آراء
العالم
8 دقيقة قراءة
الوحدة الأوروبية واختبار التفكك أو البقاء بعد موسم كورونا
إنها أزمة غير مسبوقة منذ الحربين العالميتين. يبدو نقص أجهزة التنفس ومستلزمات الوقاية هيِّناً قياساً بما ينتظر الاتحاد الأوروبي، فمخاطر تفككه تلوح في الأفق إن أخفق في إدارة هذه الأزمة وعواقبها
الوحدة الأوروبية واختبار التفكك أو البقاء بعد موسم كورونا
العلم الإيطالي يرفرف أمام ساحة نافونا حيث لا يزال الإيطاليون تحت الإغلاق لمنع انتشار فيروس كوفيد-19 / Reuters
14 أبريل 2020

"صور عائلية" باسمة في اجتماعات القمة، وإنجازات في التكامل بين الدول الأعضاء، وحدود مفتوحة وعبور حرّ، ودعم متدفق على الأقاليم والمناطق والقطاعات المتعددة. تلاشت مظاهر الوحدة الأوروبية هذه من عيون الأوروبيين الذين اندفعت حكوماتهم إلى التعامل الانفرادي مع "أزمة كورونا"، وكأنّ النجوم الذهبية انفلتت من العلم الأزرق الداكن في وحشة الليل، وافترشه كائن مجهري متوَّج لا يسلم صانعو القرار من هواجسه.

يسود انطباع عام في القارة أن اتحادها تغيّب عن "خط الدفاع الأول" في منعطف داهم، ولم يضمن لمواطنيه الكمّامات ومواد التعقيم وأجهزة التنفّس، كما يقول الناقدون. صارت بكين معقد الرجاء لعواصم أوروبا، فمنها تأتي إمدادات جوية وإغاثة صحية صوب بلدان القارة المأزومة، بينما تنشغل بيروقراطية الوحدة بتقدير الموقف وسبل تخفيف الأضرار وبإجراءات التعامل مع التداعيات.

لم يربح الاتحاد الأوروبي المشهد الأول من موسم كورونا، أي منذ أن تسلّل الفيروس إلى شمالي إيطاليا في فبراير/شباط 2020 وتحوّلت القارة إلى مركز الوباء في منتصف مارس/آذار مع انحساره في الصين. تصاعدت المؤشرات الأوروبية سريعاً لتناهز نصف مليون إصابة في أسابيع معدودة، مع آلاف الضحايا يومياً.

بدا الاتحاد الأوروبي مشجباً ملائماً لتعليق القصور عليه من بعض الحكومات التي تُحصي الجثامين في المشافي، فانطلقت انتقادات علنية لبروكسيل بتجاهُل دولها الأعضاء واحتياجات مواطنيها الطارئة. تبدو بعض الشكاوى مدفوعة بمواقف مُسبقة، أو صادرة عن مناوئي الوحدة الذين يتحيّنون فرصة الاستثمار في الأزمات. كذلك فتوجيه الشكوى إلى الخارج طريقة مُثلى لصرف الأنظار عن إخفاقات محتملة في الداخل، وهو أسلوب لم يتورَّع عنه سيد البيت الأبيض أيضاً.

انتقدت أصوات إيطالية مثلاً إقدام أوروبا على "إغلاق الحدود في وجهنا"، على الرغم من أنّ إجراءات العزل الصحي مارستها بعض الدول مع أقاليم داخلها بعد أن رصدت بؤر الوباء، وهو ما أقدمت عليه روما مع شمالي إيطاليا ابتداءً.

امتدّ النقد إلى غياب إمدادات الوقاية الطبية من الشركاء الأوروبيين وقت الحاجة إليها، على الرغم من أنّ الدول عموماً واجهت ضغطاً داخلياً على هذه المستلزمات بأقدار متفاوتة. تبقى هذه الانتقادات على ما فيها من قسوة مجرّد جرعة أولى من التذمّر الشعبي المنتظر، فالجائحة تمنح ذخائر دعائية للحملات المناهضة للاتحاد الأوروبي في دوله الأعضاء التي تقفز فيها مؤشرات البطالة ومخاطر الإفلاس في بعض القطاعات.

تشير هذه التطوّرات إلى وباء تسلّل إلى رئتَي الاتحاد الأوروبي، حسب رسم تصدّر صحيفة "لاريبوبليكا" الإيطالية في 30 مارس/آذار، بما يُنذر بمضاعفات حرجة قد تُجهِز على مشروع الوحدة أو تضعفه أو تعيد تشكيله.

يبدو نقص أجهزة التنفس ومستلزمات الوقاية والتعقيم هيِّناً قياساً بتحديات كبرى ينتظرها الاتحاد. تستشرف أوروبا انهيارات جسيمة في بعض القطاعات بما يستدعي تدخّلات غير مسبوقة للإنقاذ والمعالجة، جاءت نبضتها الأولى بحِزم أوروبية ووطنية تقدّر إجمالاً بعدّة تريليونات من اليوروات.

يتحدّث مسؤولون أوروبيون عن أزمة غير مسبوقة منذ الحرب العالمية الثانية، وعن معضلة صحية هي الأخطر منذ نهاية الحرب الأولى، حسب تحذير رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في إشارة إلى ما سُمي إعلامياً وقتها بالإنفلونزا الإسبانية، وهي كناية عن قسوة مرحلة تستثير أسئلة وجودية. وإنْ وجدت أوروبا من يتدخّل لانتشالها اقتصادياً بعد الحرب العالمية الثانية عبر مشروع مارشال، فإنّ أمريكا ترمب لن ترغب في إعادة التاريخ مجدداً، وقد تضغط على الأوروبيين لافتكاك مكاسب خاصة بها.

سيتعيّن على الاتحاد الأوروبي أن يُطلق "مشروع مارشال" جديداً على طريقته حتى قبل انقشاع موسم كورونا، وهو اختبار شاقّ للغاية ينفتح على أبعاد محفوفة بالغموض، بالنظر إلى تفاوت التقديرات لمآلات الجائحة أساساً ولتبعاتها الاقتصادية بالطبع. لا مفاجأة بالتالي في أن تستحضر رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تعبير "مشروع مارشال" في سياق دعوتها إلى زيادة ميزانية الاتحاد الأوروبي للتعامل مع عواقب المرحلة الصعبة.

توجد خبرات سابقة يمكن استلهامها في هذا الصدد، مثل تجربة الاتحاد عندما دفع بمئات المليارات من اليوروات لليونان لانتشالها من إفلاس تعالت نذره قبل عشر سنوات، وكان استحقاقاً مزدوجاً لإنقاذ الوحدة النقدية الأوروبية أيضاً.

يتعيّن على أوروبا الموحّدة أن تندفع الآن لإنقاذ اقتصادات أكبر تترنّح معاً تحت وطأة الفيروس التاجي المستجدّ، وبعضها دخل الموسم مثقلاً بالديون مثل إيطاليا.

تبدو المهمة شاقة للغاية مع اقتصاد إيطالي يقدَّر بعشرة أضعاف نظيره اليوناني، ويحلّ ثالثاً في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا وفرنسا، وكذلك مع إسبانيا المُنهَكة منذ أزمة 2008 الاقتصادية وهي الاقتصاد الأوروبي الرابع، وقد تصدّرت مؤشرات كورونا بعد أن تقدّمت على إيطاليا بحلول أبريل/نيسان.

لن يكون الاختبار سهلاً على أوروبا الموحدة بعد هذا الموسم الشاقّ، فاقتصادات الدول الأعضاء عموماً لن تبرح موسم "الإغلاق" إلا وهي منهكة، بما فيها "دول مانحة" في منطقة اليورو مثل ألمانيا وهولندا المتحفّظتين على الإفراج عن سندات اليورو، بخلاف ما تطالب به دول أخرى مثل إيطاليا وإسبانيا والبرتغال وفرنسا.

لا يتعلّق القرار بالمسؤولين وحدهم، فالضغط الداخلي يحدّ من جاهزية الإنفاق السخي على "دول أخرى"، بخاصة عندما يستشعر دافعو الضرائب وطأة الأعباء عليهم أو تستبدّ بهم هواجس العمل ومستقبل دولة الرفاه الاجتماعي. توجد مفاجآت مرتقبة عبر صناديق اقتراع بأصوات جماهير محتقنة من أزمات اقتصادية واجتماعية تتسارع، وقد تصعد حالة شعبوية مستجدة مرشّحة للتطرف السياسي أو محاولة المروق من الوحدة الأوروبية.

قد تضيق هوامش التصرّف المتاحة كلما امتدّت الجائحة، بما يحدّ من خيارات الأنظمة الديمقراطية في التعامل مع الاستحقاقات المالية والاقتصادية الملحّة بكلفتها الفلكية هذه المرّة. لكنّ السماح بسقوط دول أعضاء في الأسرة الأوروبية قد يجرّ غيرها من بعدها، بعد أن ترابطت الأواصر عبر عقود وتشاركت وحدتها النقدية أيضاً.

انزلقت أوروبا إلى نفق مظلم في ربيع 2020 قد لا تبصر النور في نهايته إلا بعد سنوات. تتضاءل شواغل الموسم الجديد مقارنة بصداع بريكست المديد الذي انتهى بمغادرة بريطانيا الاتحاد بشقّ الأنفس. تلوح الأسئلة الوجودية في أفق القارة التي أنشأت مشروعاً عملاقاً لوحدتها منذ أن كانت ائتلافاً مصغّراً للفحم والصُّلب والمصالح الاقتصادية في أواسط القرن الماضي، إلى أن صارت أسرة عريضة من سبع وعشرين دولة تبحر في مركب لا يحتمل التنازع وقت العواصف أو السماح بتسلّل الأمواج المتعالية إلى متنه.

قد تبدو احتمالات انهيار الوحدة واردة أكثر من أي وقت مضى، بخاصة عندما لا تحظى بغطاء شعبي داخلي في مجتمعات قلقة، لكنّ النظر الفاحص يكشف عن أنّ تماسُك الخيارات والترتيبات التضامنية تبقى الأقدر على العبور إلى ضفاف آمنة مهما ارتفعت كلفة ذلك، وهذا يتطلّب حزماً وتصميماً وإرادة جماعية داعمة من الدول الأعضاء وغطاءً شعبياً مؤيِّداً لتقاسُم الأعباء والاستحقاقات.

يتطلّب الإبحار وسط أمواج متلاطمة تضامناً متبادلاً وتوافقاً حول الوجهة وتحمُّل أعباء "الزمن غير العادي"، بتعبير المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل قبل دخولها الحجر الصحي الاختياري في بداية الأزمة. بدا رئيس الوزراء الإسباني بيدرو شانسيز أكثر صراحة في مقالة نشرها بلغات عدّة في 5 أبريل/نيسان. حذّر شانسيز من انهيار الاتحاد الأوروبي إن لم تُتخذ إجراءات أكثر صرامة في التعامل مع الأزمة، وكتب منبّهاً: "إمّا أن نرتقي إلى مستوى هذا التحدي أو سنفشل كاتحاد".

جميع المقالات المنشورة تعبِر عن رأي كُتَابها ولا تعبِر بالضرورة عن TRT عربي.

مصدر:TRT عربي
اكتشف
الصفدي يقول إنّ الأردن لن يكون ساحة حرب ضد إيران.. وعراقجي: مستعدون للمفاوضات الدبلوماسية
فنزويلا تصدّر إلى الولايات المتحدة أول شحنة غاز مسال في تاريخها
قوى الأمن السوري تدخل الحسكة وعين العرب.. واستعدادات لإجراء الانتخابات البرلمانية في الرقة
حماس تؤكد اكتمال الترتيبات لتسليم السلطة.. واستعدادات مصرية لاستقبال جرحى ومرضى من غزة
سوريا تبدأ تنفيذ اتفاق الاندماج.. استعدادات أمنية لدخول عين العرب والحسكة
إسرائيل توسّع عملياتها جنوبي لبنان وتقصف سيارة على طريق صور
بعد نقلهم من سوريا.. العراق يفتح ملفات التحقيق مع عناصر داعش الإرهابي
إيران تدرس مسارات دبلوماسية مع أمريكا وتستدعي سفراء أوروبا احتجاجاً على تصنيف جيشها جماعة إرهابية
الذهب يواصل الخسائر ويهبط بأكثر من 8% والفضة تتكبد خسائر قوية والدولار يستقر
فتح معبر رفح في الاتجاهين وبدء توافد الفلسطينيين وسط قيود لدخول وخروج الجرحى
توقيف عشرات المحتجين على ممارسات وكالة الهجرة في لوس أنجلوس
ترمب يكشف عن محادثات مع كوبا ويُعرب عن تفاؤله بإبرام اتفاق معها
رسائل أمريكية إلى طهران لعقد مفاوضات.. وعراقجي: واثق بإمكانية التوصل إلى اتفاق
إسرائيل تُخطر بهدم 14 منزلاً في حيٍّ جنوبي المسجد الأقصى لإقامة "حدائق توراتية"
مقتل شخص وإصابة 14 في غارات إسرائيلية على بلدات جنوبي لبنان