على حد وصف وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي السيد ورانك، فإن الغاية من حملة التكنولوجيا الوطنية التركية هي المساهمة الحقيقية في إنتاج 919 منتجاً تكنولوجياً ذا قيمة عالية.

ويتم تصديرها إلى الخارج لتساهم في زيادة حجم الصادرات وقيمة العائدات من العملة الأجنبية إلى البلد، بحيث يتم سد العجز في التجارة الخارجية الذي تبلغ قيمته ما يقارب 50 مليار دولار.

في علم الاقتصاد توجد نظريتان متداولتان بين الدول، تتمثل الأولى في النظرية الليبرالية وهي الأكثر انتشاراً حول العالم، تتبناها معظم الدول حيث إنها تعتبر نظرية العصر. أما الثانية وهي نظرية الحمائية فرغم قلة اعتمادها بين الدول واعتبارها نظرية قد سار عليها الزمن، فإن القليل من الدول بدأت تميل إلى تطبيقها، بل زادت الحاجة إلى اعتمادها خلال جائحة كورونا وبعدها.

النظرية الليبرالية في الاقتصاد تعني الانفتاح على الأسواق الخارجية سواء بالتصدير أو الاستيراد، أي أن يكون السوق حراً دون أي قيود جمركية أو ضريبية حمائية تضعها الدول لحماية المنتجين المحليين والحفاظ على المنتج الوطني، فهذه النظرية تتبنى فكرة السوق الحر دون تدخل الدول في التجارة، ممَّا يساهم في تطوير حجم التجارة ورفع رفاهية حياة الأفراد وازدهار الأمم.

أما عن النظرية الحمائية في الاقتصاد فهي مبنية على أساس تقييد الواردات من البلدان الأخرى، وتدخل الدول في التجارة من خلال اعتماد الدولة قيوداً معينة مثل وضع التعريفات الجمركية على البضائع المستوردة. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية كانت السياسة المعلنة لمعظم دول العالم الأول هي القضاء على الحمائية، وذلك من خلال اعتماد سياسات التجارة الحرة التي تنفذها المعاهدات والمنظمات الدولية مثل منظمة التجارة العالمية.ويزعم المؤيدون لهذه النظرية بأن السياسات الحمائية تحمي المنتجين والعاملين المحليين في البلاد من المنافسين الأجانب.

ولكن اليوم أدركت الكثير من دول العالم مدى حاجتها إلى تبني النظرية الحمائية وأهمية الإنتاج الوطني خلال جائحة كورونا، وذلك من خلال عدم الوصول إلى الكمامات، والمواد الأساسية الغذائية، ومواد التنظيف والعلاج وغيرها، حيث قامت الدول المصدرة بإيقاف جزئي أو كلي لصادراتها إلى الدول الأخرى خوفاً من عدم القدرة على تلبية الاحتياج الداخلي، بسبب توقف الكثير من المصانع عن العمل بسبب إجراءات الوقاية من فيروس كورونا. لم تعانِ الدول المصنعة خلال الأزمة من نقص المنتجات والمواد الأساسية مثل غيرها من الدول الناشئة والمستورِدة، ممَّا جعل الأخيرة تدرك مدى أهمية تدخلها كدولة في تشجيع الإنتاج الوطني وإحيائه من جديد.

كذلك الحال في تركيا التي أدركت مبكراً وقبل جائحة كورونا أهمية هذه النظرية بما يخص مجال التكنولوجيا الهام، عبر تبنيها حملة التكنولوجيا الوطنية التركية، وانطلاق فكرة إنتاج السيارة الكهربائية الوطنية بتشجيع حكومي في عام 2017 أيضاً خير دليل على ذلك. يعود السبب في اتجاه تشجيع الصناعات الوطنية في مجال التكنولوجيا إلى سد الاحتياج الداخلي ورفع قيمة الصادرات وعدم التبعية للدول الصناعية المتطورة.

فكما صرح وزير الصناعية والتكنولوجيا التركي السيد مصطفى ورانك قائلاً: "إنهم (الدول الصناعية المتطورة في مجال التكنولوجيا) يحتمون في السياسات الحمائية عندما يواجهون أقل صعوبة أو خطر. كذلك كانوا قبل 300 عام وقبل 100 عام أيضاً، وكذلك الحال في يومنا الحالي.

لقد نفذوا سياسات حمائية لسنوات من أجل تطوير تقنياتهم الخاصة، وعندما تحقق صناعاتهم التفوق التكنولوجي يصبحون يطالبون بتحرير الأسواق وفتح كل الأبواب.

ويشرح كتاب "التاريخ السري للتصنيع" ذلك بوصف هذه الحالة باستعارة السلم، فتتسلق الدول الغنية السلم بينما تحمي صناعاتها المحلية، وعندما تنتهي من تطوير صناعتها تتخلص من السلم ولا تسمح للبلدان الأخرى باستعارة السلم نفسه وحماية صناعاتها المحلية. لكن الأزمات والأوبئة تأتي لتعيق خطط هذه الدول التي تناشد بالعولمة، وها نحن نرى اليوم تجدد تطبيق السياسات الحمائية من قبل الدول بعضها ضد بعض. وعلى ما يبدو فإن الاتجاه نحو الحمائية يزداد تدريجياً بعد الوباء".‍

لا يعني كلام الوزير التركي أن تركيا كدولة سوف تتبنى النظرية الحمائية في اقتصادها تماماً، وقد أفاد الوزير قائلاً: "تركيا لم تغلق ولن تغلق يوماً أبوابها، ولم تكن ولن تكون عائقاً أمام التجارة الحرة". أي أن تركيا متبنية لنظرية الليبرالية في اقتصادها، لكنها كدولة لديها النية الجادة في المساهمة في تطوير مجال التكنولوجيا الهام والمصيري في يومنا الحاضر.

فما حملة التكنولوجيا الوطنية التركية الهامة، ومدى تأثيرها على الاقتصاد؟

هي عبارة عن مبادرة تقوم الدولة التركية من خلالها بتقديم الدعم اللازم لإنتاج المنتجات والأنظمة التكنولوجية المتقدمة المحلية، والمساهمة في تنفيذ المشاريع والبرامج المتعلقة بهذا المجال، إلى جانب المساهمة في إنشاء البنية التحتية المطلوبة لتنفيذ مشاريع بهذا المستوى، وذلك سيتم بقيادة وزارة الصناعة والتكنولوجيا التركية.

وقد تم إنشاء مديرية عامة جديدة باسم المديرية العامة للتكنولوجيا الوطنية بمرسوم رئاسي تم نشره في الجريدة الوطنية التركية، وستكون هذه المديرية تابعة لوزارة الصناعة والتكنولوجيا. وتقوم هذه المديرية العامة برفع الكفاءة والقدرة للدولة التركية في مجال التكنولوجيا، وتكون مخولة لتقديم الدعم اللازم للمشاريع والبرامج التي تقوم بتطوير منتجات تكنولوجية ذات تقنيات متقدمة في ضوء تطبيق حملة التكنولوجيا الوطنية.

تعتبر هذه الحملة خطوة هامة في الاستقلال التركي بمجال التكنولوجيا الهام في مختلف الصناعات الحالية، وخاصة الصناعات الدفاعية، وقد صرح الرئيس أردوغان خلال حديثه عن الحملة الوطنية التركية قائلاً: "إن تركيا أضحت دولة تصنع بإمكاناتها الخاصة 65% من احتياجاتها في مجال الصناعات الدفاعية. لم نلبِ احتياجاتنا فحسب، بل وصلنا إلى مستوى هام في الصادرات. واليوم يتم تنفيذ 600 مشروع يتعلق بالصناعات الدفاعية جارٍ العمل عليه في تركيا، يضم مجموعة كبيرة من المنتجات مثل: الدبابات، والمركبات المدرعة، والسفن الحربية، والغواصات، والمقاتلات الجوية، والمروحيات، والطائرات من دون طيار المزودة بالسلاح، والبندقيات، والأقمار الصناعية، وأنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ، وأسلحة الليزر".

كما قد صرح نائب وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي السيد محمد فاتح كاجير قائلاً: "ستعمل تركيا في ضوء حملة التكنولوجيا الوطنية على زيادة قدرتها التنافسية العالمية، والحصول على استقلالها التكنولوجي والاقتصادي. وخير دليل على ذلك النجاح الناتج في إنتاج أنظمة الدفاع من خلال تطبيق مشاريع تطوير التكنولوجيا في صناعة أنظمة الدفاع. حيث زادت هذه المشاريع من قدرة المزودين المحليين في إنتاج التكنولوجيا، وساهمت في خفض تكاليف الإنتاج، ورفعت من قابلية تطوير منتجات تكنولوجية ذات تقنيات متقدمة مثل: الطائرة المسيّرة من دون طيار، والصواريخ، وأنظمة الرادار، والأقمار الصناعية. وبذلك فقد ارتفع الإنتاج والاستهلاك المحلي للمنتجات التكنولوجية ذات التقنيات المتقدمة في صناعة أنظمة الدفاع من 20% إلى 68%".

أما من ناحية تأثير الحملة الوطنية التركية على الاقتصاد التركي، فعلى حد وصف وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي السيد ورانك، فإن الغاية من حملة التكنولوجيا الوطنية التركية هي المساهمة الحقيقية في إنتاج 919 منتجاً تكنولوجياً ذا قيمة عالية، يتم تصديرها إلى الخارج ممَّا يساهم في زيادة حجم الصادرات وقيمة العائدات من العملة الأجنبية إلى البلد، بحيث يتم سد العجز في التجارة الخارجية الذي تبلغ قيمته ما يقارب 50 مليار دولار.

TRT عربي