تقدّر استثمارات فرنسا في الجزائر بالمليارات (Nurphoto/Getty Images)
تابعنا

بعد إغلاق الجزائر مجالها الجوي أمام الطائرات العسكرية الفرنسية وسحبها سفيرها من باريس "للتشاور" رداً على تصريحات الرئيس إيمانويل ماكرون التي اعتبرتها "مسيئة" لذاكرة شعب كافح من أجل نيل الاستقلال، باتت الأزمة بين فرنسا والجزائر مفتوحة أمام تطورات عديدة، وورقة القطيعة الاقتصادية، بحسب مراقبين، هي الأخرى واردة.

في المقابل، تُعدّ الجزائر امتداداً تاريخياً للنفوذ الاقتصادي الفرنسي في المنطقة المغاربية، وأبرز شريك اقتصادي لها. نفوذ بدأ في الانخفاض مع انفتاح البلد المغاربي على شركاء جدد، مثيراً انزعاجاً عبّرت عنه باريس في أكثر من مرة. في مقابل ذلك، يُجمع محللون أن تكون الأخيرة الخاسر الأكبر إذا ما تحوَّلت الأزمة الدبلوماسية الراهنة إلى قطيعة اقتصادية.

شراكة اقتصادية ضخمة

تعدّ فرنسا ثاني أكبر مورِّد للجزائر بعد الصين، ومنذ سنة 1999 زادت قيمة المبادلات التجارية بين البلدين لتصل ثلاثة أضعافها سنة 2013، مما جعل الجزائر تتصدر قائمة الشركاء التجاريين لفرنسا في القارة الإفريقية وتحتلّ المرتبة الثالثة في قائمة أسواق الصادرات الفرنسية خارج بلدان الاتحاد الأوروبي.

أرقام يؤكدها إسحاق خرشي، الخبير الاقتصادي الجزائري وأستاذ الاقتصاد بجامعة شلف، في حديثه لـTRT عربي، إذ يقول إنّ "الجزائر السوق الأولى للشركات الفرنسية في إفريقيا، وتحتلّ المرتبة 20 في ترتيب الأسواق العالمية". مشيراً إلى أنه "يوجد عدد كبير من الشركات الفرنسية التي تُصدّر منتجاتها نحو الجزائر، حيث يُقدّر عدد هذه الشركات بنحو 8000".

في المقابل، بلغت قيمة الصادرات الجزائرية نحو فرنسا 4،19 مليار يورو في عام 2019، مسجّلة خلال سنة واحدة ارتفاعاً بنسبة 1%. وتتألف هذه الصادرات، في 95% منها، من المحروقات، أي النفط الخام والغاز الطبيعي والوقود، وتتبدّل قيمتها كثيراً وفق سعر برميل البترول.

بالنسبة للاستثمارات الفرنسية في الجزائر، يقول الخبير الاقتصادي الجزائري إنّ "الاستثمارات الفرنسية في الجزائر تطوّرت بشكل كبير، بحيث بلغت 64 مليون يورو سنة 2016، و182 مليون يورو سنة 2017، ثم قفزت إلى 283 مليون يورو سنة 2018، لتصل بعدها أعلى مستوياتها سنة 2019 بـ432 مليون يورو". وبصورة عامة، يسترسل المتحدث: "بلغ مجموع رصيد الاستثمار الفرنسي بالجزائر 2.6 مليار يويو".

هذا بالإضافة إلى "450 شركة ومقاول من فرنسا يشتغلون في الجزائر، ويوفّرون نحو 40 ألف منصب شغل" يقول خرشي، مشيراً إلى أن "80% من هذه الشركات تعيد استثمار أرباحها في الجزائر".

قطيعة دبلوماسية مرتقبة؟

بحسب الخبير الاقتصادي الجزائري، فاحتمال تطور الأزمة الدبلوماسية إلى قطيعة اقتصادية يبقى أمراً ممكناً، و"الجزائر ستكون الرابح الأكبر وفرنسا الخاسر الأكبر!". وذلك راجع في نظره لأن الحضور الاقتصادي لفرنسا في الجزائر "أصبح ينخفض شيئاً فشيئاً، ما أزعج باريس التي أصبحت ضعيفة اقتصادياً بشكل كبير في الجزائر ومنطقة الساحل".

في المقابل، ما يمكن أن تخسره فرنسا كبير، حيث "سيتوجب على 8000 شركة فرنسية تصدّر إلى الجزائر البحث عن أسواق أخرى لمنتجاتها، كما سيخلق قطع العلاقات الاقتصادية إشكالاً كبيراً بالنسبة للشركات الفرنسية التي تشتغل في الجزائر حول كيفية وقف النشاط وتصفية أصولها ما يطرح احتمال مشاكل قانونية قد تأخذ سنوات".

"وستذهب الحصة السوقية لفرنسا في الجزائر إلى فاعلين اقتصاديين آخرين كالصين وإسبانيا وإيطاليا وتركيا". وبالتالي "الوجود الفرنسي في منطقة الساحل وإفريقيا سيضعف أكثر فأكثر" يضيف خرشي.

ويؤكد بأن "فرنسا ستخسر الكثير لأنها ستضطر للبحث عن أسواق جديدة لصادراتها، في حين يمكن للجزائر أن تلبي احتياجاتها من شركاء استراتيجيين آخرين كالصين وتركيا وإسبانيا. ومنه يمكن للجزائر أن تضرب بقوة وتقطع العلاقات الاقتصادية إذا أرادت ذلك ولن يكون لها إشكال في هذا الأمر".

الغاز كأداة للضغط

وعن واردات المحروقات الجزائرية نحو فرنسا، يوضح الخبير الاقتصادي إسحاق خرشي، بأنه "كان في السابق في حدود 300 ألف برميل يومياً، وبلغ في السنوات الثلاث الأخيرة 475 ألف برميل يومياً". أما من ناحية الغاز، "فتحتلّ فرنسا المرتبة الثالثة كأكبر مستورد للغاز الجزائري، حيث يوجّه 12% من الغاز الجزائري نحوها".

هذا وفي ظل التنافس الكبير الذي يعرفه العالم على الغاز، وما خلَّفه ارتفاع الطلب عليه من ارتفاع في أسعاره، بلغت حسب تقارير 500% بأوروبا، يبقى بحسب المتحدث رقم الصادرات الجزائرية من الغاز نحو فرنسا رقماً "معتبراً".

وبالتالي، يضيف خرشي، "يمكن أن يكون الغاز الجزائري ورقة ضغط قوية في عالم يحسب الآن لكل لتر من الغاز ألف حساب وحيث يجري الآن الحديث عن العودة لاستخدام الفحم في توليد الطاقة بسبب ارتفاع أسعار الغاز". ويختم قائلاً: "شاهدنا في الأيام الأخيرة تظاهرات في فرنسا بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء التي أصبحت مضاعفة ثلاث مرات، ومنه فإذا ما قررت الجزائر الضغط بورقة الغاز سيعقّد ذلك الأمور أكثر في الداخل الفرنسي".

TRT عربي
الأكثر تداولاً