير تشات جي بي تي غير مسبوق، بعدما حطّم أرقاماً قياسية في نمو المنتجات الرقمية، وجذب أكثر من 800 مليون مستخدم أسبوعياً حول العالم. كما قفز تقييم أوبن إيه آي إلى نحو 500 مليار دولار، متصدراً قائمة الشركات الخاصة الأعلى قيمة.
لكن خلف هذا الصعود السريع تواجه الشركة واقعاً مالياً ضاغطاً. فهي تتوقع إنهاء العام بخسائر بمليارات الدولارات، مع تأجيل تحقيق الأرباح إلى ما بعد عام 2029، وهو أفق زمني طويل في قطاع يتسم بالتغير السريع وعدم اليقين.
وفي الوقت ذاته، التزمت أوبن إيه آي استثمارات ضخمة تتجاوز 1.4 تريليون دولار لبناء بنية تحتية تعتمد على مراكز بيانات متقدمة ورقائق حوسبة عالية الأداء.
وتزداد حدة التحديات مع صعود منافسين يمتلكون موارد أوسع، فغوغل تؤكد أن نحو 650 مليون مستخدم يعتمدون شهرياً على نموذجها جيميناي، مدعوماً بعائدات إعلانية هائلة، فيما تتمتع شركات مثل أمازون وميتا ومايكروسوفت بقدرات تمويلية تفوق بكثير ما هو متاح لأوبن إيه آي، رغم كون مايكروسوفت أحد أبرز المستثمرين فيها.
وبين ريادة تقنية لافتة وضغوط مالية متصاعدة، تقف أوبن إيه آي أمام مفترق طرق حاسم: إما تحويل التفوق في مجال الذكاء الصناعي إلى نموذج اقتصادي مستدام، وإما مواجهة خطر تكرار مصير شركات تقنية صعدت بسرعة إلى القمة ثم فقدت موقعها بالسرعة ذاتها.
اضطرابات تلوح في الأفق
تكشف مؤشرات داخلية وخارجية عن مرحلة حساسة تمرّ بها أوبن إيه آي، مع تصاعد الضغوط التنافسية وتنامي الأسئلة حول كلفة التوسع في سوق الذكاء الصناعي.
فقد أبدى الرئيس التنفيذي للشركة سام ألتمان، المعروف بقدرته على تسويق الرؤية التقنية، انزعاجاً غير معتاد مطلع نوفمبر/تشرين الثاني، عندما طُرح عليه سؤال بشأن عقود واستثمارات تُقدَّر بتريليونات الدولارات.
وبعد أيام، حذّر ألتمان موظفي الشركة من احتمال دخول “بيئة مضطربة” و”مناخ اقتصادي غير مواتٍ”، في ظل اشتداد المنافسة، لا سيما من جانب غوغل.
ومع إطلاق الأخيرة نموذجاً جديداً حظي بتقييمات إيجابية، وجّه ألتمان ما وصفه موظفون بـ”إنذار أحمر”، داعياً الفرق الهندسية إلى تكثيف الجهود لتعزيز أداء تشات جي بي تي.
وفي محاولة لتعزيز موقعها، أعلنت أوبن إيه آي الأسبوع الماضي عن إصدار أحدث نماذج تشات جي بي تي، بالتزامن مع كشفها عن استثمار من شركة ديزني وترخيص شخصياتها لاستخدامها في الروبوتات وأداة توليد الفيديو (سورا)، في خطوة تهدف إلى توسيع نطاق الاستخدام التجاري والتطبيقي لتقنياتها.
وترى آشـو غارغ، الشريك في شركة فاونديشن كابيتال، أن التحدي الحقيقي أمام أوبن إيه آي لا يكمن في التطوير التقني بحد ذاته، بل في إقناع المستثمرين بأن الإنفاق الهائل سيُترجم إلى عوائد ملموسة.
وأشار إلى أن الشركة تواصل جمع التمويل بتقييمات مرتفعة، رغم استمرار الغموض بشأن العائد الاستثماري.
ورغم هذه الشكوك، لا تزال أوبن إيه آي تحظى بدعم كبار المستثمرين. ويقول إسبن روباك، رئيس شركة بلوريس فاليوايشن أدفايزرز، إنه كان يتوقع تراجع تقييم الشركة مع احتدام المنافسة وبنية رأس المال “غير المتوازنة”، إلا أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس، حيث يواصل التقييم الارتفاع.
في المقابل، تختلف التقديرات بشأن الخطوة التالية للشركة: هل ستؤجّل طرح أسهمها للاكتتاب العام بانتظار استقرار السوق، أم ستسارع إلى دخول وول ستريت لاستثمار موجة الحماس المحيطة بالذكاء الصناعي؟
ورغم تباين الآراء، يستبعد معظم محللي القطاع سيناريو الانهيار الكامل، معتبرين أن السوق قادرة على استيعاب أكثر من لاعب رئيسي.
وفي هذا السياق، يقول محلل شركة سي إف آر إيه، أنجيلو زينو، إن “السباق ليس حكراً على فائز واحد”، مؤكداً أن شركات الذكاء الصناعي الكبرى ستتقاسم السوق، التي ما زالت في طور التوسع والنمو.
كما يشير مراقبون إلى أن التزامات أوبن إيه آي المالية، رغم ضخامتها، تتسم غالباً بمرونة تعاقدية، فضلاً عن الدعم الاستراتيجي الذي توفره مايكروسوفت بوصفها أحد أبرز شركائها ومستثمريها.













