وتركّز الاستراتيجية الوطنية للدفاع على الدور العملي لوزارة الحرب في تنفيذ استراتيجية الأمن القومي التي يضعها الرئيس، إذ يُعِدّ هذه الوثيقة مكتب وزير الدفاع، ويُفترض نشرها دورياً كل أربع سنوات.
وتهدف الاستراتيجية إلى توضيح الكيفية التي ستسهم بها وزارة الحرب في تحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي، بما يضمن الحفاظ على أمن الولايات المتحدة وازدهارها في بيئة دولية متغيرة. كما تُلزَم الوثيقة تشخيص البيئة الاستراتيجية العالمية، وتحديد وضعية القوات الأمريكية، وتوضيح دور الولايات المتحدة في منظومة الأمن الدولي.
وفي مقدمة الوثيقة يقدّم وزير الدفاع بيتر هيغسيث نقداً حادّاً لسياسات الإدارات الأمريكية السابقة، معتبراً أنها أهدرت التفوق العسكري الأمريكي وموارد البلاد في حروب طويلة الأمد ومشاريع خارجية لم تخدم المصالح المباشرة للشعب الأمريكي، وأسهمت في إضعاف الروح القتالية للقوات المسلحة، وإبعاد الجيش عن مهمته الجوهرية المتمثلة في القتال والانتصار وردع الحروب الكبرى.
ويؤكد هيغسيث أن الرئيس ترمب أحدث تحولاً جذرياً في السياسة الدفاعية الأمريكية عبر تبنّي مبدأ “أمريكا أولاً”، وإعادة توجيه الاستراتيجية العسكرية نحو تحقيق “السلام عبر القوة”، بدل الانخراط في التدخلية العسكرية، وتغيير الأنظمة، وبناء الدول.
ويشدد على أن هذا النهج لا يعني الانعزال أو الانسحاب من العالم، بل يقوم على واقعية عملية صارمة، تحدّد الأولويات بوضوح، وتركّز على أخطر التهديدات التي تواجه المصالح الأمريكية.
وتوضح الوثيقة أن الاستراتيجية الجديدة تقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، أبرزها: إعطاء الأولوية للدفاع عن الوطن والمصالح الأمريكية في نصف الكرة الغربي، وردع الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ عبر القوة والتوازن العسكري لا عبر المواجهة المباشرة، وتحميل الحلفاء والشركاء مسؤوليات أكبر في الدفاع وتقاسم الأعباء، إضافة إلى إعادة بناء القاعدة الصناعية الدفاعية ضمن نهضة صناعية أمريكية أوسع.
وتتكون الاستراتيجية من محورين رئيسيين: الأول يركّز على توصيف البيئة الأمنية التي تعمل فيها الولايات المتحدة، فيما يتناول الثاني النهج الاستراتيجي الذي ستتبعه واشنطن في التعامل مع هذه البيئة.
“أمريكا أولاً” كإطار ناظم
امتداداً للتصورات السياسية التي يتبنّاها الرئيس ترمب وإدارته، تقوم هذه الاستراتيجية على مبدأ “أمريكا أولا”، الذي تعرّفه الوثيقة بوصفه آلية لتحديد الأولويات، وربط الأهداف بالوسائل، والتركيز على المصالح الأمريكية المباشرة.
في هذا السياق يؤكّد وزير الدفاع أن الولايات المتحدة “لن تنشغل بعد اليوم بالتدخلية، ولا بالحروب التي لا تنتهي، ولا بتغيير الأنظمة وبناء الدول”. بدلاً من ذلك “سنضع المصالح العملية والملموسة للشعب الأمريكي في المقام الأول، وسندعم سياسة سلام حقيقي قائم على القوة، وسنكون السيف والدرع لردع الحرب بهدف تحقيق السلام”.
ويضيف أن هذا النهج يستند إلى واقعية عملية مرنة، تنظر إلى العالم بوضوح وبلا أوهام، وهو ما تراه الإدارة شرطاً أساسيّاً لخدمة المصالح الأمريكية. في هذا الإطار تبرز مقولة “السلام عبر القوة” بوصفها أحد المفاهيم المركزية في الاستراتيجية الدفاعية، إذ تؤكد الوثيقة -انسجاماً مع استراتيجية الأمن القومي- أن القوة هي الوسيلة الأنجع للردع، وأن الجهات التي تُردَع بما يكفي عن تهديد المصالح الأمريكية غالباً ما تمتنع عن ذلك. كما ترى أن امتلاك القوة يمكّن الولايات المتحدة من تحقيق السلام، لأن الأطراف التي تحترم قوتها تميل إلى طلب مساعدتها والاستجابة لجهودها في تسوية النزاعات.
“الحليف النموذجي” وتقاسم الأعباء
تصف الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية إسرائيل بأنها “الحليف النموذجي”، مستندة في ذلك إلى ما تعتبره قدرة إسرائيل واستعدادها للدفاع عن نفسها بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، بدعم أمريكي حاسم لكنه محدود.
يعكس هذا التوصيف الرؤية الأمريكية للشركاء “المثاليين”، أي أولئك القادرين على الاضطلاع بدور أكبر في الدفاع عن أنفسهم، بما يتيح لواشنطن تعزيز التكامل بين الشركاء الإقليميين، وتمكينهم من العمل المشترك بصورة أوسع.
ويهدف هذا التوجه إلى تمكين الولايات المتحدة من الحفاظ على “توازنات قوة مواتية” في مختلف مناطق العالم، بحيث تركز القوات الأمريكية على الدفاع عن الوطن ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ، فيما يتولى الحلفاء والشركاء في مناطق أخرى المسؤولية الأساسية عن دفاعهم، بدعم أمريكي محدود لكنه حاسم.
ووفق الاستراتيجية، يتيح هذا النهج للرئيس ترمب وضع الولايات المتحدة على مسار يضمن استدامة “السلام عبر القوة” لعقود مقبلة، ويجعل التحالفات والشراكات الأمريكية أقوى مما كانت عليه في أي وقت منذ نهاية الحرب الباردة.
أولويات التهديد في الاستراتيجية
تحتل حماية “الوطن” موقع الصدارة في أولويات الاستراتيجية، حيث تعيد تسليط الضوء على قضايا الحدود، والهجرة غير الشرعية، والجريمة العابرة للحدود، وتجارة المخدرات، باعتبارها تهديدات أمن قومي لا تقلّ خطورة عن التهديدات العسكرية التقليدية.
في هذا السياق تُعَدّ الصين التحدي الاستراتيجي الأهمّ للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين. فهي، بحسب الوثيقة، ليست مجرد منافس إقليمي، بل قوة كبرى تسعى –أو قد تسعى– للهيمنة على منطقة المحيطين الهندي والهادئ، التي ستضمّ قريباً أكثر من نصف الاقتصاد العالمي.
وترى وزارة الحرب أن أي هيمنة صينية على هذه المنطقة من شأنها تقييد وصول الولايات المتحدة إلى الأسواق العالمية، وإلحاق أضرار بعيدة المدى بقدرتها الاقتصادية والصناعية.
مع ذلك تميّز الاستراتيجية بوضوح بين الردع والاحتواء من جهة، والسعي إلى صدام وجودي شامل من جهة أخرى. فالهدف الأمريكي ليس إسقاط النظام الصيني أو خوض حرب شاملة، بل منع أي طرف من فرض هيمنة إقليمية تقوّض مصالح واشنطن وحلفائها.
في هذا الإطار تُوجَّه وزارة الحرب إلى الحفاظ على توازن عسكري مواتٍ يشكّل الأساس الصلب لمسار دبلوماسي واقعي مع بكين.
أما روسيا فتصنّفها الاستراتيجية باعتبارها تهديداً مستمرّاً لكنه قابل للإدارة، لا منافساً كونيّاً على غرار الصين. فعلى الرغم من امتلاك موسكو أكبر ترسانة نووية في العالم وقدرات سيبرانية وفضائية متقدمة، فإن القيود الاقتصادية والديموغرافية تحدّ من قدرتها على الهيمنة في أوروبا.
بناءً عليه، تسعى الولايات المتحدة لردع روسيا وحماية الوطن من أي تهديد مباشر، مع تقليص انخراطها العسكري في أوروبا، وتحميل حلف شمال الأطلسي –ولا سيما الدول الأوروبية– المسؤولية الأساسية عن أمن القارة.
إيران وإعادة تشكيل التوازن
في الملف الإيراني، تتسم الاستراتيجية بنبرة حاسمة، إذ يُعَدّ امتلاك إيران سلاحاً نوويّاً خطّاً أحمر غير قابل للتفاوض. وتشير الوثيقة إلى أن الضربات العسكرية الأخيرة، إلى جانب إضعاف شبكة الوكلاء الإقليميين لطهران، جعلت إيران أكثر هشاشة مما كانت عليه في أي وقت مضى.
في المقابل لا تستبعد واشنطن سعي إيران إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية أو العودة إلى المشروع النووي، ما يستدعي استمرار الردع.
في الوقت ذاته ترى الاستراتيجية فرصاً مهمة في تعزيز قدرات الحلفاء الإقليميين، ولا سيما إسرائيل ودول الخليج، بما يسمح بتقليص العبء الأمريكي المباشر، وبناء منظومة أمن إقليمي أكثر تكاملًا واعتماداً على الذات.







