تحتضن مدينة الصويرة بالمغرب في شهر مايو/أيار أو يونيو/حزيران من كلّ سنة مهرجان "كناوة.. موسيقى العالم"، والذي تشارك فيه أسماء موسيقية عالمية. الهدف منه هو إيصال الفنّ الكناوي إلى العالمية.

الصويرة - المغرب - يغنّون أغاني الوجع القديم ويرقصون على آلام ماضي العبودية والتهجير القسري. يتمايلون في رقصاتهم مع حركة النوارس وأشرعة السفن التي اقتيد فيها أجدادهم إلى ميناء مدينة الصويرة مصفَّدين بالأغلال.

هم العبيد القدامى بالمغرب وموسيقاهم "كناوة"، التي تعود جذورها، حسب مصادر تاريخية متطابقة، إلى السودان الغربي (أجزاء من دول مالي وغينيا والنيجر حاليّاً)، وبالضبط من تومبوكتو بمالي، غير أنها اليوم أصبحت جزءاً من الفن والتراث المغربي الأصيل وتطرق أبواب العالمية.

موسيقى العبيد

كانت مدينة الصويرة (وسط غرب بالمغرب)، محطة رئيسية للعبيد الذين جُلبوا من بلدان إفريقيا جنوب الصحراء. فإيقاعات "كناوة"، نغماتها وآلاتها الموسيقية وطريقة لباس "الكناويين"، تُظهِر أن جذور هذا النوع الموسيقي ضاربة في عمق إفريقيا.

مهرجان كناوة بالمغرب
مهرجان كناوة بالمغرب (TRT Arabi)

لا ينحصر الامتداد الجغرافي لـ"موسيقى العبيد" في مدينة موكادور (الصويرة)، التي تُعَدّ العاصمة الروحية للكناويين، بل توجد في مدن مغربية أخرى كمراكش وفاس والرباط، وفي بلدان تونس والجزائر ومالي، حسب تصريح الباحث في تاريخ فن كناوة حفيظ صادق لـTRT عربي.

ومن أجل إعطاء سلالتهم شرعية دينية، يضيف المتحدث، يربط كناوة أصولهم ببلال مؤذّن الرسول، الذي يعتبرونه جدهم الأكبر. ويُعتبر ضريح "سيدي بلال" الموجود بالصويرة، بمثابة المرجع الأعلى ومقام الأب الروحي للكناويون، ويخلّدون في العشرين من شهر شعبان، موسمهم السنوي في الليلة الكناوية التي تتخللها طقوس "غريبة".

رغم اللمسة الإفريقية المميزة لـ"كناوة" فإن تأثُّرها بروافد شمال إفريقيا، الأمازيغية والإسلامية، جليّ وواضح في كلمات الأغاني و"النديه" (الغناء) الكناوي، المحمَّل بثقل الأساطير والمعتقدات.

يردّد الكناويون بقيادة المغني الرئيسي "المعلم" أذكاراً وصلوات على النبي والأولياء والصالحين، وتبكي ترانيمها معاناة الاستعباد والفراق، مناشدة قيم السلام والرحمة.

تتكون فرقة "كناوة" من مُغَنٍّ رئيسي يُسَمَّى "لمعلم"، يعزف على آلة "الكمبري"، وإلى جانبه باقي أعضاء الفرقة، يُسَمَّون "الكويو"، وهم موسيقيون يقرعون الطبول و"الغانغا (الدربوكة) و"القراقب"، ويرقصون على الإيقاعات بحركات خاصة وأزياء فلكلورية مميزة.

من الموسيقي إلى الروحي

تتجاوز "كناوة" كونها فنّاً وموسيقى، إلى اعتبارها تراثاً متكامل الأركان، وثقافة روحانية حية، لها مريدوها من مختلف أنحاء العالم.

يستقطب المهرجان، الذي ينظَّم في شهر مايو أو يونيو من كل سنة، أسماءً عالمية من مشارب فنية وموسيقية مختلفة
يستقطب المهرجان، الذي ينظَّم في شهر مايو أو يونيو من كل سنة، أسماءً عالمية من مشارب فنية وموسيقية مختلفة (TRT Arabi)

يقول الباحث في التراث الكناوي أحمد حروز، إنه على الرغم من كون "تاكناويت" مغلَّفة بثقافة إفريقية وإسلامية شعبية، فإنها منفتحة على الآخر بإحساسه وانتماءاته المتعددة، مشيراً إلى أنها تتعدى النطاق الفني الفلكلوري إلى كونها تراثاً ثقافيّاً وروحيّاً متعدد الجوانب.

يرتبط اسم كناوة في مخيال جزء من المغاربة بعوالم الشعوذة والأرواح بسبب الطقوس الغريبة التي ترافق "الليالي الكناوية"، إلا أن رُوَّاد تكناويت يرفضون هذا الأمر، مؤكدين أن كل طقوسهم روحانية صِرفة، يذكرون فيها الله والنبي، ويتحدثون عن "مساهمتهم في شفاء المريض الذي يعجز الطبيب عن علاجه، بالبخور والموسيقى".

ينظّم الكناويون للمريدين والمرضى، "الليلة الكناوية" في زاوية من الزوايا الدينية التابعة للكناويين، أو في البيوت والمنازل الخاصة، وتقام وفق ضوابط صارمة.

تتجاوز
تتجاوز "كناوة" كونها فنّاً وموسيقى، إلى اعتبارها تراثاً متكامل الأركان، وثقافة روحانية حية (TRT Arabi)

وعن تفاصيل الليلة، يكشف أحمد حروز أنها "تقام في ليلتين، تبدأ الأولى بـ"العادة" وهي بمثابة إعلان عامّ عن الشروع في إقامة الليلة وتُقَدَّم خلالها "الذبيحة"، أما في الليلة الثانية فتبدأ مراسم "الجدبة"، الرقص والتماهي مع الموسيقى، وتصل إلى حالات الإغماء وفقدان الوعي، بفضل الأحاسيس التي تبعثها الموسيقى في نفوس المريدين".

آفاق عالمية

خلال الأيام الأربعة الماضية من 20 إلى 23 يونيو/حزيران الجاري، كانت مدينة الصويرة، على موعد مع مهرجان "كناوة موسيقى العالم"، الذي يعود إليه الفضل حسب كثيرين في إيصال الفن الكناوي إلى العالمية، خلال دوراته الـ22 الماضية.

يستقطب المهرجان، الذي ينظَّم في شهر مايو/أيار أو يونيو/حزيران من كل سنة، أسماءً عالمية من مشارب فنية وموسيقية مختلفة، للمشاركة في فاعلياته، ويقترح عروضاً وسهرات حية تمزج فيها إيقاعات كناوة مع أنغام موسيقية من مختلف أنحاء العالم، كالبلوز والجاز والريغي والأفرو.

ويعرف هذا الحدث الفني إقبالاً كبيراً من ساكنة مدينة الرياح ومن زوارها القادمين من مدن مغربية وأجنبية، فتتحول معه المدينة إلى كرنفال فنّي يصدح بإيقاعات كناوة، وتسود فيه قيم الحب والتعايش في أزقة مدينة الرياح التي تفتح أحضانها للجميع.

تتكون فرقة
تتكون فرقة "كناوة" من مُغَنٍّ رئيسي يُسَمَّى"لمعلم"، يعزف على آلة "الكمبري"، وإلى جانبه باقي أعضاء الفرقة، يُسَمَّون "الكويو". (TRT Arabi)

تقول فردوس، طالبة بمعهد للسينما بالمغرب، إنها تحضر المهرجان للمرة الرابعة، وفي كل مرة تكون التجربة أجمل وأمتع مع مدينتها المفضلة الصويرة.

تضيف الفتاة الشابة في تصريح لـTRT، إنها لا تفوّت فرصة الحضور إلى الصويرة متى أُتيحَ لها ذلك، نظراً إلى عشقها الكبير لموسيقى كناوة، كاشفة أن دورة هذه السنة كانت الفضلى، خصوصاً الحفل الفني الذي أحيته مجموعة "تيناروين" الطوارقية ومزجها الموسيقي الساحر مع موسيقى كناوة مع المعلم عمر حياة.

وشكّلَت دورة هذه السنة، حسب اللجنة المنظمة، فرصة لـ"لقاء فنانين بارعين في مختلف الألوان الموسيقية، حضروا وأثبتوا مرة أخرى الروح العالمية للموسيقى، اللغة التي يفهمها الجميع، التي تعمل على محاورة عشاقها بكل النغمات والأصوات، واكتشفوا تاكناويت، التي كانت في قلب هذه الحوارات".

وبغض النظر عن سعيه لنشر فن كناوة، قدّم المهرجان لجمهوره فنانين قادمين من آفاق موسيقية مختلفة، ليؤكّدوا مرة أخرى الطابع الكوني للغة الموسيقى، وكونها لغة حوار عابرة للحدود.

يُشار إلى أن عشاق فن كناوة، ينتظرون شهر ديسمبر/كانون الأول المقبل بفارغ الصبر، إذ ستقرر اللجنة الحكومية الدولية التابعة لليونسكو في الطلب المقدم من المغرب لإدراج فن كناوة في قائمة التراث الشفهي وغير المادِّيّ للبشرية.

المصدر: TRT عربي