تعاملت الأوساط الإسرائيلية مع المظاهرات الشعبية التي تشهدها مصر في الأيام الأخيرة بأهمية لافتة، إذ نظرت إليها وسط قلق لا تخطئه العين انتاب دوائر صنع القرار الإسرائيلي من إمكانية إسقاط نظام السيسي، بالنظر إلى حجم التنسيق الأمني والعسكري بينهما.

استقطبت الاحتجاجات المصرية الجارية هذه الأيام اهتمام دوائر صنع القرار الإسرائيلي، سواء الإعلامية منها أو السياسية، وإن أحجم المسؤولون الإسرائيليون، السياسيون منهم والعسكريون والأمنيون، عن التعليق الرسمي على هذه الأحداث، رغبة في عدم إحراج حليفهم المقيم في قصر الاتحادية، لكن ذلك لا يعني عدم التواصل الحثيث بين القاهرة وتل أبيب على مدار الساعة.

بغض النظر عن الأرقام المتداولة للمتظاهرين، دقيقةً كانت أم مبالغاً فيها، فإن الأوساط الإسرائيلية أكدت أننا أمام حالة جديدة اسمها كسر حاجز الخوف لدى المصريين، الذين خرجوا للتظاهر، ودعوا لإسقاط نظام السيسي، واتهموه ورجاله بالفساد، وبناء القصور على حساب أموالهم، في الوقت الذي لا يجد فيه ملايين المصريين ما يأكلونه.

اعتبرت محافل صنع القرار الإسرائيلي عبر الأقلام السياسية والتحليلات الصحفية أنه على الرغم من الأعداد المصرية المتواضعة، فإننا أمام حدث خارق من نوعه في مصر، بسبب الدعوات التي صاحبت المظاهرات، وتركزت في شعارات إسقاط السيسي.

توقفت إسرائيل طويلاً عند ترديد اسمها كثيراً في المظاهرات المصرية الجارية، باعتبار السيسي صديقاً لها، مع العلم أنه في حال عادت الحياة إلى ميدان التحرير، فإن هذا يمثل أخباراً سيئة جداً لإسرائيل، لأن مؤشرات عدم استقرار نظام السيسي، قد يجعلها تواجه مجدداً سيناريو الرعب الذي خشيته بعد ثورة يناير 2011.

فلم يعد سراً أن الصداقة بين نتنياهو والسيسي تطورت بشكل لافت منذ استيلاء الأخير على الحكم في مصر قبل ست سنوات، بدليل أن الإسرائيليين لم يستمعوا في عهده كلمة نقد واحدة، وهذه ليست مناورة ومجاملة، إنما أقوال صادقة.

أكثر من ذلك، فقد دأب نتنياهو على وصف السيسي بأنه "صديقي الطيب"، وهذا تعبير شخصي ومشحون، ويشهد على علاقات تتجاوز شؤون العمل، "وكلاهما يتحدثان هاتفياً على نحو ثابت، ويمكن الافتراض أنهما التقيا أكثر مما نشر عن ذلك، وهذه منظومة علاقات استثنائية تستند إلى الشخصية الخاصة لكليهما".

يتحدث الإسرائيليون علانية عن جملة من الصفات المشتركة بين نتنياهو والسيسي كفيلة بأن تربطهما معاً، فكلاهما يعيش إحساساً بالتهديد الوجودي، ويواجه المجموعات المسلحة ذاتها، وينتمي إلى الجانب المحافظ من الخريطة السياسية، ومن صفاتهما المشتركة أن الإعلام يعد مصدر إزعاج لهما، ولديهما حساسية لما يقال عنهما علناً.

تعتبر العلاقات التي نسجت بين إسرائيل والسيسي في السنوات الأخيرة تطوراً جيداً من وجهة النظر الإسرائيلية، طالما شكلت وسيلة لتعزيز الاتصال بينهما، حتى إن العلاقات الأمنية بين تل أبيب والقاهرة لم تصل في تاريخها إلى هذا المستوى من العمق والتنسيق وتبادل المعلومات، فيما لم تشهد العلاقات العسكرية والاستخبارية بين مصر وإسرائيل هذا الانفتاح من قبل، حتى منذ توقيع اتفاق السلام بينهما قبل أربعة عقود.

إن مكمن المتابعة الإسرائيلية الحثيثة للمظاهرات المصرية الأخيرة ضد السيسي، يعود إلى أن العلاقات الوثيقة بين الأخير والإسرائيليين أخذت أبعاداً عملياتية تتمثل في أن الجيش الإسرائيلي يواصل تنسيقه الميداني مع نظيره المصري في سيناء، خشية أن يطلق المسلحون قذائفهم الصاروخية باتجاه إسرائيل، كما تواصل إسرائيل اعتمادها على رجال السيسي بالتوصل إلى تهدئة مع حماس، ما يجعل السيسي ونتنياهو يتحدثان بصورة دائمة، وبشكل مباشر، وبينهما لغة مشتركة.

لا يخفي الإسرائيليون التسريبات التي تتحدث عن وجود اتفاقات في الغرف المعتمة بين نتنياهو والسيسي، وهو السر الذي يحتفظ به رئيس مجلس الأمن القومي الجنرال مائير بن شبات، ما يعني أن العلاقة بينهما في القاهرة وتل أبيب تقوم على التحالف، والتعاون المكثف مع الجيش المصري، لمواجهة النفوذ الإيراني في غزة، وخدمة الدول المعتدلة مثل مصر والسعودية والإمارات من خلال التحالف الإسرائيلي مع هذه الدول العربية الصديقة.

يمكن القول إن نتنياهو يعانق السيسي عناق الدببة، من خلال الموافقة الإسرائيلية على التواجد العسكري المصري في صحراء سيناء، التي لم تعد منطقة معزولة من السلاح، بجانب الأيدي المصرية المتحالفة مع إسرائيل لمحاربة حماس.

كل ما تقدم يدفع الإسرائيليين إلى أن يظهروا قلقهم من تبعات المظاهرات الأخيرة في مصر في حال استمرت، وسط قناعات لا يخفونها، وتتمثل في قدرة نظام السيسي الحصرية على حفاظ العلاقات القوية مع إسرائيل، وهو ما يقابله دعم متواصل تقدمه إسرائيل له، كما تستغل تل أبيب نفوذها لدى واشنطن لتعزيز التحالف الاستراتيجي بالشرق الأوسط، والدعم المالي والعسكري للقاهرة تحت حكم السيسي.

هذه القناعة الإسرائيلية لا تنفي الفرضية التي ترى أن أكبر التحديات التي تواجه السيسي هي تجدد المظاهرات والحراك الثوري، بجانب الحرب التي يخوضها في سيناء، والتعاون مع إسرائيل، مع أن ما يمكن وصفها بالبدائل الإسرائيلية عن السيسي، حتى لو تحت مظلة الجيش، لا يمكن التقليل من خطورتها وتداعياتها الإقليمية.

الأمر الأكيد أن مصلحة إسرائيل وحلفائها في المنطقة تكمن في الاستمرار بمساعدة السيسي في استقرار نظامه، ومن الأفضل للحلفاء تقديم النصائح له، حتى وإن كانت سرية، لتشجيعه على الاستمرار بالحكم، وسط تقديرات إسرائيلية بوجود ما يمكن وصفها توترات داخل المؤسسة العسكرية المصرية الحاكمة.

إن القراءة الإسرائيلية اليوم لمظاهرات المصريين ضد السيسي مردها إلى أن مصر في عهده تعتبر حجر الزاوية في الاستقرار الإقليمي من وجهة النظر الإسرائيلية، الأمر الذي يتطلب استمرار تقديم الدعم له، لاستقرار منظومته الحاكمة، من أجل المصلحة المركزية لإسرائيل وحلفائها في المنطقة والعالم.

يعتقد الإسرائيليون أنهم يحسنون صنعاً إن ساهموا في استقرار نظام السيسي، وجعلوه نصب أعينهم، وعلى إسرائيل أن تركز بسياستها الخارجية وحواراتها الاستراتيجية مع حلفائها الإقليميين في المنطقة والولايات المتحدة وأوروبا على عنصر أساسي ومركزي وهو تقوية استقرار النظام المصري، فيما تقوم إسرائيل بانتهاج سياسات وإجراءات تحافظ على علاقات وثيقة مع القيادة المصرية الحاكمة في القاهرة.

لقد بدا الدعم الإسرائيلي لنظام السيسي ضد المظاهرات المصرية داخل إسرائيل وخارجها، وقد تجلى ذلك في الإسناد الأمريكي الواضح للسيسي، حين نادى الرئيس ترمب السيسي بعبارته الشهيرة "دكتاتوري المفضل"، وهو ما يكشف عن حجم الاهتمام الإسرائيلي بتعزيز استمرار دعم الكونغرس لمصر، وتقوية القيادة المصرية، في ضوء ما صرح زعماء إسرائيليون كثر بأن التعاون الأمني مع مصر وصل مراحل غير مسبوقة، ولذلك دأب السيسي على توجيه الشكر للجهود الإسرائيلية عبر لقاءاته الودودة مع زعماء اليهود الأمريكيين، ذوي التأثير على ترمب وإدارته.

إن إسرائيل ترى في بقاء نظام السيسي بمصر، وحمايته من المظاهرات الأخيرة، مصلحة حيوية لها من كل النواحي السياسية والأمنية، ما يتطلب منها تعميق الحوار مع السيسي، وفي الوقت ذاته فإن قادة المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية في تل أبيب مطالبون بالاستعداد لسيناريو مستبعد، لكنه يبقى قائماً وخطيراً، يتمثل بتفكك نظام السيسي، أو تدخل مصر في حالة من الفوضى، أو أن يعلو السلطة نظام معادٍ لإسرائيل.

في هذه الحالة ستكون تبعات ونتائج بعيدة المدى على أمن إسرائيل ووضعها الإقليمي، ما يتطلب من إسرائيل بذل كل جهد مستطاع لدعم استقرار نظام السيسي القريب من الغرب، وفي الوقت ذاته الاستعداد لساعة الصفر، خشية تمدد هذه المظاهرات، وتكرار سيناريو الإطاحة بمبارك، وإن كانت هذه المرة بتواطؤ من بعض قادة الجيش المصري.

جميع المقالات المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن TRT عربي. 

المصدر: TRT عربي