كشفت منظمة "غلوبال ويتنس"، في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشيال تايمز البريطانية، أن آل الأسد وأقرباءه من آل مخلوف اشتروا عقارات في أفخم أحياء موسكو، وذلك ضمن خطة تهدف إلى تهريب ثروة النظام إلى الخارج.

فتحت منظمة "غلوبال ويتنس" بكشفها عن عشرات العقارات التي اشتراها أفراد من عائلة رئيس النظام السوري بشار الأسد وأقربائه في العاصمة الروسية مؤخَّراً الباب للتساؤل عن مصدر ثروة الأسرة الحاكمة في سوريا وحجمها، ومدى تأثرها بتكاليف الحرب المستمرة منذ 7 سنوات، والأهمّ من ذلك الشرخ الهائل بين معاناة المواطن السوري العادي من الأزمات الاقتصادية المتلاحقة والفقر المدقع الذي ابتلع ملايين، والثراء الفاحش الذي يعيشه أهل السلطة.

فحسب ما كشفت المنظمة، في تقرير نشرته صحيفة "فاينانشيال تايمز البريطانية، فإن آل الأسد وأقرباءه من آل مخلوف اشتروا عقارات في أفخم أحياء موسكو، وذلك ضمن خطة تهدف إلى تهريب ثروة النظام إلى الخارج بعيداً عن العقوبات الغربية.

وأوضح التقرير أن الأسد اشترى ما لا يقلّ عن 18 شقة فاخرة في برج داخل مجمع "موسكو سيتي"، فيما اشترى بعض أفراد عائلة مخلوف وكذلك بعض أبناء عمّ وعمات الأسد ما لا يقل عن 20 شقة باستخدامهم قروضاً مموَّلة من شركات لبنانية في الخارج بقيمة تتراوح بين 20 و40 مليون دولار، بين عامَي 2013 و2019.

وفي ما يشبه التأكيد لما ورد في التقرير، نفى المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، علمه بشراء الأسد وأفراد من أسرته عقارات فاخرة في موسكو، إلا أنه وصف ذلك بأنه "ممارسة معتادة على نطاق واسع... لأن روسيا لديها سوق حرة تماماً".

قد لا تشكّل قيمة العقارات التي كُشف عنها مبلغاً كبيراً بالمقارنة مع حجم ثروة أصغر رجل أعمال مقرَّب من النظام، لكنها تسلّط الضوء على آلية غسل الأموال وتهريبها إلى الخارج التي يستعين بها الأسد وأقاربه لحماية ثرواتهم، في الوقت الذي يئنّ فيه المواطن السوري تحت وطأة الأوضاع المعيشية والاقتصادية البائسة التي تزداد بؤساً يوماً بعد يوم.

الحجم الحقيقي لثروة الأسد

لا توجد أرقام دقيقة عن ثروة آل الأسد، حسب المحلل الاقتصادي مرشد النايف، الذي يعزو ذلك إلى غياب الشفافية ومنع مؤسسات الإحصاء من الدخول إلى السوق السورية، مستدركاً بالقول: "سيكفي للدلالة على حجم ثروات آل الأسد الطائلة أنهم كانوا يحتكرون طوال العقود الخمسة الماضية تجارة النفط والفوسفات وغيرها. ويكفي التذكير بأن شركة شام" لقابضة التي يملكها رامي مخلوف (ابن خال الأسد) تُقدَّر قيمتها بمليارَي دولار في 2011، ناهيك بشركة الطيران الخاصة التي كان يمتلكها وشركة سيريتل".

ويرى النايف في حديث مع TRT عربي، أن ثروة آل الأسد وآل مخلوف ربما تراجعت قليلاً خلال الحرب، لكنه يلفت إلى أن "حركة التهريب وشُحّ الموادّ السلعية في السوق منح هؤلاء ميزة التحكُّم في السوق، وبالتالي تحقيق معدَّلات أرباح مرتفعة جدّاً".

من جهته يرى الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي ناصر زهير، أن كل ما كُشف عنه من ثروات آل مخلوف والأسد لا يمثّل أرقاماً حقيقية، فهي أكبر من ذلك بكثير. وأضاف: "هذه الثروات لم تتأثر بالحرب بل تَضخَّمَت أكثر، فتجار الأزمات استفادوا كثيراً من الحرب والأزمات المعيشية، وظهر عديد من العائلات والشخصيات الثرية إلى جانب أثرياء النظام، وتضخمت ثرواتها بشدة. وهذا الثراء تنامى في الحرب السورية لأن كل القطاعات الاقتصادية في سوريا كانت تتبعهم، وبالتالي كل العوائد الاقتصادية لتجار الأزمات كان لآل الأسد نصيب فيها مما جعل ثرواتهم تتضخم أكثر".

معاناة تزداد

يعيش 80% من السوريين تحت خط الفقر، حسب تقرير للأمم المتحدة صدر في مارس/آذار الماضي، فيما يحتاج نحو 12 مليون شخص إلى أنواع مختلفة من المساعدات، مثل الغذاء والمياه والنظافة والرعاية الصحية والمأوى.

وحسب نفس التقرير، يوجد خارج العملية التعليمية قرابة 2.1 مليون طفل وطفلة سورية، كما أن سوء الأوضاع المادية يجعل قرابة 6.5 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي.

وتدهورت الرعاية الصحية في سوريا بشدة، حتى بات 13.2 مليون سوري يحتاجون إلى مساعدة صحية، لا سيما أن 46% من المستشفيات والمرافق الصحية الأولية أصبحت غير فعالة إما جزئيّاً وإما كلّيّاً، وفقاً لتقرير الأمم المتحدة.

وعلى مدار السنوات القليلة الماضية عاش المواطن السوري أزمات اقتصادية متلاحقة، كان أبرزها وأحدثها شُحّ المشتقات النفطية، الذي تَسبَّب العام الماضي في ظهور طوابير طويلة جدّاً تمتدّ لعدة كيلومترات أمام محطات التوزيع، في عديد من مناطق دمشق وحلب، بالتوازي مع ارتفاع لا يهدأ في أسعار المحروقات ومعظم السلع في الأسواق، مما ولد فجوة كبرى بين دخل السوري المحدود ومصروفه.

ويبدو أن المساعدات الدولية رغم تراجعها إضافةً إلى التحويلات الخارجية سواء إلى مناطق النظام أو المعارضة، تساهم في سدّ بعض العجز بين الدخل والإنفاق.

مسؤولية النظام

لقد انتهج نظام الأسد منذ اندلاع الثورة السورية سياسات اقتصادية لا تصبّ في مصلحة الاقتصاد المحلي، بل في مصلحة بقائه. هذه السياسات بجانب الظروف التي خلقتها الحرب مكّنَت رموز النظام من مراكمة ثرواتهم بدلاً من إعادتها إلى الشعب الذي يكتوي بنار الفقر والغلاء وويلات الحرب والنزوح.

يرى الباحث الاقتصادي السوري مناف قومان، أن العامل الأبرز الذي أسهم في إدخال الاقتصاد السوري هذه الأزمات، هو طريقة تعاطي النظام مع الأزمة وتفاعلاتها.

ويضيف قومان في حديث لـTRT عربي: "كان الملاحظ منذ البداية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية من أزمة الليرة، والميزانية التضخُّمية، ورفع الدعم عن المواد الأساسية، وسياسات نقدية ومالية أخرى، أن الهدف الأساسي لم يكن الحفاظ على كينونة الاقتصاد ومفرداته وما راكمته البلاد على مدار السنوات الماضية، بقدر الحفاظ على سلطة وسطوة نظام الأسد نفسها على البلاد".

وأشار إلى أن هذا التغاضي انعكس على معيشة المواطن، فتضررت أعماله وهبطت قيمة مدخراته، وتَحمَّل أعباء معيشية عالية بسبب التضخُّم وانخفاض قيمة العملة وما يقابله من رفع سياسات الدعم.

واعتبر أن "تشظي البلاد بين القوى الفاعلة في الصراع، الذي شكّل بيئة خصبة لاقتصاد الحرب، لعب دوراً في خلق شبكات تجارية زاوجت بين النظام وتلك القوى المسيطرة أدَّت معها إلى زيادة إرهاق الحالة الاجتماعية للمواطن وتحميله أعباء لا تطاق".

تأجير المرافق

ومع بروز دور روسيا وقبلها إيران في حماية الأسد من السقوط، والمشاركة الفعالة في القتال بجانب قواته ضدّ فصائل المعارضة السورية، بدأ النظام يتجه نحو سياسة تأجير المرافق الاقتصادية الرئيسية لهاتين الدولتين أو لشركات تابعة لهما، مما يدعو إلى التساؤل حول جدوى هذه السياسة اقتصاديّاً.

الباحث الاقتصادي مناف قومان يعتقد أن هذه السياسة "تصبّ في خانة سداد الدين ورد الجميل للدولتين التين ساعدتا النظام، روسيا وإيران، وبالتالي لا تغلّب هذه الصفقات لغة المصلحة الوطنية ولا تحاكي الأساس الاقتصادي لعقد صفقات ضخمة كهذه".

ويؤكّد أن "عدم جدواها الاقتصادية لا ينبع من الخدمة أو المنتج نفسه، كالفوسفات والنفط والغاز والأرض والمواني والزراعة والكهرباء وإعادة الإعمار، وهي كلها مرافق وعقود وقّعها النظام مع الدول الحليفة له، بل تنبع من العقود الاقتصادية نفسها"، مستطرداً: "لا أعرف دولة وقّعَت مع دولة أخرى سبعة عقود اقتصادية ضخمة في يوم واحد كما فعل النظام مع إيران، ولا أعرف دولة تأخذ حصة أقلّ من الشركة المستثمرة في مورد قوميّ هامّ كما فعل النظام مع روسيا، هذه عقود أشبه بالإذعان وتحتاج إلى مراجعة".

من جهته أوضح الباحث في العلاقات الدولية والاقتصاد السياسي ناصر زهير، أن "سياسة تأجير المرافق الضخمة لدولة أو شركات أجنبية لا تكون مجدية في الدول التي يستشري فيها الفساد، إلا إذا أُجّرَت بعائد حقيقي وربح صافٍ يعود إلى الدولة، مع ما يوفّره عليها من فساد وخسائر وسرقات".

ولكن في دولة مثل سوريا، حسب زهير، فإنه "يجري تأجير المرافق الحكومية والاقتصادية الضخمة بمحسوبيات وبمبالغ بغير قيمها الحقيقية، ويأتي ضمن التبعية السياسية والاقتصادية، مثل تأجير ميناء طرطوس لروسيا".

الفساد أصل المعاناة

وعند تعداد الأسباب التي أدَّت إلى تدهور الاقتصاد السوري في السنوات الأخيرة، تتوجه أصابع الاتهام غالباً نحو ظروف الحرب، رغم مسؤولية النظام السوري نفسه عنها، لكن الملاحظ أن أحد أهمّ وأبرز الأسباب على الإطلاق هو "الفساد" الذي تعود جذوره إلى عقود، ولم تجرِ معالجته بطريقة جادَّة سابقاً ولا خلال سنوات الحرب، بل تعمقت ممارسته، وفق مراقبين.

المحلل الاقتصادي السوري مرشد النايف، لفت إلى أن سوريا باتت اليوم تحتل المرتبة 187 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2019 ضمن قائمة تضم 180 دولة، ويضيف: "سوريا على الدوام تتراجع ضمن هذا المؤشر، قبل الثورة السورية وبعدها".

وكان النظام شنّ، حسب ما بدا في وسائل إعلامه، حملة ضدّ "الفساد والفاسدين" من رجال أعمال مقرَّبين إلى النظام، بل طالت الحملة، حسب ما قيل، أفراداً من أسرة آل مخلوف، التي تتقاسم الثروات مع آل الأسد. وأصيبت مصداقية هذه الحملة في الصميم مع الكشف عن عقارات موسكو الفاخرة، التي تؤكّد ما كان السوريون يصفون به رامي مخلوف، رجل الأعمال وابن خال بشار الأسد، من أنه "المدير المالي" لثروة النظام.

وتعليقاً على ذلك يرى النايف أنه "لا يمكن لنظام مثل نظام الأسد قام وتكسب على الفساد واستمرّ عليه أن يحارب نفسه، لذلك فهي مجرد حملات تبيع أوهاماً جديدة للحاضنة الاجتماعية في الداخل السوري، وحاليّاً نتلمَّس مصداقية تلك الحملة في فضيحة عقارات موسكو".

وأضاف أن كل ما يُتحدَّث عنه حاليّاً من حملات لمكافحة الفساد "ما هو إلا أنشطة تريد حرف أنظار السوريين عن ملفات أكثر سخونة وحيوية، من بينها -على سبيل المثال لا الحصر- الحاجة إلى إلجام التراجعات القياسية لسعر صرف الليرة السورية، وتوفير معروض سلعي يلبِّي حاجة الطلب في السوق الداخلية، وإعادة تدوير عجلة الإنتاج السوري.

المصدر: TRT عربي