محطة لتجميع الغاز المستورد من روسيا  (Joe Klamar/AFP)
تابعنا

وقد تعقد الأمر كثيراً بعد تجميد الاحتياطي النقدي الأجنبي الروسي القابع في بنوك الدول الغربية، وانعدام قدرة الدولة الروسية على استخدام تلك الاحتياطات في سداد التزاماتها تجاه الدائنين حول العالم.

تزامن ذلك مع إخراج روسيا من نظام سويفت للتحويلات المالية فأصبح البنك المركزي الروسي لا يمتلك إمكانية التحويل لأي بنك من بنوك هذه الدول التي فرضت عقوبات عليه وعلى الكثير من البنوك المحلية. ونظريّاً هدد ذلك روسيا بالوقوع في فخ التخلف عن السداد لمدفوعات ديونها ووارداتها السلعية، أو حتى قبض أثمان الغاز والنفط التي تعتمد على عوائدهما كعماد رئيسي للاقتصاد الريعي للبلاد، لا سيما أنهما يُكوّنان أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي.

وتعرضت روسيا خلال شهر واحد فقط من بداية الحرب على أوكرانيا إلى أربعة حزم من العقوبات حيث خضع 2778 كياناً روسيّاً لعقوبات، ووفقاً لموقع "بلومبيرغ" نقلاً عن منصة "كاستيلوم"، وهي قاعدة بيانات عالمية لتتبع العقوبات، فإنه يتجاوز عدد الكيانات أو المؤسسات الروسية الخاضعة للعقوبات حتى منتصف مارس/آذار الماضي 5530، الأمر الذي جعل مراقبين يشبهون هذه القيود الصارمة بـ"حرب نووية مالية" على موسكو.

وفي مطلع أبريل/مايو الجاري أُطلِقت الحزمة الخامسة من العقوبات على روسيا، حيث أعلنت واشنطن بالتنسيق مع مجموعة الـ7 والاتحاد الأوروبي منع كل الاستثمارات الجديدة في روسيا، وذكر البيت الأبيض أن الولايات المتحدة فرضت مزيداً من العقوبات على المؤسسات المالية الروسية ومسؤولين في الكرملين وعائلاتهم، حتى طالت العقوبات بنات الرئيس فلاديمير بوتين.

كان من المنطقي بعد كل تلك العقوبات أن يتفسخ البناء الاقتصادي الروسي، وأن تنهار المؤشرات الاقتصادية وفي مقدمتها العملة المحلية، ولكن الغريب أن الاقتصاد الروسي استطاع الصمود بل حقق العديد من المكاسب، والعجيب أن روسيا باغتت الجميع بإعلان الروبل عملة وحيدة لدفع أثمان صادراتها من النفط والغاز، وتهديد الدول التي تمتنع بإيقاف التصدير إليها، بل وأوقفت التصدير فعلياً لدولتين من الاتحاد الأوروبي رفضتا الدفع بالروبل وهما بلغاريا وبولندا، وهو الأمر الذي فسره المراقبون بأنه تحول جذري لمعادلة الصراع، مما يعبر عن صمود الاقتصاد الروسي رغم العقوبات الضخمة، ولا شك أن هذا الصمود تقف وراءه الكثير من الأسباب.

وبداية يجب تأكيد أن العقوبات المتلاحقة على الاقتصاد الروسي بخاصة من جانب الاتحاد الأوروبي سيكون لها آثار سلبية على دول الاتحاد. فالعزلة التي هدد بها البعض روسيا جراء العقوبات جزء منها سيصيب الاتحاد الأوروبي لأنّ القرب الجغرافي يقترن بروابط اقتصادية وأمنية وثيقة وعميقة، فعلى سبيل المثال توجد الكثير من الشركات الأوروبية العاملة في السوق الروسية حيث تنشط فيها 6000 شركة ألمانية، كما قدرت الوظائف المرتبطة بعلاقات ألمانيا بروسيا اقتصادياً بنحو 400 ألف وظيفة.

وتجدر الإشارة إلى أن دول الاتحاد الأوروبي لم تتعاف كلياً من تداعيات فيروس كورونا، كما أن معظمها لا يمتلك الإمكانات الألمانية في التأقلم مع المستجدات الاقتصادية الناجمة عن العقوبات الروسية، ولعل ذلك ما يفسر التناقضات بين الدول الأوربية تجاه بعض القضايا وفي مقدمتها التعامل بالروبل، وهي الأداة التي فجرتها روسيا في وجه الجميع.

وبعيداً عن تصريحات السياسيين فقد نقلت وكالة "بلومبورغ" الأمريكية العالمية أن عشرة مشترين للغاز الروسي في أوروبا فتحوا حسابات بالفعل في "غاز بروم بنك"، وسددوا ثمن وارداتهم من الغاز الروسي بـالروبل، وهذا يعني الرضوخ للقرار الروسي الذي جاء كرد على العقوبات الأمريكية، مما يعني أن هذه العقوبات بدأت تترنح وتفقد الكثير من زخمها ومفعولها.

وبالفعل ارتفعت العملة الروسية إلى ما يعادل 71 روبلاً مقابل الدولار بعد أن انخفض سابقاً إلى 140 روبلاً مقابل الدولار في الأيام الأولى لاجتياح الدبابات الروسية للأراضي الأوكرانية في شهر فبراير/شباط الماضي، ما يعني أن العملة الروسية عوضت جميع خسائرها، وبات الاقتصاد الروسي أكثر قوة، والفضل في ذلك يعود أيضاً إلى ارتفاع أسعار صادرات الغاز والنفط وعوائدها مما جعل الخزينة الروسية متخمة بهذه العوائد.

كما أعلن إيغور مورغولوف، نائب وزير الخارجية الروسي، أن موسكو وبكين شيّدتا البنية التحتية الكاملة للانتقال إلى نظام مالي جديد يقوم على العُملتين الوطنيتين للبلدين (اليوان والروبل) وزيادة التجارة البينية بينهما، حيث ارتفع معدل التبادل التجاري إلى حوالي 38.5 في الشهرين الأولين (يناير وفبراير) من العام الحالي.

كما أعلن وزير الخزانة والمالية التركي نور الدين نباتي أنه مع بداية الموسم السياحي، لن يواجه السائحون الروس أي مشاكل في إنفاقهم بسبب قيود فيزا وماستركارد، وقال: "هناك بطاقة MIR مستخدمة في تركيا، والتي يبلغ معدل استخدامها حوالي 15%، وقال إن البنوك التركية تعمل على زيادة هذا المعدل". وهذه إشارة إلى وجود بدائل لنظام سويفت وتكيف الروس مع هذه الأنظمة.

ورغم أن صادرات الطاقة هي محور استراتيجية روسيا للصمود في وجه العقوبات، فإن الآثار السلبية للعقوبات ستمتد لتشمل قطاعات أخرى مثل التجارة والتصنيع والبنوك والأسواق، حيث نقلت صحيفة "فاينانشيال تايمز" البريطانية أنّ "أضرار الاقتصادات الأوروبية قد تشمل موردي التكنولوجيا والمقرضين لمصدري السلع، والمصنعين المعتمدين على المواد الخام، الأمر الذي قد يزيد في تعقيدات الروابط التجارية والضغوط التضخمية، ويحدّ نشاط مجموعة واسعة من الشركات الأوروبية".

ولن تعاني الدول الأوروبية وحدها من التضخم بل إن دول العالم كلها تكتوي بنيرانه حالياً، وهو التضخم الذي يرجع في نسبة لا يستهان بها إلى الحرب على أوكرانيا، كما أن روسيا تمتلك ذخيرة كافية من الإنتاج العالمي للحبوب، الذي سيزيد من نقمة العديد من دول العالم على الحرب حال توقف الإمدادات الروسية إن تحققت.

أحسنت روسيا استخدام ورقة الطاقة والعوز الأوروبي لإمداداتها، وتشابكها العميق مع الاقتصاد الأوروبي، كما أحسنت استخدام ورقة العملة المحلية واضطر البعض إلى الانصياع، وما زالت تمسك بورقة إنتاجها الضخم من الحبوب، وهي الأوراق التي شكلت حوائط دفاعية قوية مكنت الاقتصاد الروسي من الصمود الكبير تجاه العقوبات وتحقيق العديد من المكاسب، ومن المؤكد أن النقاشات ستتوالى خلال الأيام القادمة حول تفكك "مملكة" الدولار والعملات الغربية مثل اليورو والاسترليني لصالح الكتلة الروسية الصينية، مما يعني ببساطة أن زمام المبادرة انتقل إلى اليد الروسية.

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

TRT عربي