تبدأ العديد من النساء حياتهن من الصفر بعد الطلاق أو وفاة الزوج، ولا يتم تقدير دورهن، سواء كن عاملات أو ربات بيوت، في تنمية أموال وممتلكات الأسرة في أثناء الزواج.

تغيرت حياة المغربية ليلى (اسم مستعار) بعد وفاة زوجها إثر حادث مفاجئ، وكانت تعيش معه في إحدى مدن الجنوب حيث يعمل معلماً، كافحا معاً لبناء أسرة مستقرة وسعيدة قبل أن يقول القدر كلمته.

تحكي ليلى أنها ساهمت مع زوجها في تأسيس بيت الزوجية، كانت ربة بيت تقتصد في تدبير موارد الأسرة المالية من أجل مواجهة تكاليف الحياة اليومية، وأداء واجب إيجار بيت السكن وأقساط شقة صغيرة اقتنياها بالقرض ضواحي مدينة الرباط.

وبعد عملها في إحدى المدارس الخاصة استمرت تساهم إلى جانب زوجها في إعالة الأسرة، لكن وفاة زوجها أفقدتها كل شيء، خسرت رفيق حياتها وبيتها الذي تم بيعه لتقتسم ثمنه مع ابنتها وباقي ورثة زوجها.

وإذا كانت الوفاة قد غيرت حياة ليلى فإن قصة فاطمة مختلفة، فهي تكفلت بكل مصاريف البيت حين تفرغ زوجها لإعداد الدكتوراه إلى أن عمل أستاذاً، لكنها بعد الطلاق اكتشفت أن جهودها وتضحياتها ذهبت سدى، ولم تحصل سوى على نصف نصيبها في الشقة التي اشترياها معاً بقرض مشترك.

صعوبة الإثبات

وتبدأ العديد من النساء حياتهن من الصفر بعد الطلاق أو وفاة الزوج، ولا يتم تقدير دورهن، سواء كن عاملات أو ربات بيوت، في تنمية أموال وممتلكات الأسرة في أثناء الزواج.

نساء وسط العاصمة المغربية الرباط (TRT Arabi)

وحسب دراسة أنجزها منتدى الزهراء للمرأة المغربية (نسيج جمعوي يضم عشرات الجمعيات ومراكز الاستماع) فإن النساء يواجهن صعوبة في إثبات مشاركتهن في الأموال المكتسبة في أثناء الزواج، وذلك بسبب عدم توفر الوثائق، أو لأن هذه الأموال صُرفت بطريقة يصعب إثباتها من خلال الوثائق.

وصرحت بعض النساء أنهن غطين نفقات المنزل بالكامل في أثناء دراسة الزوج، أو في حالة فقدان العمل سواء بشكل دائم أو مؤقت، في حين لم تُراعَ جهودهن في أثناء الطلاق أو تقاسم الميراث.

وتجيز المادة 49 من مدونة الأسرة الاتفاق على استثمار وتوزيع الأموال المكتسبة في أثناء الزواج في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج، وجعلت أمر اعتماد هذه الوثيقة اختيارياً.

وبعد 17 سنة من تعديل مدونة الأسرة ما تزال هذه المادة تطرح إشكاليات على مستوى التنفيذ، وبقي تطبيقها محدوداً، حيث كشفت إحصائيات وزارة العدل لسنة 2015 أن 0.5 في المئة من الأزواج فقط أبرموا عقوداً مستقلة لتدبير الأموال المكتسبة منذ دخول القانون حيز التطبيق.

وطأة التقاليد

وتعزو دراسة منتدى الزهراء عدم قبول الزوجين إبرام هذا الاتفاق وعدم مطالبة النساء بتوثيق مساهماتهن في تمويل الأسرة إلى وطأة التقاليد أو الحرج أو خوفاً من تقويض استقرار الأسرة.

كما أكدت معظم المستجوبات اللواتي تزوجن بعد 2004 عدم علمهن بمقتضيات المادة 49، ولم يتم إبلاغهن من قبل العدول، فضلاً عن أن مجموعة من النساء صرحن أن لحظة إبرام عقد الزواج غير مناسبة لإثارة موضوع الأموال المكتسبة، في السياق الثقافي والاجتماعي للزواج.

وحول تأثيرات هذا الأمر على وضعية النساء، كشفت الدراسة الميدانية أن العينة المستجوبة، سواء منهن المطلقات أو الأرامل، عانين من عدم الإنصاف نظراً لعدم توثيق مساهماتهن، ممَّا ترتب عليه صعوبة الإثبات، وبالتالي ضياع حقوقهن وتعرضهن للهشاشة الاقتصادية والاجتماعية.

وتقول سناء بركان العدل الموثقة بمدينة القنيطرة ضواحي الرباط، إنها تعمل على إشعار المقبلين على الزواج بوجود وثيقة اختيارية مستقلة عن عقد الزواج يمكنهما الاتفاق فيها بشأن تدبير الأمور المادية في أثناء الزواج.

وتوضح في حديث مع TRT عربي أن إخبار الطرفين بهذه المسألة هو جزء من الإجراءات المعتمدة خلال عقد الزواج.

وتشير سناء إلى أنها منذ بدأت عملها العام الماضي ضمن أول فوج من العدول النساء، لم تسجل أي عقد لتدبير الأموال المكتسبة في أثناء الزواج، فهذه الوثيقة وإن كانت تروق للنساء ويجدن فيها حماية لهن، كما لاحظت، إلا أن الرجال يتشككون فيها.

وتضيف قائلة: "يعتقد الكثيرون عند الحديث عن إبرام اتفاق حول تدبير ممتلكات الأسرة في أثناء الزواج أن الأمر يخدم مصالح المرأة فقط، والحقيقة أنه يضمن حقوق الرجل أيضاً".

تعديل القانون

وأطلق منتدى الزهراء حملة ترافعية للتأثير على صناع القرار من أجل تعديل المادة 49 من مدونة الأسرة، بما يضمن حقوق المرأة المادية بعد انفراط عقد الزوجية ويحقق العدل.

وتقول عزيزة البقالي رئيسة منتدى الزهراء لـTRT عربي إنهم يشتغلون في هذه الحملة على عدة محاور تتقاطع في سعيها لتعديل القانون.

وتؤكد أن توعية وتحسيس المجتمع جزء أساسي في الحملة، لأن الكثير من الناس يعتقدون عند إثارة الموضوع أن الأمر يتعلق بمطالب نسائية، فيما يرى آخرون أن الحديث عن المسائل المادية في الزواج لا ينسجم مع قيم مؤسسة الأسرة المقدسة في الثقافة الدينية والثقافية للمغاربة، ويهدد استقرارها وقد يؤدي إلى العزوف عن الزواج.

ويطالب المنتدى، حسب البقالي، بأن يصبح عقد تدبير الأموال المكتسبة في أثناء الزواج مسألة إلزامية، وتضيف أنه عند تقنينها ستصبح مقبولة من المجتمع وإجراء عادياً ضمن مسطرة وإجراءات الزواج.

وتوضح المتحدثة أن المنتدى يسعى إلى تحقيق هذا التعديل عن طريق ثلاثة مداخل، منها تقديم ملتمس تشريعي وهو باب يفتحه الدستور المغربي للهيئات المدنية، ثم فتح قنوات التواصل مع صناع القرار من برلمانيين وأعضاء الحكومة، ودفعهم في اتجاه اقتراح تعديل المادة 49 من مدونة الأسرة بما يحقق العدل بين الزوجين.

TRT عربي