التحالف الجديد بشقه الأمني يستهدف شعوب المنطقة العربية عبر تغيير خارطة العلاقات التاريخية فيها، ويهدف إلى حد النفوذ التركي والإيراني في المنطقة، وفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت والخبير في الشأن الفلسطيني شفيق الغبرا

يثير الاتفاق الثلاثي الإماراتي- الإسرائيلي- الأمريكي موجة غضب كبيرة في الشارع الفلسطيني من التوجهات السياسية الرسمية والشعبية كافة، وقد تلاقت السلطة الفلسطينية مع الفصائل في تسميته بـ"اتفاق العار"، وأنه يمثل "طعنة في الظهر، وخروجاً عن الموقف العربي الموحَّد ومبادرة السلام العربية، واستغلالاً للقضية لتمرير مشاريع غير وطنية".

ودعت الأطراف الفلسطينية المختلفة على مستوى السلطة أو الفصائل الفلسطينية دولة الإمارات للتراجع الفوري عن الاتفاق لما يمثله من خطورة على القضية الفلسطينية والمنطقة العربية، معتبرة الاتفاق وَهْماً تحاول أبو ظبي تمريره بربطه بوقف خطة الضم الإسرائيلية التي أفشلها الفلسطينيون...".

رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية اعتبر أن الاتفاق "خروج فاضح عن الإجماع العربي"، موضحاً أن "قوة إسرائيل تأتي من الدعم اللا محدود الاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة، كونها شرطي حراسة في المنطقة، وهو ما جعلها دولة وظيفية بنيت على أساس استعماري، وجاءت بالقوة الاستعمارية ولن نستطيع الاستمرار في ذلك".

ودعا اشتية للقاء قيادي عاجل يشمل الفصائل الفلسطينية لتباحث عدد من الملفات أهمها تطبيع العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية.

يرى رئيس مجموعة الحوار الفلسطيني صادق أبو عامر في تصريحات لموقع TRT عربي أن "اتفاق السلام بين الإمارات وإسرائيل هو إعلان عن تشكل محور إماراتي-إسرائيلي مدعوم أمريكياً، لكن الإعلان عنه في هذا التوقيت ذو مغزى سياسي مرتبط بأجندة كل من ترمب ونتنياهو الداخلية، لتشكيل إقليمي جديد يتبنى إلى حد كبير الرؤية الأمنية الإسرائيلية للمنطقة".

ويضيف أبو عامر: "فلسطينياً سيسعى المحور الجديد لفرض رؤيته في تحديد شروط القيادة الفلسطينية القادمة، وشكل النظام السياسي الفلسطيني، ومن غير المستبعد إيجاد نخب فلسطينية متعاونة معه".

في السياق السابق نفسه جاءت تصريحات مستشار الرئيس الأمريكي جاريد كوشنير الأحد 16 أغسطس/آب 2020، خلال لقاء مع برنامج "فيس ذا نيشن" الذي يعرض على شبكة "سي بي أس" الأمريكية، بأن الشعب الفلسطيني "رهينة لقيادة سيئة للغاية.. وقيادة إرهابية في غزة".

التصريحات السابقة لكوشنير تشبه كثيراً تصريحات مستشارة الأمن القومي الأمريكي السابقة كوندليزا رايس فترة البدء باستبدال الرئيس الراحل ياسر عرفات في 3 يونيو/حزيران 2003، في مؤتمر شرم الشيخ: "حصلنا على بداية مهمة وهي تعيين رئيس الوزراء محمود عباس ليمثل الشعب الفلسطيني، ومعه وفد من الملتزمين إنشاء مؤسسات ديمقراطية بمسؤولية وشفافية في السلطة الفلسطينية ومحاربة الإرهاب".

وتنص أهم بنود الاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 أغسطس/آب 2020، على تطبيع كامل للعلاقات الإماراتية-الإسرائيلية ضمن أجندة أمريكا الاستراتيجية للشرق الأوسط لتوسيع التعاون الدبلوماسي والتجاري والأمني، وتعزيز قطاعات الاستثمار والسياحة، والرحلات الجوية المباشرة، والأمن والاتصالات والتكنولوجيا والطاقة والرعاية الصحية والثقافة والبيئة وإنشاء سفارات متبادلة.

وتجب الإشارة إلى نقطة هامة في الاتفاق تحت بند "يواصل الطرفان الإمارات وإسرائيل جهودهما للتوصل إلى حل عادل وشامل ودائم للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، كما هو موضح في رؤية السلام التي أعلنها الرئيس تامب في 28 يناير/كانون الثاني 2020". في هذه النقطة تحديداً فإن ذلك يعتبر خروجاً إماراتياً عن الإجماع العربي في كل الاتفاقيات الفلسطينية والعربية مع الإدارات الأمريكية السابقة، وترويجاً لصفقة القرن.

خطورة الاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي على المنطقة العربية والقضية الفلسطينية

يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت والخبير في الشأن الفلسطيني شفيق الغبرا في تصريحات لموقع TRT عربي، أن الأمر على خلاف ما تصوره الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي والإمارات، فهو ليس اتفاقاً لدفع عملية السلام نحو الأمام، بل الهدف منه خدمة المصالح الثنائية الإماراتية-الإسرائيلية على حساب القضايا القومية العربية.

لذا جرى الاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي بوصاية أمريكية بشكل مفاجئ ومباشر بين ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد وقيادات إسرائيلية وأمريكية، من دون أي حوار مجتمعي إماراتي، أو أي إشراك للرأي العام، أو حتى نقاش مع الدولة العربية الشقيقة والصديقة، أو المحيط العربي، وما يثير الغرابة أن المفاوضات أعقبت الإعلان وليس العكس كما هو متعارف عليه في الدبلوماسية الدولية.

اقرأ أيضاً:

الوجود اليهودي في الإمارات.. ومشوار التطبيع مع إسرائيل

ويضيف الغبرا: "بداية التطبيع العربي الرسمي العلني كان مع اتفاق كامب ديفيد 1978، ثم مؤتمر مدريد للسلام 1991، عبر المفاوضات الثنائية ومتعدد الأطراف، وظلت العقيدة الأمنية للجيش المصري حتى بعد كامب ديفد ترى "إسرائيل العدو الأول"، لكن الاتفاق الإماراتي لا يمكن إدراجه تحت سياق تطبيع، بل هو تحالف تكمن خطورته بالجزء الأمني منه، وعدم مقاومة الدول المطبعة للاختراق الإسرائيلي القادم".

يوافقه أبو عامر الرأي حين أشار إلى أن ما جرى هو "اختراق إسرائيلي نوعي لمنطقة الخليج العربي من بوابة الإمارات، عبر الاستغلال والتوظيف لمخاوف الدول الخليجية... ما حدث صفقة تعتمد على فكرة حماية تعرضها إسرائيل، بتكلفة أقل مما تدفعه دول الخليج للولايات المتحدة الأمريكية لحماية نظمها السياسية، مقابل التعاون الأمني والاقتصادي المتعلق بمشاريع مختلفة منها الطاقة والمياه، تستطيع دول الخليج المطبِّعة تمويلها من خلال الصناديق السيادية الخليجية".

ويشير أبو عامر إلى أن "أمريكا ترفض فكرة أن تكون دولة إقليمية مهيمنة على الإقليم إلا في حالة الاحتلال الإسرائيلي، وقد عطلت الولايات المتحدة الأمريكية مشاريع النفوذ والتقدم للدول المركزية مثل مصر والسعودية وإيران وتحاول اليوم تعطيل الدور التركي من أجل تمكين الاحتلال الإسرائيلي كمركز في المنطقة العربية".

وأضاف الغبرا أن "هذا التحالف الجديد بشقه الأمني يستهدف شعوب المنطقة العربية عبر تغيير خارطة العلاقات التاريخية فيها، ويهدف إلى حد النفوذ التركي والإيراني في المنطقة".

مسار متدحرج للتطبيع الخليجي-الإسرائيلي

حول مسار التطبيع الخليجي-الإسرائيلي، شهد عام 1991 فترة مؤتمر مدريد للسلام أول لقاء جمع ممثلين عن حكومات خليجية مع الاحتلال الإسرائيلي، وعام 2005 كان يوجد اتفاق خليجي-إسرائيلي نحو "إيران هي العدو المشترك للطرفين"، وعام 2013 شهدت الدول الخليجية أنشطة ثقافية ورياضية شارك فيها إسرائيليون عبر تطبيع علني، وفي 2019 أعلنت إسرائيل أنها ستشارك رسمياً في معرض إكسبو المقام في الإمارات.

وبشكل خاص حول العلاقات الإماراتية- الإسرائيلية التي ظهرت بشكل فج من الإمارات في الأعوام الأخيرة، شارك عام 2010 وزير البنية التحتية الإسرائيلي السابق "عوزي لانداو" في مؤتمر إيرينا في أبو ظبي، وهي المرة الأولى التي يزور بها وزير إسرائيلي الإمارات، وفي 2013 تحدث الرئيس الإسرائيلي شمعون بيريز من مكتبه في القدس عبر الأقمار الصناعية في مؤتمر أمن الخليج في أبو ظبي إلى 29 وزيراً للخارجية من الدول العربية والإسلامية، ثم في عام 2015 وفي المؤتمر نفسه أعلنت إسرائيل أنها الدولة الوحيدة التي سيكون لها بعثة دبلوماسية في أبو ظبي فقط لدى إيرينا.

اقرأ أيضاً:

مثقفو المغرب.. الصوت الرافض للتطبيع الإماراتي

أما النقلة النوعية في التعاون التكنولوجي الأمني بين الاحتلال الإسرائيلي والإمارات فقد حدثت في 2016، بعد أن اشترت الإمارات من شركات إسرائيلية تقنيات التتبع بموافقة وزارة الدفاع الإسرائيلي، مثل تكنولوجيا “NSO”، التي تستخدم لاختراق أجهزة iphone الخاصة بالناشطين المعارضين لابن زايد، ثم اشترت الإمارات تكنولوجيا فائقة بخاصة في مجالات الأمن السيبراني وتقنيات الري والإمدادات الطبية وصناعة الماس والطائرات المسيرة ومعدات المراقبة بما قيمته 800 مليون دولار.

وقد وصل التطبيع إلى مرحلته الخطيرة، إذ استضافت قناة سكاي نيوز الإماراتية الاثنين 17 أغسطس/آب 2010، رئيس الوزراء الإسرائيلي بينامين نتيناهو بلقاء مباشر قال فيه: "إسرائيل أصبحت حليفاً وشريكاً... الإمارات لن تكون الأخيرة".

العوامل والآثار المستقبلة للاتفاق الإماراتي-الإسرائيلي

يشير أبو عامر إلى وجود عدة عوامل لعبت دوراً في الاختراق الإسرائيلي للإمارات ومنطقة الخليج، أهمها الضعف العربي وفق التقدير الإسرائيلي مع تنامي مخاوف دول الخليج من التهديد الإيراني المزعوم، وانخراط دول المواجهة العربية باتفاقية السلام مع الاحتلال الإسرائيلي كالأردن ومصر، وخروج دول المواجهة المركزية من الصراع مع انهيار جيوش سوريا والعراق، وما تبعها في السنوات القليلة من تراجع السعودية التي أطلقت المبادرة العربية للسلام مع الاحتلال الإسرائيلي، وبالتوازي انحسار الفعل السياسي الفلسطيني، ضمن أزمة المشروع الوطني الفلسطيني، سمح ذلك للاحتلال الإسرائيلي أن يمد نفوذه في المنطقة بصورة متسارعة" .

ويضيف أبو عامر: "يوجد سوء تقدير لدى بعض الأنظمة العربية الخليجية أن إسرائيل يمكن أن تشكل لها طوق نجاة من أي تحديات أمنية تواجهها، الأمر الذي سيحول الاحتلال الإسرائيلي إلى دولة إقليمية تخترق الأمن القومي العربي بشكل واضح".

أما عن مسارات الاتفاق المستقبلية يرى الغبرا أن الاتفاق "سيضع الإمارات في موقف محرج تفتقد فيه أي شعبية في الشارع العربي، وسيظل معلقاً في الهواء لدعم المشاريع والعلاقة المشتركة خارج السياق العربي، مما سيمثل عبئاً مستقبلياً على الإمارات، والدول التي تسير باتجاهها".

على الرغم من عدم التوقعات برد فعل عربي رسمي يشبه ما قامت به جامعة الدول العربية من سحب مقرها من مصر عقب اتفاق كامب ديفيد في مؤتمر القمة العربي العاشر 1979 المنعقد في تونس، فلا يعني توقُّف حالة الغليان والفعل الشعبي حسب مجالات الحرية في المنطقة العربية -وفق رأي الغبرا-.

وعن المطلوب فلسطينياً قال أبو عامر: "يجب وقف الانهيار في المعسكر العربي عن طريق دعم عربي وإقليمي من الحلفاء لإسناد القوى الوطنية الفلسطينية، ودعم الوحدة الفلسطينية التي تمثل جدار الحماية الأهم أمام الاختراقات الإسرائيلية".

المصدر: TRT عربي