لا تُخفي الولايات المتحدة الأمريكية مخاوفها من تنامي تعاون إسرائيل مع غريمتها الأولى الصين، وخاصة في المجال الرقمي والتكنولوجي بما يُعزز قدرتها الأمنية والعسكرية، ما تعتبره واشنطن تهديداً حقيقاً.

رغم التهديدات الأمنية وعدم الاستقرار الذي تعيشه إسرائيل، إلا أنّها تحاول باستمرار كسر عزلتها السياسية وتطوير القطاعات التي من الممكن أن تستدرج بها الحلفاء والشركاء. وقد تمكّنت في هذا السياق من تطوير منظومتها الرقمية والتكنولوجية، لتكون بالتالي كياناً عالمياً منافساً.

وقد نشرت Start-Up Nation Central في وقت سابق تقريراً كشفت فيه تجاوز إسرائيل الصين باعتبارها البلد الأكثر جذباً لاستثمارات رأس المال المغامر في شركات الأمن الإلكتروني خارج الولايات المتحدة الأمريكية.

بدوره انخرط الجيش الإسرائيلي في مخابر البحث والتطوير التكنولوجي كرافد بشري، لتصبح اليوم الحروب التي يمكن أن تشنّها إسرائيل على المنطقة تأخذ أشكالاً أخرى. حيث إنها تمكنت من إنشاء قاعدة استخبارات ومراقبة إلكترونية في حوض البحر الأحمر، كما استخدمت تقنيات لشركات إسرائيلية في التجسس على بعض الشخصيات السياسية والحقوقية ومن بينهم رؤساء دول، وعمدت إلى توجيه خيارات بعض الشعوب في المحطات الانتخابية باعتماد تقنياتها المتطورة، وغيرها.

فتوسّع نفوذها الاستخباراتي في عدة مناطق وأقاليم، وتطورت معداتها العسكرية التي استُخدمت في حروبها الأخيرة.

وبتردد صدى هذا التطور في الأسواق العالمية، بادرت بعض الدول إلى عرض الشراكة والتعاون مع إسرائيل في عدة مجالات وعلى رأسها المجال التكنولوجي، حقل السيطرة الجديد في العالم، مقابل الاستثمار ورفد الاقتصاد الإسرائيلي، وكانت الصين أهم هؤلاء الشركاء المبادرين.

ومع تنامي العلاقات بين الجانبين، عبّرت واشنطن عن غضبها من تعاون حليفتها الاستراتيجية والصديقة التي لطالما حظيت بدعمها، مع منافستها الأشد في المنطقة، وحذّرت من تداعيات ذلك على مستوى العلاقات بين تل أبيب وواشنطن.

شراكات متنامية بين بيكين وتل أبيب

أشارت إحصائيات رسمية إلى حجم الاستثمار الصيني في إسرائيل، الذي بلغ بين عامي 2007 و2020، نحو 19 مليار دولار. وُجّهت النسبة الأكبر حينها من الاستثمار إلى القطاع التكنولوجي بنحو 9 مليارات دولار، في حين استثمرت قرابة 6 مليارات دولار في البنية التحتية.

وزادت في الوقت ذاته قيمة التدفق التجاري السنوي بين الجانبين من 12 مليار دولار إلى 15 مليار دولار، لتصبح بذلك الصين ثالث أكبر شريك تجاري لإسرائيل بعد أوروبا والولايات المتحدة. كما زاد حجم الصادرات الإسرائيلية إلى الصين بنسبة 56%، وتتركز هذه الصادرات أساساً في قطاع التكنولوجيا.

وسعت بيكين في الوقت ذاته إلى اغتنام فرصة الشراكة والتعاون مع تل أبيب، والاستثمار فيها لنقل التكنولوجيات إليها، وأرسلت في هذا الإطار أكاديميين إلى إسرائيل وأنشأت هناك مراكز بحث وتطوير، واشترت عدة شركات رائدة.

وأشارت تقارير رسمية إلى أنّ الصين استهدفت الاستثمار لاحقاً في أكبر شركتين مصدّرتين للسّلاح في إسرائيل، وهما شركة صناعات الفضاء الإسرائيلية وشركة رفائيل المصنّعة للأسلحة، ولدى الشركتين فروع في الولايات المتحدة وتساعدان على تصنيع الأسلحة الإسرائيلية الأكثر تطوراً، بما في ذلك الصواريخ وإلكترونيات الطيران.

وإلى جانب المجال التكنولوجي، فقد شهد الاستثمار في البنية التحتية بدوره انتعاشاً، حيث كشف تقرير صدر سابقاً عن مركز أبحاث إسرائيلي مستقل تابع لجامعة تل أبيب، أنّ مجموعة أنفاق السّكك الحديدية الصينية China Railway Group قد بنت جزءاً كبيراً من الخط الأحمر لشبكة السّكك الحديدية الخفيفة في تل أبيب. كما وسّعت في الأثناء شركات إنشاءات صينية موانئ إسرائيل الرئيسية في حيفا وإسدود، اللذين يُعتبران قواعد للبحرية الإسرائيلية، التي تضمّ أسطول الغواصات الإسرائيلية.

كما سمحت إسرائيل للصين عبر اتفاقيات ومعاهدات مُبرمة بينها، بإدارة المشاريع الاستراتيجية كأعمال التعدين في الأنفاق الإسرائيلية، وبناء وتشغيل منشأة سوريك لتحلية المياه لمدة 25 سنة، كما منحتها السيطرة على المصانع المهمة مثل "تنوفا" والعديد من المصانع الأخرى.

ورغم أنّ هذا التعاون بين الجانبين وتنامي الشراكات والتنسيق بينهما، قد حقق انتعاشة اقتصادية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، إلا أنّ أصواتاً إسرائيلية حذرت من أن تستغل بيكين هذه العلاقات للحصول على التكنولوجيا العسكرية والأمنية على وجه خاص وذلك بوسائل سرية.

مخاوف أمريكية من النفوذ الصيني

استشعر المسؤولون الأمريكيون الخوف من تنامي روابط الشراكة والتعاون بين الصين وإسرائيل، وحذّرت واشنطن، في هذا السياق، إسرائيل من وصول الصين المتزايد إلى بنيتها التحتية وتقنياتها، وأن تتمكن بالتالي من الحصول على التكنولوجيا الأمنية والعسكرية الإسرائيلية عبر قنوات متنوعة، فتعزز نفوذها وتنجح في الاختراق والتجسس.

وأثارت الولايات المتحدة الأمريكية الموضوع في أكثر من مناسبة وعبّرت عن قلقها من استخدام ميناء حيفاء الذي تُشغّله، للتجسس على سفن البحرية الأمريكية التي تزور إسرائيل، وهددت بالتالي من منع سفنها من دخول الموانئ الإسرائيلية مستقبلاً إذا ما تواصل تسليم إسرائيل مفاتيح موانئها للصين.

ومؤخراً اتهمت مصادر استخباراتية أمريكية ومسؤولون في وزارة الخارجية والبنتاغون إسرائيل بنقل التكنولوجيا العسكرية الأمريكية إلى الصين ودول أخرى. ودعا في هذا الإطار الكونجرس الأمريكي، مراقب الدولة لإجراء تحقيقات عاجلة في هذا الأمر.

وبينما تسعى إسرائيل لتطوير اقتصادها، وإعادة هندسة علاقاتها مع الصين كقوة صاعدة في الشرق، لا يمكنها في الوقت ذاته تجاهل المخاوف والتحذيرات الأمريكية، حيث إنّ واشنطن تعتبر أهم حليف استراتيجي لها.

TRT عربي