تُعتبر العمارة العثمانية آخر مراحل تطور المعمار الإسلامي، وقد كانت للدولة العثمانية قدرة على إيصالها إلى مختلف القارات بفضل قوتها السياسية وتوسعها العسكري. فما مآل المآثر العثمانية في الأراضي الأوروبية اليوم؟

كان السلاطين العثمانيون يولون تطوير العمارة الإسلامية اهتمامًا كبيرًا، فسارع كل من تَبوَّأ السلطة إلى اختيار أماكن جديدة لتشييد معالم تاريخية جديدة تخلّد فترة حكمه واسمه، معتمدين في ذلك على أمهر المعماريين وأشهرهم. وحيثما وصلت فتوحات الدولة العثمانية، كانت تصل أيضاً الهندسة والعمارة العثمانية المتميزة، التي لا تزال إلى اليوم شاهدة على تميُّز بصمة الأتراك في هذا المجال الفني.

بالنظر إلى ما خلّفه العثمانيون من آثار معمارية تاريخية على الأراضي الأوروبية، فقد كان موضوع العمارة العثمانية في أوروبا يشدّ الباحثين الأكاديميين والمؤرخين بشكل كبير، وكُتب حوله عديد من البحوث بمختلف اللغات. ولم يتوقف الأمر عند منشآت تاريخية عثمانية على الأراضي الأوروبية، بل تجاوزت الدراسات ذلك لتهتم بدراسة تأثير الحضارة العثمانية على العمارة في الأراضي الأوروبية.

قوة الدولة العثمانية

حسب الدكتور محمد حمزة إسماعيل، أستاذ الآثار والحضارة الإسلامية المتخصص في العمارة والفن الإسلامي، فما اصطُلح عليه بالعمارة العثمانية يمثل المرحلة الأخيرة من مراحل تطور العمارة الإسلامية خلال العصر العثماني. وقد ارتبط هذا التطور بالتاريخ السياسي والعسكري، الثقافي والحضاري القوي للدولة العثمانية، وهيمنتها فوق قارات ثلاث، وهذا بالضبط سبب انتشار العمارة العثمانية في جنوب شرق أوروبا المعروف باسم البلقان أو الروملي.

صاحب مؤلَّف "العمارة الإسلامية في أوروبا العثمانية"، اعتبر في تصريحات خصّ بها TRT عربي، أن حضور العمارة العثمانية في جنوب شرق أوروبا "كان قويّاً للغاية، والدليل على ذلك الإحصائياتُ الدقيقة التي سجّلت ورصدت حجم العمارة والتطور العمراني والمعماري في المدن الأوروبية البلقانية التي قُدرت بمئة ألف أثر إسلامي، بين عمائر دينية ومدنية وحربية".

تمّت الفتوحات العثمانية والتوسع في جنوب شرق أوروبا أو بلاد البلقان خلال مرحلتين، حسب الباحث محمد حمزة إسماعيل: المرحلة الأولى الممتدة من منتصف القرن الثامن الهجري إلى غاية أواخر القرن العاشر الهجري، أي عند وفاة السلطان سليمان القانوني، وهي مرحلة التوسع والانتشار، ثم المرحلة الثانية، مرحلة التقلص والانحسار، التي استمرت منذ وفاة سليمان القانوني إلى غاية نهاية الدولة العثمانية سنة 1922 ميلادية.

السلطان سليمان القانوني (Wikipedia)

ويضيف المتحدث أنه "هُدم ودُمّر 95 في المئة من هذا التراث المعماري، ولم يتبقَّ منه سوى 20 ألف أثر إسلامي، أي 5 بالمئة على حد قول العالم مايكل كيل، وهو عالم من أبرز العلماء الأوروبيين المتخصصين في الدراسات البلقانية العثمانية". هذه الأرقام دعت عديداً من علماء الآثار إلى الجهر بالمطالبة بتخصيص أموال للحفاظ على الآثار الإسلامية المتبقية في أوروبا خارج حدود تركيا الحالية، من أجل تجديد وترميم المباني الأثرية الشاهدة على حقبة تاريخية مميزة في التاريخ الإسلامي.

أبرز البنايات المتبقية

يُبرِز مؤلف "العمارة الإسلامية في أوروبا العثمانية" أن "آثار الحقبة العثمانية لا تزال حاضرة في كل من المدن العثمانية الواقعة بالقارة الأوروبية وبلغاريا ودول الاتحاد اليوغوسلافي السابق والأقاليم التابعة لجمهورية صربيا وألبانيا واليونان". ويشرح الكتاب أن "المدن الأوروبية السابقة الذكر، فقدت ما يقدَّر بنحو 90 في المئة من مظاهر النشاط العمراني المكثف والهائل الذي شهدته إبان العصر العثماني، فيما احتفظت مدن الجزء الأوروبي من تركيا الحالية بنسبة كبيرة من مظاهر ذلك العمران".

ومن بين الآثار الإسلامية الشهيرة إلى اليوم في ألمانيا مثلاً، مسجد في حدائق قصر شفيتزنجين الذي يقع بالقرب من بلدة هايدلبرغ، بناه المهندس المعماري الفرنسي نيكولا للملك شارل تيودور، ويقال إنه قد شيّده لزوجته التركية المحبوبة. يتميز المسجد ببساطة مبناه وإطلالته الرائعة، وهو الآن مزار للعامة وصُلّيَت فيه صلاة واحدة فقط يوم أدَّى العمال الأتراك صلاة العيد هناك في 20 مايو 1961.

وعدّد الدكتور محمد حمزة إسماعيل في حديثه، الآثارَ الإسلامية العثمانية المتبقية في عديد من المدن والقرى البلقانية، أي الموجودة في الجزء الأوروبي خارج الحدود التركية الحالية: مثل مسجد حمزة بك في شيطارا زاكورا حاليّاً، ومسجد الفاتح في كيستانديل، ومسجد صوفيا المعروف بمسجد بانيون باسي في بلغاريا، ومسجد غازي قاسم باشا، ومسجد ياكو فالي حسن باشا، ومسجد علي باشا بالمجر، ومسجد حمزة بيك في سالونيك، ومسجد أحمد بيغ أورنوس أوغلو في يانيس فيردار، ومسجد محمد بيك في سيريز، ويني جامع في كوموتيني، ومسجد مصطفى أغا في أثينا باليونان.

مسجد صوفيا أو بانيا باشي في بلغاريا (Wikipedia)

ومن المساجد الباقية في ما كان يُعرف بالاتحاد اليوغوسلافي السابق كل من مسجد الفاتح في بريشتينا، ومسجد مصطفى باشا في إسكوب، ومسجد قراقوز محمد باشا في موسطار، ومسجد علي باشا في ساراييفو، ومسجدا فرحات بك في ساراييفو وفي ألبانيا، ومسجد المرادية في فلورا، ومسجد قرشنلو في براد، ومسجد بايزيد الثاني في براد، ومسجد الخنكار في سراييفو، ومسجد شريف خليل باشا في بلغاريا، ومسجد قرشنلو شقودر في ألبانيا.

كما عدّد المتحدث أسماء كثير من الحمّامات الإسلامية المتبقية في بلغاريا وألمانيا وقبرص واليونان والمجر، ومنشآت تجارية في سراييفو وبلغاريا، بالإضافة إلى المنازل السكنية في عديد من المدن، منها سراييفو وكوسوفو وكوفكا وبلغراد وألبانيا... كما تَشهَد منشآتٌ حربية مثل قلعة حربية والبرج الأبيض في سالونيك باليونان، وقلعة لارونكا القبرصية، والقلعة المجيدية في سلسترا البلغارية، وخمس قلاع في ألبانيا، على الآثار العمرانية العثمانية في أوروبا.

وتفيد تقديرات، حسب وكالة الأناضول، بأن اليونان تحتضن حالياً أكثر من 10 آلاف معلم من آثار العمارة الإسلامية والتركية، وتُعَدّ أثينا العاصمة الأوروبية الوحيدة التي لا تحتوي على جامع رسمي.

التأثير الإسلامي في المعمار الأوروبي

يرجع التأثير الكبير للمعمار الإسلامي عموماً والعثماني خصوصاً على العمارة الأوروبية، بسبب "التفوق العسكري والسياسي العثماني وبالتالي الثقافي والحضاري، كما يرجع إلى انتشار السياسة العمرانية المتكاملة التي تبنتها الدولة العثمانية، مما أسهم في تشكيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع الجديد"، حسب الباحث حمزة إسماعيل.

كذلك كان للأوقاف دورها البارز في تشكيل البنية العمرانية في البلقان حسب المتحدث، بل كانت في كثير من الأحيان نواة تطوُّر المدن القديمة من جهة وظهور المدن الجديدة من جهة أخرى. كما كان للتدخل العسكري أثر كبير في عمارة القرى، إذ توسعت عمليات الأسلمة إلى عديد من مناطق البلقان.

مسجد السلطان سليمان في ماريوبول في أوكرانيا (Wikipedia)

ومن أسباب تأثير العمارة العثمانية وانتشارها، التطور الذي حدث للبناء في عهد العثمانيين، عبر ابتكار أحجام وبناء بطراز جديد والنقوش والزخارف. ويرجع ذلك، حسب الدكتور حمزة إسماعيل، إلى توفر الدولة العثمانية على "معماريين أكْفاء مثل قوجى معمار سنان، كبير معماريي البلاط العثماني، الذي يمثل عهده حدّاً فاصلاً بين مرحلتين: المرحلة الأولى قبل ظهوره، تميزت بالحفاظ على الموروث، والمرحلة الثانية بعد وفاته، تميزت باستمرار مدرسة المعماري سنان والتأثر بالتأثيرات الفنية الأوروبية ومحاولات إحياء الكلاسيكية العثمانية. أما عهده فتميز بأنه كان مدرسة مستقلة بذاتها أثرت في تاريخ العمارة الإسلامية والعالمية، وبنى خلال حياته ما يناهز 500 مبنى فوق ثلاث قارات: إفريقيا وآسيا وأوروبا".

مظاهر التأثر

يؤكّد الدكتور محمد حمزة إسماعيل، أن "الأراضي الأوروبية التي فتحها العثمانيون كانت بكراً، لأنها لم تعرف البنايات الإسلامية من قبل". لذلك شمل "التأثير الإسلامي العثماني في البلقان جميع الطرُز والأنماط والعناصر والمفردات المعمارية من بنايات حربية والمدارس والعمائر الجنائزية والعمائر المدنية والحمامات والقصور والمنشآت التجارية كالخانات والسكنية كالقصور والمنازل".

وشدّد المتحدث على أن "التأثيرات في المعمار الأوروبي وجدت طريقها إلى أوروبا حتى قبل الفتوحات العثمانية، وهو ما يظهر في جنوب إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، إذ ظهر تأثر العمارة الأوروبية بمظاهر العمارة الإسلامية. ويتجلى ذلك في كنائس المستعربين التي أقاموها أولاً في إسبانيا، وعلى الرغم من أنهم حاولوا التخلص من هذه التأثيرات، فإن قوة المعمار الإسلامي فرضت عليهم الاستعانة ببعض التقاليد، مثل: العقود المنفوخة والعقود الثلاثية المفصصة والعقود الصماء والعقود المنفرجة التي سُميت في بريطانيا بالتويودورية، والشرفات والقباب ذات الضلوع الثلاثية، والأبواب والنوافذ وغيرها".

وسبق أن كان موضوع التأثر الأوروبي بالمعمار الإسلامي موضوع مؤلَّف "سرقة من الساراسينيين: كيف شكّلت العمارة الإسلامية أوروبا"، الذي صدر للباحثة البريطانية المتخصّصة في دراسات الشرق الأوسط ديانا دارك، ويكشف هذا الكتاب المصوَّرُ الجذورَ العربية والإسلامية للتراث المعماري في القارة العجوز.

وأشارت المؤلّفة إلى أن المباني الأوروبية الأكثر شهرة تحتفظ بمؤثرات إسلامية، مستشهدة بكاتدرائية نوتردام التي استُعير نمط بنائها من كنيسة قلب لوزة في جيل باريشا بإدلب في سورية، التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي، وصولاً إلى مباني مجالس برلمانية، متتبعة الأفكار والأساليب المقتبَسة من مراكز إسلامية مثل دمشق وبغداد والقاهرة، مروراً بإسبانيا وإيطاليا.

كما توضّح كيف تعاملت حملات الفرنجة والحجاج الأوروبيين والتجار في العصور الوسطى مع الثقافة العربية الإسلامية في أثناء ذهابهم إلى الأراضي المقدسة، مستكشفةً مزيداً من التفاعل الفني الحديث بين الثقافة العثمانية ونظيرتها الغربية وكيف تأثرت بها العمارة القوطية.

TRT عربي