يتصاعد الخلاف القانوني بين تركيا والاتحاد الأوروبي حول من له أحقية التنقيب عن الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط.

دخلت أنقرة في صراعٍ مع الاتحاد الأوروبي حول أحقية التنقيب في حقول الغاز المكتشفة حديثاً. وتصاعدت التوترات بين تركيا والإدارة القبرصية اليونانية على خلفية إرسال أنقرة سفينة تنقيب أخرى إلى شرق المتوسط، لتسريع عملية التنقيب عن الغاز في المنطقة.

وتتبنى كلٌ من تركيا والإدارة القبرصية الرومية آراءً مُتضاربة بشأن الحقوق القانونية للتنقيب في حقول الغاز المكتشفة حديثاً بالقرب من الجزيرة المُقسَّمة، التي تضُمُّ إدارتين مُختلفتين منذ عام 1974 - واحدةٌ يقودها القبارصة الأتراك في الشمال، وأخرى يقودها القبارصة اليونانيون في الجنوب.

وفي عام 1974، تدخَّل الجيش التركي في قبرص ليمنع تغيير الوضع السياسي الراهن على الجزيرة في أعقاب الانقلاب العسكري القبرصي اليوناني، الذي كان يهدف إلى ضم الجزيرة لليونان، مما يخرق المبدأ التأسيسي الذي قامت عليه حكومة جمهورية قبرص المعترف بها دولياً.

وفي يوم الاثنين، 22 يوليو/تموز، اتَّهم الاتحاد الأوروبي -الذي يضُم إدارة قبرص الرومية في عضويته- تركيا بتنفيذ أنشطة حفرٍ غير قانونية في شرق المتوسط، ليدعم بذلك المطالبات القبرصية الرومية ضد تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية. فضلاً عن أن بروكسل هددت أنقرة بفرض عقوبات سريعة.

قالت فيديريكا موغيريني، مفوضة شؤون السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي: "ندعو السلطات التركية -مرةً أخرى- إلى الامتناع عن مثل هذه الأعمال، والتصرُّف بروح حُسن الجوار، واحترام سيادة الجمهورية القبرصية وحقها السيادي بموجب القانون الدولي".

لكن الخبراء القانونيين يُؤمنون بصعوبة تحديد معنى السيادة القبرصية، نظراً للوضع السياسي الخاص على الجزيرة، والذي رُسِمَت معالمه على يد تركيا واليونان والمملكة المتحدة أواخر الخمسينيات في مفاوضات عسيرة.

وقال إنفير أريكوغلو، الأستاذ المشارك في القانون الدولي بجامعة إسطنبول: "جمهورية قبرص (التي تأسَّست عام 1960) ليست دولةً وحدوية. بل هي دولةٌ ذات مجتمعين ومنطقتين، وحقوقهما مكفولةٌ بموجب الاتفاقيات (التي وُقِّعت بين بريطانيا وتركيا واليونان)".

وقال مصطفى لكاداميالي، السفير القبرصي التركي الذي يُمثِّل جمهورية شمال قبرص التركية في واشنطن العاصمة: "لا يمتلك القبارصة الأتراك سيادةً منفردة على قبرص. إذ تُستمد السيادة من شعبي الجزيرة (القبارصة الأتراك والقبارصة اليونانيون)".

ونتيجةً لذلك، لا تعترف تركيا بإدارة يقودها اليونانيون وحدهم بصفتها الممثل القانوني الكامل قبرص، وتُؤمن بأنَّ القبارصة الأتراك لهم الحق في التنقيب داخل حقول الغاز بقدر ما يفعل القبارصة اليونانيون، وفقاً لما أفاد به أريكوغلو.

ومنذ عام 2003، وقَّعت إدارة قبرص الرومية اتفاقيات مع مصر ولبنان وإسرائيل لتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة لكلٍ منها في منطقة شرق المتوسط. ولا تعترف تركيا بهذه الاتفاقيات لأنَّ أنقرة تُؤمن أنَّ الإدارة التي يقودها اليونانيون لا تُمثِّل كافة سُكَّان الجزيرة.

ومن ناحيةٍ أخرى، أصدرت جمهورية شمال قبرص التركية في عام 2011 تصريحاً لشركة Turkish Petroleum Corporation من أجل مزاولة أعمال التنقيب قبالة سواحل شمال قبرص.

وتركيا هي الدولة الوحيدة التي تعترف بجمهورية شمال قبرص التركية بصفتها دولةً مستقلة منذ عام 1983.

علاوةً على حمايتها لحقوق القبارصة الأتراك فيما يتعلَّق بحصتهم في كافة الموارد الطبيعية الخاصة بالجزيرة، عارضت أنقرة أيضاً الجهود القبرصية الرومية للتنقيب عن الغاز في منطقة شرق المتوسط، وذلك بناءً على حقها الوطني في المنحدر القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة داخل المنطقة.

و قال وزير الخارجية التركيةمولود جاوش أوغلوفي بيانٍ له: "تتجاهل التصرُّفات القبرصية الرومية الأُحادية حقوق القبارصة الأتراك الحالية، فضلاً عن تحدِّيها لمناطق السلطة البحرية التركية في البحر المتوسط غرب الجزيرة".

المناطق المُتنازع عليها

تُعَدُّ قضية قبرص واحدةً من النزاعات الدولية التي فشل العالم في حلِّها حتى الآن. إذ تُمثِّل الجزيرة أرضاً مُتنازعاً عليها بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك، وحامياتهما اليونان وتركيا.

وقال أريكوغلو: "لأنَّها منطقةٌ متنازعٌ عليها، تستطيع تركيا تنفيذ أعمالها (التنقيبية) بقدر الأطراف الأخرى في النزاع. ونتيجةً لذلك، لا يُمكن وصف أنشطة تركيا بأنَّها غير قانونية".

وبهذا أوضح أريكوغلو أنَّه في حال كانت المنطقة متنازعاً عليها بين دولتين أو أكثر؛ يجب على كلٍ من الجانبين أن يُظهر للجانب الآخر وللمجتمع الدولي أنَّه قادرٌ على ممارسة حقوقه فوق المنطقة المتنازع عليها.

وبحسب أريكوغلو، تهدف أنشطة الحفر التركية إلى أن تُظهر للجانب الآخر من النزاع، وللمجتمع الدولي، أنَّ الدولة تُدافع عن دورها الوقائي تُجاه السكان الأتراك في الجزيرة بموجب معاهدة الضمان التي أُبرِمَت عام 1960.

وقال مصطفى لكاداميالي في حديثه إلى تي ار تي: "منذ البداية ونحن -الأتراك القبارصة- ندعو القبارصة اليونانيين إلى العمل معاً لإيجاد حلٍ لقضية الهيدروكربون (التنقيب في شرق المتوسط).

لكن القبارصة اليونانيين واصلوا اتِّخاذ خطواتٍ أُحادية الجانب، مُتجاهلين بذلك حقوقنا عن طريق إقصائنا تماماً( عن العملية). وفي حال لم يُوقِف القبارصة اليونانيون أنشطتهم في المنطقة، فقد حذرناهم من أنَّ القبارصة الأتراك -بوصفهم أصحاب حقٍ مساوٍ في ثروة الجزيرة- سيتِّخذون خطواتٍ عكسية لأي خطوةٍ اتَّخذوها. ونحن الآن نفعل ما قُلنا أنَّنا سنفعلها سابقاً".

حالاتٌ مُماثلة: بحر الصين الجنوبي وقناة كورفو

ضرب أريكوغلو مثالين لتبرير جدله بشأن أنشطة التنقيب التركية -المثال الأول من بحر الصين الجنوبي، والثاني من قناة كورفو التي تقع في البحر المتوسط.

إذ قال أريكوغلو: "ما تزال الولايات المتحدة مُحتفظةً بأسطولٍ في المنطقة، من أجل أن تُثبت وتُؤكِّد على حقها في الملاحة داخل بحر الصين الجنوبي"، موضحاً أنَّها تفعل ذلك رغم الاحتجاجات الصينية التي تتذرَّع بحق السيادة فوق البحر، على غرار ما تُحاول إدارة قبرص الرومية فعله في السواحل المُقابلة لقبرص.

ومثلما تُطالب إدارة قبرص الرومية بحقها في حقول غاز قبرص، تزعم الصين أيضاً ملكيتها لقرابة الـ11 مليار برميل نفط وقرابة الـ5.66 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي داخل البحر، مُتجاهلين بذلك حقوق الدول الساحلية الأخرى في البحر.

وبخلاف الصين، تمتلك بروناي وإندونيسيا وماليزيا والفلبين وتايوان وفيتنام أيضاً مطالبات بحقوقها في البحر ومعادنه الطبيعية.

وإجمالاً، أفادت زليخة خاشمان، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة الشرق الأدنى بجمهورية شمال قبرص التركية، بأنَّ حوض المشرق يحتوي على احتياطيات غاز تصل إلى 3.45 تريليون متر مكعب، إلى جانب 1.7 مليار برميل نفط.

ويُشير أريكوغلو في مثاله الثاني إلى نزاع قناة كورفو بين بريطانيا وألبانيا، الذي يعود تاريخه إلى عام 1946، حين تعرَّضت السفن الحربية البريطانية لبعض الأضرار أثناء عبورها القناة. وقدَّمت لندن القضية أمام محكمة العدل الدولية للمطالبة بتعويضاتٍ من تيرانا.

وحين اتَّهمت ألبانيا بريطانيا بانتهاك سيادتها "عن طريق إرسال سفن حربية إلى المياه الإقليمية الألبانية" ؛انحازت المحكمة إلى لندن قائلةً إنَّ "المملكة المتحدة كانت تُمارس حق المرور البريء عبر المضايق الدولية"، مُؤكِّدةً على حق الملاحة.

وفي نزاع الغاز القبرصي الحالي، لا يُوجد قرارٌ قضائي يحرم أحد الجانبين من الملاحة أو التنقيب في حقول الغاز الموجودة شرق البحر المتوسط، بحسب أريكوغلو الذي اختتم حديثه قائلاً: "ما دام ليس هناك قرار محكمة (يُوافق عليه كلا الطرفين)، فإنَّ مُطالبات أحد الجانبين الصريحة لا يُمكن أن تكون مُلزمةً للطرف الآخر".

هذا المقال مُترجم عن موقع قناةTRT World.

المصدر: TRT عربي